الحياة توتر دائم بين الواقع وما ينبغي ان يكون !

* د. رضا العطار

يولد الانسان بمفرده ويموت بمفرده، كما ان الانسان لا يولد الاّ مرة واحدة ولا يموت الاّ مرة واحدة ! ومعنى هذا اننا هنا ازاء ظاهرتين فرديتين لا بد لكل انسان من ان يعيشهما لحسابه الخاص دون ان يكون في وسع احد ان يعانيهما بدلا منه – – – وبين لحظة الميلاد ولحظة الوفاة تبدو الحياة اشبه ما تكون بطريق لا بد من ان يقطعه الانسان. ومهما اختلفت اساليبنا في قطع هذا الطريق، فان من المؤكد انه ليس في وسع احد ان يحدد امامه معالمه، بحيث الاّ يكون عليّ سوى ان انهج سبيلا واضحا مرسوما من ذي قبل – – وليس عنصر (المجهول) الذي تنطوي عليه كل حياة سوى مجرد تعبير عن هذا التساؤل الذي يرتسم بالضرورة حول كل وجود فردي لمجرد كونه وجودا جديدا اصيلا.

والواقع ان حياتي او حياتك لا تزيد عن كونها حزمة من الامكانيات التي تفتقر الى التحقق حتى تستحيل الى افعال او وقائع. وليس وجودي او وجودك سوى هذا السعي المستمر الذي يضطلع به كل منا في سبيل العمل على تحقيق ذاته عن طريق تحويل (الامكان) الى (واقع) – – – وقد تختلف الامكانيات الموجودة بين ايدينا، ولكن احدا منا لا يمكن ان يكون مفنقرا تماما الى كل امكانية، والاّ لما كان امامه (فعل) يحققه او (حياة) يعيشها.

وانت حين تفرغ من تحقيق بعض امكانياتك فانك لا بد من ان تجد نفسك بازاء امكانيات اخرى ما زال عليك ان تحققها والاّ لما كان ثمة معنى لاستمرار بقائك – – وهناك فروق فردية بين الانسان في هذا المضمار. فان البعض يتعجل بتحقيق امكانياته في حين يتباطأ البعض الاخر في تحقيقها وهلم جرا – – – ولكن الذي لا شك فيه ان الحياة البشرية لا بد من ان تتخذ باستمرار طابع التوتر بين (ما هو كائن) و( ما ينبغي ان يكون ) وليس هذا (التوتر) سوى تعبير عن ذلك (البون النفسي) الذي يفصل (امكانيات) الانسان عن (عالم الواقع) فانت لا تستطيع ان تعيش دون ان تعبّي كل طاقاتك الجسمية والنفسية لتحقيق امكانياتك الضمنية التي ما زلت تلتمس الخروج الى عالم النور.

والانسان حين يسير على طريق الحياة، يحس في كثير من الاحيان بانه محصور بين ضغط الماضي وجذب المستقبل، فهو لا يملك سوى مواصلة السير في حاظره المستمر الذي لا يخرج عن كونه توترا بين (ما قد كان) و ( ما سوف يكون ) . ولو احس الانسان بانه قد حقق كل شئ دون ان يكون امامه ما يحققه في المستقبل لكان معنى ذلك ان حياته قد اجدبت او افقرت وما الاجداب او الافقار سوى الموت !

صحيح ان الشيخوخة قد تقترن في بعض الاحيان بضيق دائرة الامكانيات الفردية ولكنها لا يمكن ان تعني تماما انهدام كل امكانية – – – ولو قدّر لأي فرد منا ان يشعر فعلا بان كل امكانياته قد تحققت وانه لم تعد امامه اية امكانية (ولو ضئيلة) تقبل التحقق لكان هذا الشعور نفسه موتا قبل الموت ! ولكن الانسان – لحسن الحظ – قلما يقع ضحية لمثل هذا الاحساس المرضي المضاد لطبيعة الحياة.

* مقتبس من كتاب فلسفة الحياة لزكريا ابراهيم، جامعة القاهرة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close