رواية قنابل الثقوب السوداء..

(النص )

إذا عقم العالم إنجاب الرجال حمله رضيع وكهل وسيدة.

انتفاضة العجائز والصبيان ….

طال أمد الحصار ، وبدأ اتحاد المقاومة يفقد مخزونه الروحيّ والماديّ بسبب الحصار فضلاً على تصفية العديد من الأنفاق حال اكتشافها.

ولكن ثَمّة عوامل كانت تثبت أقدامهم ضد العدوان الإسرائيليّ عليهم من بينها الرغبة فى الاستشهاد الممزوجة بغريزة الانتقام بسبب انفصالهم عن أولادهم ونسائهم ، النساء اللاتى يحترقن شوقا إلى رجالهنّ وتنفطر قلوبهنّ لصراخ أطفالهنّ من الجوع.

أمّا الجيش الاسرائيليّ فكان مدفوعاً أيضاً بالعقيدة لكنهم يحرصون على الحياة ، كما أنّ التهاب المنطقة العربيّة يشدّ على أياديهم للخلاص من رجال فلسطين ..ليس تحت الأرض فقط بل فوقها أيضاً.

وظلّ الاتحاد يصرخ بفكّ الحصار من أجل الطفل والسيدة والكهل فلم يستجب له أحد .

كما أنّ الأنظمة العربيّة خذلتهم وخاصة بعد الثورات المسلّحة التي حدثتْ على أراضيهم .

ولم يقفْ حدّ الخذلان من الأنظمة العربيّة فحسب بل كان مِن بعض الأنظمة الاوربيّة أيضاً.

أمّا الرئيس الأمريكيّ فكان معْول الهدم وعصا القيادة نحو دمار الأنفاق.

كلُّ هذا ألقى بظلاله على كلّ بيت في فلسطين ، فقام…

الصبيان والنساء والعجائز لعمل انتفاضة عظيمة في كافّة أرجاء فلسطين اعتراضًا على محاصرة الأنفاق.

فالصبيان تتراوح أعمارهم ما بين 6-11 عاماً يحملون الحصي والثرى وبعض أعواد الثقاب الخشبيّة الخاليّة مِن مادة الاشتعال وورق الكرتون ، يحملونها ثمّ يرمونها على الجنود الإسرائيليين.

بينما النساء يحملنّ رايات مرسوماً فيها أثداءً جافة ويلتقمها أطفالٌ رُضّع بلا طائل ، لذلك كان النساء يضعنّ أصابعهنّ فى أفواه صغارهنّ الرّضّع إشارة منهنّ فراغ الأثداء مِن اللبن .

أمّا العجائز فكانوا يرفعون عصيّهم إلى السماء إشارة منهم أنّ الربَّ موجود ، وذاك لأنّ أصواتهم ما عادتْ تبلغ المسامع إلّا همسًا.

وكانوا يسيروا متّكئين على العِصى قائلين لا انهزام ولا انكسار ، وقد رمى أحدهم عصاه ثمّ قال..ولا اتكاء، وللأسف وقع على الأرض فناوله أحدُ المنتفضين عصاه قائلاً.. لا اتكاء بقلبك جدّي الأعلى.

كلُّ مَن على أرض فلسطين شارك في الانتفاضة.

وحدثتْ مناوشات كثيرة فيها ، وتكررتْ المناوشات لدى كلّ انتفاضة ، لا تتعدّى أكثر من إلقاء المئات مِن القنابل المسيلة للدموع على الانتفاضة وبعض حالات فرديّة أُستخدم فيها الرصاص الحيُّ.

ومن بين الأحداث المفرحات المبكيات ، كان هناك جنديّ إسرائيليّ يتناول غذائه وهو يحرس منطقته ، ومِن بعيد كانتْ هناك سيدة فلسطينيّة تقبل عليها بصحبة ولدها الذيّ لم يبلغ السادسة مِن عمره ، فانسلَّ الصبيُ مِن يد أمّه وأخذ بعضَ الحصىّ الذي لم يتجاوز حجم نواة التمر وجرى مسرعًا نحو الجنديّ الإسرائيليّ ورماه بها ، بينما أمّه تلاحقه صارخة.

فزعَ الإسرائيليّ وتناول سلاحه الذي قد كان وضعه بجانبه لحين الانتهاء مِن طعامه ، فلمّا عاد وجد الصبيّ وأمّه تصرخ بعد أن حملته على كتفها ، والطفل يقول :أريد أن أرى أبي يا عمو ..أمّي قالتْ أنّكم تحبسوه ..أنتم ناس أشرار ..أريد أبي .

أريده ، كان يطعمني ويسقيني ، ويلاعبني ويغطّيني ، وكنت أنام في حضنه ..يا عمو أنا الآن لا أنام .

فقال الجنديّ:أيّتها السيدة المكيرة خذي ولدك وابتعدي وابعدي هذا القرف عنّي ، أنا طفلي مات مِن جراء أحد العمليات الإرهابيّة مِن قِبل رجالكم ، فاحمدي الله أنّي لم أقتلْه .

فقال الصبي ..أنت رجلٌ شرير وحش وربنا سيعذبك ويرميك في النار .

تحوّلتْ كلُّ أحياء فلسطين وشوارعها ومبانيها إلى ثكنات عسكريّة إسرائيليّة بجانب ثكنات المآتم والصراخات وأنهار الدموع الحارة .

نعم.. لتكن كذلك ..انتفاضة الأمواتِ في ثوب الأحياءِ المزيّف ، فلعلَّ صرخات وتأوّهات الأطفال والنساء والعجائز تصل إلى المجتمع الدوليّ فيرفعوا الحصار عن رجالهم بالضغط على الأمم المتحدة ..بل صرخة واحدة تصل إلى قلوبهم ، واحدة فقط تصل كفيلة بإنهاء الحصار.

طالت الانتفاضة لشهور فيما بعد رغم قتْل عشرات النساء والأطفال والعجائز ، وهذا لم يعجب الإدارة العسكريّة الإسرائيليّة ، فرفعتْ الأمر إلى الأمم المتحدة بأدلّة مصوّرة خادعة تبيّن سقوط عشرات القتلى مِن الجنود الإسرائيليين بسبب قيام رجال الانتفاضة بعمليّات استشهاديّة بوساطة أحزمة ناسفة تحتوي على قنابل هيدروجينيّة صغيرة.

كما أسمعوهم عشرات الرسائل ، تلك التي كانوا يرسلونها إلى المنتفضين في الشوارع والميادين لتناشدهم بالرحيل والمكوث في بيوتهم وعدم إثارة الشغب على أرض إسرائيل “فلسطين”.

وكان ردّ الأمم المتحدة على هذه الصور وتلك الرسائل بتدارك الأمر والصبر عليهم ومحاولة أخذهم باللين والحكمة حتى يكفّوا عن جرائمهم.

واللافت للنظر أنّ الإدارة الاسرائيليّة كانت تقوم بعملية تعمية على أحداث الانتفاضة بقدر المستطاع ، غير أنّ بعض الصحفيين تسلّل إلى الانتفاضة لتصوير الأحداث خِلسة ، علاوة على عشرات الصور الحيّة على الهواتف النقّالة من أبناء الانتفاضة .

وهذا ما تسبّب فى ظهور ملابسات الانتفاضة ووقائعها على الحقيقة بلا تبديل ولا تزييف .

*والخلاصة أنّ إسرائيل ترى أن الفلسطينيين ليس لهم حقٌّ فى الأرض ، وعليه فإنّ الانتفاضة عندهم ما هى إلّا شغبٌ وفوضى ، ولذلك حاربوها بكلِّ الوسائل*

بقلمي ..ابراهيم امين مؤمن

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close