من يحب البرلمان؟

علي حسين

عندما يقتل ما يقارب المئة وخمسون متظاهرا، لا لشيء سوى أنهم رفعوا علم العراق في الساحات.. وعندما تمتلئ المسنشفيات بالجرحى،
ومراكز الشرطة بالمعتقلين، فإن على مجلس النواب إذا كان يمثل الشعب كما يدعي أن يعقد جلسة طارئة تستمر لأيام حتى يجد مخرجا للبلاد من الفوضى.. لكن تصور عزيزي القارئ أن المجلس فشل في عقد جلسة يوم السبت بسبب عدم اكتمال النصاب وغياب ما يقارب 250 نائبا، يتجولون مع عوائلهم في مولات دبي وبيروت ولندن.. ثم بعد ذلك يعطف السادة النواب ويتكرمون على الشعب فيعقدون جلسة عرجاء يغيب عنها ما يقارب المئة وخمسون نائبا مايزال البعض منهم لا يدري أن هناك ضحايا سقطوا في العراق.. هذا يحدث في بلاد يتبجح ساستها بأنهم مؤمنون ويؤدون الفرائض، ويطالبون بمنع الاختلاط في المدارس، وإعلان قوانين عن قدسية المدن، في الوقت الذي نجد فيه بلادا “كافرة” مثل هونغ كونغ لا تزال التظاهرات فيها مستمرة منذ أكثر من سبعة أشهر، ويخرج الشباب بالملايين، دون أن يسقط قتيل واحد.. بل إن العديد من أعضاء البرلمان انضموا للاحتجاجات. .
في بلاد تحول فيها معظم الساسة إلى رموز وطنية في مواجهة محور الشر الذي يضم شباب التظاهرات، فان كل من يطالب بمحاسبة المفسدين، من أجل القضاء على روح الاحتجاج عند المواطن والحفاظ على الحكم الطائفي الانتهازي .
سيقول لك البعض يارجل إن حرية التعبير في العراق غير مسبوقة، فيكفي أنك تكتب ما تشاء، ثم تذهب إلى بيتك آمنا مطمئنا، هل تريد حرية أكثر من هذه؟ سؤال وجيه ومعقول، لكن آه من إجابته .
لن ينفع العراقي قرارا بتحويل قتلى التظاهرات إلى شهداء، سوف يكون أنفع للمواطن أن نضع قانونا يحاسب الذين يتجاوزون على كرامة العراقي، أو قانونا ينقذ آلاف العوائل الفقيرة من النوم في مساكن الصفيح والعشوائيات.
لم يعد في إمكاننا الصراخ بأننا خير أمة أخرجت إلى الناس، لأن الخير هو في الحفاظ على كرامة الإنسان، وأن لا تنتهي حياته في التسول، وانتظار زيارة عطف من مسؤول أممي.
لا يكفي شعار الإيمان والتقوى من دون شعار الرحمة. ولا تكفي حرية التعبير من دون العدالة الاجتماعية. تعالوا نتعلم من الصين “الكافرة” التي أخبرنا رئيسها أن ما يؤرق النظام هو، ألا يجد الطفل مدرسة يذهب إليها، وأن يبقى الشاب في البيت، لا عمل يذهب إليه.
أسوأ ما يحدث للأوطان من تفاقم المحن أن يبلغ الأمر بالسياسيين الفاشلين منع الناس من الاحتجاج وقطع الانترنت. ولكن الأسوأ أن نطلب الحرية من سياسي سارق ونصاب.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close