توجّس في بغداد من عملية تركية داخل الأراضي العراقية

بغداد ــ زيد سالم، سلام الجاف
18 أكتوبر 2019

تشترك أوساط سياسية وحكومية عراقية في بغداد مع قيادات كردية في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، بمخاوف وصفها أحد المقربين لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بـ”الجدية”، من احتمالية تكرار أنقرة عمليتها الحالية في الشمال السوري في المناطق العراقية الشمالية أيضاً، التي تُعَدّ المعقل التقليدي لمسلحي حزب “العمال الكردستاني”، وخصوصاً سفوح جبال قنديل وسنجار وسيدكان وسوران، ومناطق أخرى شمالي البلاد، تتوزع على أربيل ودهوك ونينوى، ولا سيما مع وجود تلميحات سابقة صدرت عن مسؤولين أتراك، بأن بغداد لم تقم بما عليها من أجل منع اتخاذ مسلحي “العمال” أراضيها منطلقاً للهجوم على تركيا وتهديد أمنها.

وتحدث مسؤول عراقي رفيع المستوى في بغداد، مقرب من عبد المهدي، لـ”العربي الجديد”، عمّا وصفه بـ”مخاوف من أن نجاح العملية التركية في الشمال السوري ستفتح شهية الأتراك على تنفيذ هجوم بري واسع داخل الأراضي العراقية، وبعمق قد يتجاوز 40 كيلومتراً في قنديل وسنجار وبلدات حدودية أخرى يوجد فيها آلاف من مسلحي حزب العمال الكردستاني”. وأوضح أن “أي هجوم تركي داخل العراق لن يكون ذا نتائج مشابهة لما تحقق في سورية على الإطلاق”. ولفت إلى أن سبب عدم تحرك بغداد نحو مسلحي “العمال الكردستاني” طوال الفترة الماضية كان بسبب وجود عدو أكثر خطورة للقضاء عليه، وهو تنظيم “داعش”، ومن قبله “القاعدة”، كذلك فإن الجميع يُدرك أن أنقرة بإمكانها أن تحلّ المشكلة مع “العمال الكردستاني” بالتفاوض، وفقاً لقوله، مستدركاً بأن “الأتراك يدركون جيداً أن التضاريس التي يتحصن فيها مسلحو العمال صعبة للغاية، وتهدد أي قوة برية تدخلها”.

وفي نهاية مايو/أيار الماضي، شنّت القوات التركية هجوماً جوياً واسعاً، مع توغّل بري محدود استهدف المناطق الجبلية في شمال العراق، وتحديداً مخابئ حزب “العمال”، أطلقت عليها اسم “المخلب”. واستمرت العمليات العسكرية التركية في مناطق حدودية داخل الأراضي العراقية ضمن إقليم كردستان، حتى يوليو/تموز الماضي، وتحديداً عقب مقتل القنصل التركي في أربيل، من دون أن يصدر أي موقف رسمي عن بغداد، وهو ما فسّر بأنّه موافقة منها على العمليات. وقتها شهدت مناطق سيدكان وسوران وخواكورك وبنكرد وسلسلة جبال قنديل، بالإضافة إلى أطراف قضاء العمادية وزاخو، عمليات جوية، فضلاً عن تعرضها لقصف مدفعي بين حين وآخر، ينفذه الجيش التركي، وأوقع ضحايا بين المدنيين العراقيين الأكراد.

ومنذ وقت طويل، يضمّ إقليم كردستان شمال العراق مجموعات مسلحة معارضة لتركيا وإيران، لعل أبرزها “العمال الكردستاني” الذي تصنفه أنقرة تنظيماً إرهابياً، وحزب “حرية كردستاني” الإيراني الكردي المعارض، والحزب “الشيوعي الكردستاني” الإيراني المعارض، وهي أبرز الاجنحة المسلحة الكردية لأكراد إيران وتركيا، ويوجدون في الإقليم منذ تسعينيات القرن الماضي، عقب خروج المحافظات الشمالية الثلاث في العراق عن سيطرة بغداد عقب حرب الخليج في عام 1991، وفرض مجلس الأمن الدولي منطقة حظر طيران عليها.

ومع أن وزير خارجية العراق محمد علي الحكيم، أدان ما وصفه بالهجوم التركي على سورية، وذلك خلال اجتماع طارئ للجامعة العربية، بدعوة من مصر، قائلاً إن الهجوم “يعد تصعيداً خطيراً سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية ويزيد من معاناة الشعب السوري، ويعزز قدرة الإرهابيين على إعادة تنظيم فلولهم”، إلا أن عضواً في لجنة العلاقات الخارجية العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، قال، لـ”العربي الجديد”، إن “العملية التركية في الشمال السوري ستكون مفيدة على المدى القريب، إذا بات من يسيطر على الجهة المقابلة للعراق قوات النظام السوري”. وأضاف أن “العراق أدان رسمياً العملية التركية على سورية لأسباب غير خافية، داخلية تتعلق بأكراد العراق ووضعهم مع حكومة عبد المهدي، وكذلك إيران وتأثيرات دول أعضاء بالجامعة العربية، ولكن في واقع الأمر فإن العملية ستسهم في أن يسيطر العراق على حدوده مع سورية من جهة الحسكة ودير الزور، وتضعف قبضة العمال الكردستاني على سنجار، التي تتلقى إمدادات من مسلحي قسد في الحسكة المجاورة، وستتراجع عمليات التهريب. وبالنسبة إلى الحكومة العراقية، فإنّ وجود قوات النظام السوري أفضل بكثير من وجود قوات سورية الديمقراطية (قسد)”.

من جهته، أشار عباس سروط، وهو عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، إلى أن “هناك مخاوف متوقعة جداً من توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نحو العراق وإجهاض الوجود العسكري لحزب العمال الكردستاني، الذي ترفضه الحكومة العراقية أيضاً، ولا سيما مع نجاح العملية التركية في سورية التي قد تُشجع الأتراك على تصفية معارضيهم المسلحين داخل العراق”. وشدد، في تصريح لـ”العربي الجديد”، على أن “العراق لا يقبل أن تُمسّ سيادته، ولكن قد يكون هناك تنسيق أو اتفاق عسكري مشترك بين تركيا والعراق بشأن حزب العمال، الذي ليس من السهل التخلص منه، خصوصاً أنه يتوغل في مناطق وعرة جداً شمالي العراق”.

وكان مجلس الأمن الوطني العراقي قد أكد، في بيان صدر أخيراً، أنه أعطى توجيهات لوحدات من الجيش العراقي و”الحشد الشعبي” بتأمين الحدود الدولية مع سورية، مع استمرار العملية العسكرية التي تنفذها تركيا في شمال سورية. وجاء ذلك خلال اجتماع ترأسه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لبحث العملية العسكرية التركية وتداعياتها المحتملة على العراق. من جهتها، رأت القيادية في الحزب “الديمقراطي الكردستاني” أشواق الجاف، أن “أي عملية عسكرية أجنبية تُجرى داخل الأراضي العراقية تُعَدّ خرقاً للسيادة، حتى وإن كانت القوات الخارجية لديها الذرائع الكثيرة، فلن يسكت العراق، وأي خلاف للجارة تركيا مع أي طرف داخل العراق أو خارجه، عليها أن تحله ضمن حدودها وبالطرق التي يعتمدها المجتمع الدولي وحقوق الإنسان”. وأضافت، في اتصال مع “العربي الجديد”: إن “فعلت تركيا ذلك، فهي تجازف، لأن زعزعة أمن العراق تعني زعزعة أمن المنطقة بالكامل”.

أما الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية في العراق سرمد البياتي، فرأى أنّ “من الممكن أن تغيّر القوات التركية اتجاهها من سورية إلى العراق في أي لحظة، أو أن تكون هناك عمليات أخرى باتجاه سنجار والطرق الرابطة بين إقليم كردستان والمناطق المحاذية له، ولا سيما التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني”، لافتاً، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن “حزب العمال في وضع غير متوازن، وقد يستغل الأتراك الفرصة، فنرى قريباً عملية في العراق إن نجحت عمليتهم في سورية، أو حتى لم تنجح، فسيكون من المحتمل التوجه إلى العراق للبحث عن نصر تعويضي ثانٍ”. ورأى أن العراق قد يوافق على عقد صفقة مع الأتراك، وهو بالنهاية غير مرحب بـ”العمال الكردستاني”، وكذلك “الحزب الديمقراطي” بزعامة مسعود البارزاني.

وفي وقت سابق، قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية التركية حامي أقصوي، إنّ “حزب العمال يستخدم أراضي الجارة الجنوبية الشرقية (العراق) منذ أعوام طويلة، قاعدة لشنّ عمليات ضدّ تركيا”، مضيفاً أنّ “الآلاف من مواطنينا قتلوا في تلك الهجمات، وباتت أنشطة المنظمة داخل الأراضي العراقية والسورية مسألة أمن قومي بالنسبة إلينا”. وأكد أنّ “أنقرة ذكّرت بغداد مراراً بوجوب تحمّل مسؤولياتها بمنع أنشطة الإرهابيين، وبأنّ المادة السابعة من الدستور العراقي تلزم حكومة البلاد بمنع استخدام أراضيها قاعدة لشنّ هجمات على دول مجاورة”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close