هل يَصُح الصحيحان؟!!

الصحيحان هما صحيح البخاري وصحيح مسلم , بمعنى أنهما يحتويان على الأحاديث النبوية الصحيحة.

والتسمية لها مدلولات وإشارات , ويرجع السبب إلى أن الأمة قد مرت بمرحلة مضطربة بعد وفاة النبي , وذلك أن صاحب أية غاية صار يبررها بقول ينسبه إلى النبي , أي أن الأحاديث تحولت إلى وسائل لبلوغ غايات لا تعد ولا تحصى.

بل أنها صارت لتبرير الفظائع والجرائم والآثام والإستئثار بالحكم والظلم والقهر والسلب والنهب والإعتداء على حقوق الآخرين , ووسط ذلك التشوش والخلط والإستثمار الغاشم بالأحاديث , تصدى البخاري للحالة وبدأ بجمع الآحاديث وتنقيحها والتأكد من صحتها , ولهذا سمّى ما جمعه بالصحيح , بعد أن بذل جهدا عظيما للتحقق من صحة ما ينسب للنبي.

ويُقال أنه جمع سبعين ألف حديث (وربما يكون في هذا الرقم تضخيم) , وإستخرج منها سبعة آلاف أو يزيد بقليل عن ذلك , وضمها في صحيحه , وهذا الصحيح وفقا لإجتهاده وبحثه وتقصيه , فصحة ما تمكن منه يتناسب وقدراته وما توفر له من مصادر ووسائل وإمكانات ومهارت للتشذيب والتقدير والمقايسة والتقييم , وقد إتبع منهجا واضحا في جمعه للأحاديث , وفقا لآليات النقل والتقصي والتحقيق.

ومضى على خطاه تلميذه مسلم , فحاول الإثنان أن يوقفا هذه النزعة الإضطرابية العشوائية التي عصفت بمجتمعات الأمة , وإتخذت منها وسائل للوصول إلى ما هو دنيوي ومناهض لجوهر الدين والرسالة التي عبر عنها القرآن.

ويجب أن نكون منصفين وعقلانيين في تقييم جهد الرجلين وغيرتهما على الأمة والدين , ووفائهما للنبي الأمين وتحريره مما يُنسب إليه من الكلام , وبرغم ما بذلاه , فهذا لا يعني أنهما قد تمكنا من وضع اليد على الأحاديث الصحيحة تماما , وإنما قد أنجزا عملا موسوعيا فيه نسبة عالية من الموضوعية والعلمية والعقلانية والمنهجية , ويمكن النظر في صحيحهما ومقايسة بعض الأحاديث التي وفقا لما توفر اليوم من وسائل ومعلومات وقدرات معرفية , يمكن القول بأنها ذات درجة ضعيفة أو قوية من الصحة.

أي لا يمكن نسف الصحيحين والهجوم عليهما بعدوانية وإنفعالية , والتقليل من شأنهما ومن جهد الرجلين وجدهما وإجتهادهما للحفاظ على الأمة والدين من عبث العابثين والمعادين , والذين يريدون الدس والتشويه وإبطال الدين.

فهناك دعوات لنسف التراث العربي بأسره وإعتباره أكاذيب وأباطيل وتلفيقات , وهذه توجهات مناهضة للموضوعية والمنطق السليم , فالأمة أوجدت نوابغ وجهابذة وموهوبين في ميادين الحياة المتنوعة , وإستطاعوا العمل على إنجاز موسوعات معرفية قد نعجز عن الإتيان بمثلها رغم تطور وسائل الكتابة والطباعة.

ولهذا فعلينا أن نقترب من هكذا موضوعات بعلمية ومناهج بحثية صارمة وذات قيمة معرفية رصينة , لا أن ندع الأهواء تفعل فينا كما تشاء.

وتحية للعقول التي ذادت عن هوية الأمة وجوهر كينونتها العظمى.

فهل من بصر سليم؟!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close