الطريق الى امستردام..رواية

ذياب فهد الطائي

الفصل الاول

أرا قب الشارع من شرفة الشقة في الطابق الأول ،تمر امرأة تبدو واثقة، خطواتها متوازنة ،ولكن عيناها تدوران بطريقة فيها فضول وتوقع ،أعتقد انها يمكن أن ترى كل من على التقاطع الرباعي حيث تضطر السيارات التخفيف من السرعة فيما يعبر المشاة بهدوء يبدو لي مبالغا فيه ،طفل يترك يد أمه ليقطف زهرة صفراء ،كنت أرقب عابري التقاطع …أتفرس في وجوههم وأدرس خطواتهم وأخمن ما يفكرون به ،منتظرا أن يحمل النهار الجديد أمرا ما ،في الأيام الماطرة لا أتبين سحنات المارة عدا الذين يسرعون الخطى على الرصيف المجاور للشقة،فيما مجموعة من النوارس تشكل مهرجانا للفرح وهي تتقاطع في طيرانها فوق المناطق الخضراء في التقاطع الرباعي ، وتندفع أحينا الى النهر الصغير الممتد على طول الشارع الشمالي للتقاطع تعابث الوز العراقي العائم بترف وهو يتلقى قطرات المطر ،المارة والطيور والخضرة المطرزة بنباتات وورود زرقاء وصفراء ، يمكن أن يشكل أي منها حكاية ،يترك نورس مجموعته ويلاحق دجاجة سوداء مذعورة تطير على امتداد النهر وتختفي عن المساحة المفتوحة امام الشرفة ،كان النورس المدفوع بروح المعابثة يعود ليستقر على الشجرة في الجانب الاخر.
في الشتاء ،يعبر السماء قمر بسحنة متشنجة رغم استدارته المشعة بلون يوحي ببرودة تدفعني الى اسدال الستائر والعودة الى جو الغرفة الدافئ.
هنا تتداخل الفصول وتتابع الأيام الشتوية ،لا تحمل فوارق جدية ،لن يكون هناك فرق إن كانت ميلادية ام هجرية وحتى صينية ،تمطر أولا عبر رياح عاصفة محدثة ضوضاء صاخبة ،في الفضاء المليء بزحمة المطر والبرد والريح ، تختفي الطيور ، وعلى الأرض ليس غير السيارات المسرعة .
يتغير فجأة كل شيء وتتكشف السماء عن زرقة لامعة تتبدى فيها رغبة لأن تبتسم ،الشوارع مبللة والاشجار تقف بوقار ،يبدو الوجود الثابت في الخارج كانه من عمق الذكريات الاكثر لمعانا ،تفاصيل بحدود لا تترك أية فرصة لأن يتماهى أي جزء في المجاور له ،وفي الداخل يشكل الصمت الأخرس عالما ضبابيا تكون الفرصة مواتية ليتماهى كل شيء في بعضه ،وتشكل العتمة وجودا اخر بلا حدود.
حينما كنت طفلا ،كان الظلام الساكن معي في غرفتي الصغيرة ، والذي يلف سريري بستائر من الستان الرقيق ،يبعث فيّ مشاعر مختلطة وأحس أني أملك مطلق حريتي،أغمض عيني وأرحل الى عوالم مدهشة بألوان غاية في البهاء، توقفت عند قرية لم يكن احد فيها يتكلم ، كانوا يتفاهمون بإشارات بطيئة بحركات العينين ، سألت رجلا كان يحدق نحوي بفضول :أين أنا ؟ فغر فاه مستغربا، جري يعلم الجميع …بدأت اشعر بشيء من الخوف ….أمسكت امرأة بكفي الذي تكور وقادتني الى بهو بألوان ساحرة ،الفراش الذي أثث البهو مصنوع من خيوط صوفية حمراء وبيضاء وزرقاء ،كانت الحياكة تكشف مهارة في تنسيق الألوان، أشار شيخ كبير الى كرسي مرتفع يتطلب الصعود إلية إرتقاء ثلاث درجات من المرمر الأبيض ،صعدت الى الكرسي بمعاونة المرأة ،دخل مجموعة من الأشخاص اصطفوا وقوفا على الجانب الأيمن ،على الجانب الأيسر كان أطفال بملابس ملونة أشبه بملابس جماعة السيرك الروسي الذي شاهدته قبل عام ،وقف الشيخ الذي كان يتوكأ على عصا فصمت الجميع ،أخرج من كيس أحمر من ذات الصوف الذي صنع منه الفراش ،تاجا فضيا وفي الوسط حجرا بني اللون تتكسر فيه الاشعة القادمة من الخارج وتنعكس متلئلأة بعدة ألوان أخّاذة.
كانت أمي تسألني في الصباح :كيف هي أحلامك ؟
وأجيبها :غدا ساخبرك بعد أن أعود الى المملكة !!
تضحك أمي وتقول :حتى تحافظ على مملكتك تفوق في دراستك
واقول :بل سأنام مبكرا
نظرت إمي إلي ….كانت نظرة حائرة ومتسائلة :كلنا نحلم ولكنك تصنع أحلامك،
حين كبرت ،كانت أحلامي متداخلة على نحو من الصعب وضعها بسياق منطقي
فهي تجمع اضدادا وتقفز من موقف الى آخر و انصب اهتمامي أن أكون قاضيا.

ينفلت طفل من يد أمه وينحني ليقطف زهرة صفراء ، تزجره الأم ولكنه يقدم الوردة لها ، تأخذها وتحدثه بهدوء عن خطأ ما فعله ,ينكس رأسه غير مقتنع ويعاود مسك يدها.
أجلس في الشرفة منذ اسبوعين و أجد في ذلك تسلية تشغلني ، منذ شهرين ، كنت أمر بحالة بالغة الصعوبة بعد عودتي من العراق بدون صفية….كنا في( ارنهم ) ولأيام طويلة كنا نقطع الجسر مشيا بعد أن نجلس على مصطبة خشبية نتأمله ، في المرة الأولى تحدثنا كثيرا عن ما يمكن تصوره أثناء المعارك الشرسة بين القوات البريطانية وحلفائها من قوات المقاومة الهولندية والقوات الألمانية المحتلة، كانت صفية بطبيعتها الحساسة والشاعرية تحدثني عن الوعود التي تحملها الحرب لكل مقاتل …..الاحتمالات التي يفكر بها المقاتلون ، وتؤكد على نحو جازم إن لا أحد كان يفكر إنه سيموت فعلا على الجسر ،الاحتمالات هي النصر والعودة الى الديار ، ونحن نقطع الجسر مشيا نتطلع الى مياه الراين المنسابة بهدوء فيما عشرات المراكب التجارية المحملة بالبضائع تجري رخيّة، كانت صفية تتطلع الى النهر بنشوة وتقول البساتين هنا بدون النخيل …دجلة فقط يزهو بها …ولكن ! أضغط على يدها ….إرميها في النهر….تلتفت الي بدهشة …أتابع ، لكن … تبتسم بعذوبة،تتأرجح (لكن ) فوق مويجات الراين كما تقول صفية فيما تتسع إبتسامتها وهي تحدق في النهر …يتقدم طفل وهو يتطاول ليعرف الى م تنظر صفية ،تدعوه أمه فيعود وفي نظراته الحيرى تساؤل ….تقول أمه ماذا ؟ يحرك كفيه …خيك!(جنون ).
كان لصفيه وجه باسم ،عيناها لامعتان على نحو ملفت ،وانطباع يوحي بالتعاطف،قالت لماذا يجري النيل من الجنوب الى الشمال ؟فيما اتسعت حدقتا عيناها وهي ترقب جريان الراين ،لم أجب ،انطلق صوت باخرة صغيرة يتمدد الى الضفتين ،المقاهي على النهر بواجهاتها الزجاجية التي تمنع صوت الباخرة من الدخول ، تضج باصوات الشباب الذين يرفعون كؤوس البيرة بفرح غامر،
أمسكت بكف صفية فتراجعت عن السياج المعدني واتجهنا الى موقف السيارات، قالت لنعود ، في عينيها بقايا ظلال ابتسامة تبعث في نفسي رضا هادئا …تربط حول رقبتها شالا صغيرا بلونين الأصفر والأزرق المنطفئ ،ونحن في الطريق قالت ما اغرب ما صادفك وانت تسافر؟ …كنت قد حدثتها عن عشقي للسفر …ولكن سفري لم يكن وفق مخطط أو منهج …كنت أسافر كل سنة لوجهة لم تكن في نطاق ما كنت أخطط له …قلت لها ، حسنا …كنت في سريلانكا…وبعد ثلاث ليال في كلومبو اخذت السيارة الى شلالات ديفون …في الطريق توقفت لتناول القهوة …كانت مقهى جميلة تحجب سماءها أشجار وارفة ،جلست في الساحة الصغيرة الخضراء ..أخرجت كتابا عن ابن رشد كان الكتاب باللغة العربية …شغلتني عبارات معقدة التركيب اللغوي …في الجانب الاخر من الشارع كانت إحدى الأشجار متميزة بضخامة ساقها والخضرة الداكنة وأوراقها العريضة ،على غصن يمتد الى منتصف الشارع كان قرد يجلس بهدوء يتطلع نحوي باهتمام، هبطت انثاه لتحك رأسه فلم يولها اهتمامه فغادرت الى أعلى الشجرة …حين مددت يدي الى كوب القهوة التي أفضلها باردة ..تأرجح القرد بيد واحدة ثم وعلى نحو مفاجئ قفز الى طاولتي واخطف الكتاب وعاد بذات السرعة الى غصنه …فتح الكتاب وقلب في أوراقه ثم رمقني بنظرة طويلة ووضع الكتاب على الغصن وغادر ليلحق بأنثاه في أعلى الشجرة !!
ابتسمت صفية قلت لها :ماذا ؟
قالت :القرود في سريلانكا لا تعرف العربية !
اردفت :والفلسفة أيضا
أدارت عقدة ربطة عنقها الى اليمين ، بعفوية أدرتها الى اليسار ، شبكت يديها على صدرها وقالت : لقد فهمت !!!
ونحن نغادر السيارة قالت :ما زلت افكر بقرد سيريلانكا…هل تعلم ، ربما كان يعتقد انه سيرى في الكتاب قرود العراق وقد أصابته خيبة أمل وهو يكتشف انك تقرأ فلسفة !
لم أعلق ….
عاود صفية الحلم الذي اشتكت منه على مدار الاسبوع المنصرم ،كنت أحاول التخفيف من انفعالها ولكني في حقيقة الامر بدأت أخشى إنه نذير شؤم …عادة لا أجد في الاحلام ما يمكن الركون الى انها نبوء قد تجد الطريق بشكل ما الى التحقق ولكن ما تشتكي منه صفية لابد ان يكون له تفسير ….قالت بانها لابد ان تذهب الى بغداد، فعلى الرغم من مكالماتها اليومية مع أمها فهي لا تشعر بالاطمئنان …كان الحلم الذي يتكرر مع بعض التغيير البسيط … إن قبر أخيها الذي توفي في الرابعة من عمره ينز دما وإن الدم ينساب الى الشارع القريب من المقبرة لكن السيارات العابرة لا تتلوث عجلاتها كما إن المارة الصامتون في مسيرة حزينة لا يبدوا عليهم ما يشي بمشاهدتم للدم …كانت صفية التي تقف على الرصيف تشاهده يستمر في الانسياب.
قلت لها سنسافر سوية، هزت رأسها موافقة ،كنا نتناول الافطار فيما تتدفق اشعة شمس نهاية نيسان عبر شباك الصالة المطل على الشارع ، كان الشباك على عرض جدار الصالة وتقوم صفية صباحا بطي الستائر بطريقة أنيقة ،لم تسال لماذا غيرت رأيي بسفرها ولكني كنت المح السؤال حائرا في عينيها
قلت :في مطار بغداد ستواجهين صعوبة في عملية الخروج ،اولا في الجوازات وثانيا في الوصول الى ساحة عباس بن فرناس و ثالثا في الحصول على سيارة الى البيت !!
لم ترد ولكن ظلال الشك بقيت تضفي على نظراتها انطباعا بعدم الاقتناع، اعرف صفية حينما يصعب عليها الإقتناع بأمر ما
رمقتني بنظرة عميقة وثابتة :أكيد !
كان تساؤلا متخابثا
قلت :لا
قالت :وإذا ؟
قلت: رأيت حلمك ولكن …
قاطعتني :لا تخبرني
حينما تعرفت على صفية ،كنا في شهر شباط عام 1994 كانت هي تخرج مقيدة اليدين من غرفة محقق الكرخ وكنت انتظر دوري للدخول ،الممر البارد دفعها لأن تلف شالا صوفيا حول رقبتها ،فيما بدت عيناها غائمتان ببقايا دموع ربما مسحتها في غرفة المحقق ،شدني منظرها ،كانت رغم الانكسار في نظراتها تبدي مقاومة، ترفع رأسها بكبرياء دون ان تولي الممر والجالسين وا لشرطي الذي يمسكها من ذراعها أي اهتمام . كنت أتابع قضية موكل متهم بعدم الوفاء بدين عليه،كان قاضي التحقيق أحد زملائي بكلية الحقوق ،سألته عرضا عن المتهمة الجميلة ،قال لاتشغل بالك ،مطلوب جرة إذن …..موظفة حسابات في مصرف الرافدين،،، كتبت احدى الموظفات انها (غيرمتعاونة ) واحالتها دائرة الامن بحجة المساومة على رشوة لتمشية معاملة قرض لأحد المواطنين ،سألته والنتيجة ! قال إنها بريئة فقد كان (المواطن )مرتبكا ….أمرت باطلاق سراحها
شكرت القاضي وخرجت مسرعا لألحق بها وبالشرطي وهما بانتظار تكسي
-لماذا لا تفك قيد السيدة …ألم يامر القاضي ببراءتها ؟
-لماذا تتدخل …في مركز الشرطة سيتم ذلك .
-القانون يلزمك بفك قيودها الان وأنا المحامي المكلف من القاضي بمرافقتكما الى مركز الشرطة لانهاء مقتضيات اطلاق سراحها
فتح الشرطي قيودها ،التفتت الي وقالت :شكرا أستاذ
قلت لهما ان ينتظرا لأخرج سيارتي من موقف السيارات القريب ،أمام المفوض في مركز الشرطة كررت أني مكلف بمتابعة اجراءات اطلاق سراحها من قبل القاضي ،لم يعقب المفوض على كلامي لان امر اخلاء سبيلها كان صريحا.
قلت له هل يمكن ان يزودني باسم كاتب التقرير لمقاضاته ،رمقني بنظرة طويلة ثم طلب منها الانتظار خارج الغرفة …التفتت الي وقالت :استاذ يرحم والديك بلا مشاكل اود الاسراع في الوصول الى البيت، أبي وأمي قلقان جدا وأخشى عليهما من الانتظار.
قال المفوض :استاذ اكررما قالته الاخت بلا مشاكل الموضوع ما يستاهل
وغمز بعينه ،
عرضت أن اوصلها الى بيتها بسيارتي مانعت ، ولكنها ركبت السيارة ، ونحن ننطلق الى مدينة الحرية
قالت :لا أعرف كيف اشكرك ،كما إني كنت حائرة كيف سأدفع أجرة التاكسي لأنهم جردوني من كل ما أملك بما فيه بعض الحلي الذهبية .
: اين كان ذلك ؟
:في مركز الشرطة حين وصلت مساء امس
ودعتها عند البيت وعدت الى مركز الشرطة ،كان ضابط مركز الشرطة متجهما وفكرت انه ربما سيعقد موضوع مطالبتي باسترداد ما أخذ منها عند استقدامها ، ربما سيطالبني بوكالة عن صفية ….ابتسمت وقلت:مساء الخير استاذنا الفاضل …هل تفضل انتظاري بعض الوقت !
حدق بوجهي برهة وقال :لا …طلباتهم لاتنتهي وفوق كل شيء انها لا تتماشى مع مجريات القانون وعلي ان اجد التخريج لها لتفادي المسائلة لاحقا …بالطبع لي انا فقط ….نعم ماذا تريد ؟
وسعت من حجم ابتسامتي الودودة :أعانكم الله ونحن نماثلكم عناء فالموكلون لا يرون غير حاجتهم ونحن نبحث عن المخارج القانونية
نظر الى شنطة يدي :هل لديك زيارة لاحد الموقوفين ؟
-لا..في الحقيقة لاسترداد حاجيات الموقوفة سابقا صفية عبد القادر والتي حكم القاضي باخلاء سبيلها

في مراكز الشرطة لابد من توخي الحذر في اللغة التي تتحدث بها ، تتجنب استعمال عبارات يمكن ان تتسبب في استفزاز الضباط على وجه الخصوص ، فبحكم الحداثة في السن والرغبة في التحقق من تاثير سلطتهم فهم مستعدون لابداء الغضب لاتفه الاسباب ،واحيانا يبدون كاطفال مزعجين يصعب ارضائهم وقد تعلمت الكثير من الاساليب في مواجهة تلك الحالات .
صرخ الضابط ينادي العريف سعدون ،تطلّع إلي بأسف : تصور إنا لا نملك حتى جرس يرن عند العريف في (القلم ) كما إنه لايملك هاتفا …عليّ أن أصرخ …المقاول…. ،اتبعها بشتيمة بذيئة وعدني بان يتبرع بجهاز ( دكتافون ) ….حسنا لينتظر …
قال الضابط :سعدون سلمّ الاستاذ محامي المطلق سراحها كافة متعلقاتها ،ولا تنسى أن يوقع وصلا بالاستلام .
حين عدت الى دار صفية ،كنت أحس إن شعورا غامضا يدفعني ، قوة لايمكن تحديدها تجعلني مندفعا بنشاط الى رؤيتها .توقفت عند كشك على الطريق لشراء قنينة ماء ولافكر بهدوء بهذه اللجاجة التي تتملكني لرؤية فتاة لم أرها إلا هذا النهار،وان أرتب مشاعري ومبرراتي …كان هدوء عميق يسكن وجهها وفي عينيها الواسعتين والعميقتين غموض اسر….وشدني ايضا تحفظها …في الطريق حين كنت أوصلها لم تتحدث …ظل الصمت حائرا في انطباع ودود …ولكن هل يمكن ان يشغلني هذا على هذا النحو؟ كانت كلية الحقوق تعج بفتيات جميلات…وفي مهنتي التقيت بعشرات الفتيات والنساء ولكن حتى لم افكر بخلق علاقات وقتية مع اي منهن لماذا اذا أنشّد الى هذه الفتاة الصامتة ،قال الشاب صاحب الكشك :استاذ هل تريد كرسيا لترتاح ؟…يبدو عليك التعب .
قلت :شكرا سأغادر كنت أرتب اموري.
فكرت انه لكي أصل الى حقيقة ما يعتريني علي ان أحيّد مشاعري المفاجئة اولا،لاني ولأول مرة في حياتي أهتز على هذه الشاكلة …لم تكن مشاعري بعيدة عن الاحساس بالحب او الانجذاب على الاقل ولكن الظروف المحيطة كانت تسد اي تدفق لمشاعر بالحب او بتكوين اسرة ، فقد كانت الحرب والتهجير ومشاكل اقتصادية لا حصر لها ,حين باشرت الدراسة في الابتدائية فوجئت بان عددا كبيرا ممن تعرفت عليهم انقطعوا عن الدراسة ….قال ابي انهم يرحّلون من لم تكن جنسية عائلته الاصلية عثمانية ،لم افهم …قلت لابي بنبرة خوف واضحة …هل نحن عثمانيون؟ …ضمني ابي اليه وقال :نعم
وفي المتوسطة كانت إدارة المدرسة تصفّنا في الشارع لتحية الجيش المغادر الى الحرب …كنت أفهم …قلت لأبي : ولماذا هم مجوس ؟ وحين رأيته صامتا قلت معتذرا :هذا ما يقوله مدرس التربية الوطنية .
وفي الثانوية كنت في الجيش الشعبي الذي كنا نسميه (الجيش الالزامي )، وفي معسكر (النهروان ) كانت التدريبات العسكرية طوال النهار اما في الليل فكانت جلسات سمر وغناء …كنا نعرف جيدا اننا مراقبون وكنا بدون مناسبة نكرر حفظه الله ورعاه ،حتى باتت اقرب الى السخرية المبطنة منها الى الدعاء.
في الجامعة كانت مجاميع الطلبة بين متمحمس لحزب البعث وبين منكمش يخضع لمراقبة دقيقة ،وكانت هناك مجموعة تصر على خلق مناسبات للقاءات تتسم بالمرح …ومرة سألت احد زملائي عما اذا لاحظ ذلك …نظر الي بتمعن وقال :لا تنشغل بهذا .
كانت أمي ترى في الدراسة المختلطة فرصة لأ تعرف على الفتاة التي قد تصبح زوجتي ، أربع سنوات كافية لتحكم عليها وليكون اختيارك صحيحا …أنا احلم بيوم عرسك ويمينا سارقص بشعري الابيض ،قلت لها وسيقولون لقد رقصت أخير المرأة ذات الشعر الأبيض.
كانت حاجيتها … خمسون الف دينار وإسورتين من الذهب وسلسال فضة ينتهي بايقونة من حجر فيروزي رخيص …..
حين طرقت الباب تأخر الرد ، ومن خبرتي كنت اتوقع ذلك فالخوف يظل معلقا ويخلق حالة من التردد ،حين أعدت الطرق رد صوت تشوب نبرته ظلال شكوى مكبوتة :من …ماذا تريد ؟
قلت : أنا المحامي وقد أخذت من مركز الشرطة متعلقات صفية
سمعت صوتا أكثر نعومة وتماسكا : أمي أنا أفتح الباب
صرّ الباب الخشبي وفكرت إن مفاصله بحاجة الى قليل من الزيت ،تعرفت على هذه الحالة منذ كنت صبيا وكنت أضع بضع قطرات من زيت الطعام على المفاصل الخشبية.
-تفضل
فتحت الباب وتنحت جانبا ،كان الممر المؤدي الى صالة واسعة مزدانا بلوحات من عمل رسامي الكرادة كما جرت تسميتهم وعادة تكون لوحاتهم معدة للسواح او الأجانب العاملين في السفارات ببغداد …لوحة (مشحوف )تدفعة فتاة من سكان الاهوار …جلابية طويلة بلون احمر مورد أو أصفر بأزهار برية وعلى رأسها عصابة سوداء ،عيونها واسعة وفي تثني جسدها وهي تنحني قليلا لتغرس (المردي ) في الماء مرونة وشيء من الغنج ،أو بضعة طيور تغادر الماء تحت سماء صافية الزرقة فيما يبدو البردي كثيفا تتخلله قنوات متعرجة ،
كانت الصالة مضاءة بثريا مما تزدحم به أسواق مدن المزارات فضلا عن ثلاثة مصابيح احدها كبير الحجم ،على جانب الصالة طقم كنبات مغطاة بشراشف رصاصية وعدد من كراسي بيضاء من البلاستيك والتي انتشرت في بغداد تلك الايام وفي الوسط منضدة خشبية مستطيلة عليها سماور ذهبي ،كان في صدر الصالة عجوز يجلس ممددا ساقيه ،قالت صفية أبي .
قالت الام :سأعد الشاي
لم أعترض ،جلست صفية على كرسي بلاستيكي عليه مقعد قطني ،على وجهها هدوء عميق يتجلى في نظراتها المستقرة ،لم تكن مكسورة لأنها تعرضت للإعتقال لليلة في مركز الشرطة دون ان يوجه لها إتهام ما ،قال مفوض التحقيق انه توقيف احترازي .
قالت -بماذا يمكن ان أساعدك أستاذ …
استدركت-اعذرني لاني لم اشكرك…
حين سلمتها متعلقاتها قالت -كم يتوجب علي الدفع لحضرتك ؟
-لا شيء
قالت الام وهي تقدم الشاي :اللعنة على من كان السبب ،صفية دائما بحالها ولم تتسبب في أذية انسان.
قلت :هل لديك تصور عن سبب ما حصل ؟
قالت :لا …وارجو ان نتجاوزه …كنت اسمع بالرعب أو أقرأ في بعض الروايات ما يعانيه السجناء من رعب وهم يتتظرون ساعات التعذيب ، ولكني شعرت به …لم انم فقد كنت ارى وحشا منفرا يتحفز لتكسير عظامي كي يلتهمني …كنت احس بانفاسه قريبة من وجهي وكنت أشم رائحة منفرة ،كنت بعيدة عن العالم وبدت وجوه من أعرفهم غارقة في بؤس معتم ، وحين حركت يدي لأمسح العرق الذي كانت تتفصد به جبهتي، لم أشعر إنها تخصني
-اقدر ما تسبب به اعتقالك ولكن علينا ان نفكر بواقعية …المئات تساق الى التحقيق وبعضهم لم يعد …..صمت وانا اتطلع الى سحنتها المنقبضة وتابعت ،
-ولكن اسمحي بسؤال (سياسي ) هل انت على علاقة تنظيمية بالحزب ؟
جفلت من السؤال وردت بنبرة جازمة :لا
وأردفت :لقد تمت مفاتحتي من احدى زميلاتي في مصرف الرافدين أكثر من مرة ولكني رفضت .
-ومتى كانت اخر مرة؟
إبتسمت وقالت بعفوية :سنواصل التحقيق بعد الشاي لأنه سيبرد ،طريقتها في الحديث جعلتة يتحسس الارض بقدمية وشعر بانه يتعرف الى عالم جديد لم يألفه قبلا ،البساطة مشحونة بثقة مغيضة ،ولامبالاة اكثر تركيزا وهي تنظر الى عينيه مباشرة ،
انفلت عصفور كان يقف على افريز الشباك ورفت جناحاه وهو يصعد الى أعلى النخلة التي كانت تسكن في صمت موحش ،على الجوانب ارتفعت حشائش شيطانية ،كانت عيناها وهي تصمت كعصفور يغادر النخلة بصمت ، وما أن تبدء بالحديث حتى يتحولان الى عصفورين يملان المكان ضجة بزقزقة متواصلة يشتتان تفكيره ،
جرى كل شيء بعد ذلك بسرعة ، وحين تزوجا ،اصبح يشعر انه يضع قدمية على أرض صلبة ولم يعد ينأى حين يضع رأسه على الوسادة، الى عالم سريالي تشغله رؤى غامضة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close