(عيون كبريت) في الموصل تهملها الحكومة ويقصدها الناس للعلاج

الموصل- مجيد سعيد

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أن مجموعة من الأشخاص قد فقدوا عقولهم ووقفوا شبه عراةٍ مثل تماثيل منحوتة على ضفة نهر دجلة إذ لا يمكنُ لزائر المكان للمرة الأولى أن يعرف بأن أولئك الملطخين تماماً بالطين إنما يخضعون لعلاج بمياه الكبريت المتدفقة بغزارة من عينٍ هناك.

يحدث هذا منذ عقود طويلة فالناس يفدون إلى عين كبريت من داخل الموصل ومدن عراقية أخرى متتبعين نصائح تلقوها أنهم سيجدون فيها علاجاً للأمراض الجلدية التي ألمت بهم.

وعلى الرغم من الشهرة الشعبية لعين كبريت إلا أنها بقيت خارج خطط الاستثمار السياحي أو حسابات الحكومات الحكومية أو إدارات بلدية الموصل المتعاقبة لذلك ظلت مياهها الكبريتية الثمينة تتدفق بسخاء منذ عقود بعيدة متسربة إلى مجرى النهر وحوضها الصخري الصغير محاط بالنفايات بسبب الإهمال.

عين سحرية !

جمال غانم، تاجر مواشٍ في عقده السادس اعتاد على زيارة عين كبريت منذ صغره. يقضي كل مرة زهاء الساعة مقرفصاً في المياه الكبريتية ليسكن آلام مفاصله.

غرف بيده اليُمنى الطين المترسب ومرره على ذراعه اليسرى وكتفه ثم اعادة الكرة بيده اليسرى وبالمهارة ذاتها غطى بالطين ذراعه وكتفه.

قال بأن أسراراً كثيرة تكتنف هذه العين. ثم أشار إلى المياه المتدفقة من تحت السور قبل أن يتضخم صوته ليُسمِع الملطخين حولنا بالطين : ” هذه المياه تزيد فقط يوم الأربعاء وتعود إلى حالتها هذه في بقية الأيام”.

ثم تلفت متسائلاً: ” في أي يوم نحن”.

فسمعنا أصواتاً متحمسة عديدة تجيبه: ” إنه يوم الجمعة ” .

” حسنٌ ستجدون ضعف هذه الكمية في يوم الأربعاء” قال مشتاق وهو يستقيم ليدلك بالطين ركبتيه. ثم تابع: ” كان جدي وأبي يصحبانني الى هنا عندما كنت صغيراً، فالمياه تصلح لعلاج أمراض كثيرة منها الأكزيما والجرب وحب الشباب والمفاصل والانزلاق الغضروفي”.

مشتاق فؤاد سعيد من سكان قضاء زاخو التابعة لمحافظة دهوك قطع مسافة طويلة ليخفف بماء الكبريت تفاقم داء الصدفية في جسده.

قال بأنه جال عيادات أطباء عراقيين وكذلك في دول الجوار إلا أنه لم يجد حلاً لمرضه الذي يقض مضجعه منذ نحو خمسٍ وعشرين سنة ووجد الراحة فقط عندنا اغتسل بمياه عين كبريت.

وقال: ” المياه دافئة في الشتاء وباردة في الصيف شيء غريب بالفعل والأغرب أن جلدي يتعافى بعد أيام من وجودي هنا وهو ما لا تفعله الدهونات والمراهم الطبية التي أعتدت على دهن جلدي بها طوال سنوات” .

تقع عين كبريت على الضفة اليمنى لنهر دجلة وبالتحديد تحت الآثار المتبقية من قلعة باشطابيا الأثرية وسط مدينة الموصل وتشير مصادر تأريخية إلى أنها ظهرت قبل أكثر من ألف سنة بحسب كتاب دليل الموصل للمؤرخ عبد الجبار الجرجيس الصادر سنة 1975. وثبت ان غزارة مياه العين مرتبط بغزارة الأمطار في الشتاء والربيع وهي تقل على أية حال في أشهر الصيف الذي تحبس فيه السماء عادة.

إهمال حكومي

وعلى الرغم من الشهرة الشعبية لعين كبريت إلا أن كثيرين يمتنعون عن زيارتها بسبب الإهمال الحكومي الذي يجدونه غير مبرراً للمكان فالنفايات تؤثث المكان وعدم التنظيم سمة بارزة مع الافتقار إلى أي مرفق مصاحب كما هو موجود في عيون مشابهة في دول أخرى محيطة.

تاجر الأقمشة قيس هاني قارن بين عين كبريت وعيون المياه في مدينة صندقلي التركية التابعة لولاية أفيون: ” هناك منتج صحي وسياحي متكامل من أحواض وحمامات وكافتريا وكل ما يحتاج إليه الشخص وهنا لا نجد سوى مكب أوساخ وصخور مبعثرة وفسحة جرداء من أبسط ملحق خدمي”

ودعا هاني بلدية الموصل والجهة المختصة بالسياحة في محافظة نينوى إلى تخصيص مشروع قال بأنه لن يكلف كثيراً لتشجيع الناس على زيارة المكان الذي يقع في أجمل منطقة في الموصل مؤكداً أن المكان بأسره سيتحول الى منطقة سياحية تدر المال وتوفر فرصة عمل كثيرة للعاطلين خصوصاً من سكان المنطقة القديمة التي تقع فيها عين كبريت.

مكان ذكوري

هزاع فارس من سكان مشيرفة غربي الموصل قال بأنه ورث مع شقيقته الصغرى داء الصدفية من والدتهما لكن وبسبب طبيعة مكان عن كبريت الخالية من أي مرفق نسوي يضطر للمجيء بمفرده بين الحين والآخر ويأخذ عبوتي مياه سعة عشرين لتر لتتحمم بها شقيقته في المنزل.

وذكر بأن عين كبريت حكر فقط على الذكور وعلى الحكومة ان تجد حلاً مناسباً تستطيع من خلاله العائلات أيضاً من استخدامها. ثم قال متهكماً: “يجب أن يعرفوا بان النساء أيضاً يمرضون !”.

ويذكر علاء الدين صبحي وهو متقاعد في عقده السابع من سكان منطقة المستشفى في الجانب الأيمن للموصل أن العائلات الموصلية كانت تزور عين كبريت قبل الحرب العراقية الإيرانية في العقد الثامن من القرن المنصرم. إذ كان هنالك مكانان منفصلان للرجال والنساء كما كان هنالك مكان مخصص للجلوس وشرب الشاي إلا أن ذلك لم يعد موجوداً اليوم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close