مشكلة الزمان

* د. رضا العطار

مشكلة الزمان في راس مشاكل الحياة، يعيش الانسان في الزمان لا باعتباره اطارا يفرض على الانسان، يمر عبر مراحل التغير في الصبا والشباب والكهولة والهرم، فليس الزمان سبب التغير، بل العكس هو الصحيح. ومن لم ير ذلك فقد اخطأ، اذ جعل الزمان شيئا خارجا عن الذات.

يرى الفيلسوف الالماني هيدجر الوجود سقوطا في الزمن. وحسب الزمن نسيجا من الهم والكدر، ثم توجه نحو المستقبل وغمره بالظلام متجاهلا القوة الخلاقة، معترفا بالدمعة منكرا الابتسامة – – من اجل ذلك كان الزمن تغيرا بمعنيين : احدهما يفضي الى الموت وثانيهما صاعد، فهو تقدم وحياة.

وقد تعودنا تقسيم الزمن الى ثلاثة ادوار : الماضي والحاضر والمستقبل، وفي الحقيقة ان الحاضر يضم رفيقيه، الماضي والمستقبل. كما ان هناك نوعان من الماضي واحد محوناه، فتلاشى، وواحد لم يزل حيا باديا في حاضرنا – فلا تختزنه الذاكرة بل تخلقه وتجدده فيظل شفافا متجليا. – – – والذي يبدو متناقضا في مسألة الزمن الماضي هو ان الماضي لم يعتبر ماضيا الا في الان الحاضر، فامس البارحة كان البارحة حاضرا. ولم يصبح ماضيا الا اليوم.

يقف الناس من ماضيهم موقفين : اولهما موقف المحافظين المتعلقين بالتقاليد، وثانيهما موقف المجددين الذين يصلون الماضي بالمستقبل، فيبعثون الماضي خلقا جديدا، – وموقف الانسان من ماضيه وحاضره ومستقبله جد خطير. لانه يود محو ماضيه اذا كان سيئا ويحتفظ بما كان منه طيببا هنيئا مريرا- – فاذا كان حاضره اليما تمنى زواله، واما اذا كان سعيدا تمنى دوامه، لئلا ياتي عليه المستقبل فيلحقه بالماضي. – اذن فالزمن داء قتال ذلك هو سر الكآبة في نظرنا الى الزمن الذاهب – – – ومسؤولية الفن تبرز هنا فتعالج هذا الداء في احياء الماضي ونشره شعرا ونحتا ورسما – واما الدين فقال بالموت و (الدنيا الاخرة) وكل ذلك نتائج مشكلة الزمن.

اما اذا كانت اللحظة الحاضرة مشوبة بالماضي الاثيم والمستقبل المجهول، فما هو الدواء واين العزاء من هذا الحاضر ؟ الذي يتناثر غباره على الماضي والمستقبل.
ان العزاء الوحيد هو في الوقوف على الظرف الحاضر بغية الانقاذ من تخوف المستقبل ورهبة القدر – – كذلك فعل الانبياء والنادرون من عظماء العالم. فالماضي والحاضر لا وجود لهما من الناحية الوجودية، بل الحاضر المتجدد.

ترتبط المعرفة بمشكلة الزمن، وليس ادل على ذلك من معرفة التاريخ. فهي تذكر بالماضي بما بقى لنا منه من رسوم واثار. كذلك تبدو معرفة الماضي على شئ من الغرابة لانها ادراك بما ذهب، اي معرفة ما ليس موجودا، ولكن اغرب منها معرفة المستقبل، الذي لم يقع بعد. لكن الفلكي المتنبأ بالكسوف يصبح المستقبل لديه حاضرا يخضع لعملية حسابية كما تخضع الجثة للتشريح.

لا يجوز حمل الابدية الى الفرار ولو جاز لعمد الانسان الى المخدرات والمسكرات تحررا من ربقة الزمن، ولكن هذه تاتي بنتيجة معكوسة لانها تبديد للزمن والشخصية ان هي الا هنيئة جزئية لا تحمل في ثناياها الا الخفة والطيش – اما الهنيئة الابدية ففيها الحياة كاملة كما (ان حيوية الشمس ماثلة في كل شعاع منها)

نعود ونلفت النظر وهي ان الزمن الوجودي يختلف عن الزمن الحسابي – وليس ادل على ذلك من الحالات النفسية التي يمر بها الانسان. فان العذاب يريك الساعة سنة والفرح يريك الساعة لحظة – – لقد صدق من قال : ان السعداء لا يحصون الساعات.
مشكلتان تقضّان مضجع الانسان وهما مرتبطتان بالزمان المتعلق به مصير الانسان – وهما مسئلة البداية والنهاية، وكلاهما خارج عن الزمن. – ومن اجل هذا رافقت الانسان الكآبة والحنين الى الماضي والتوق الى المستقبل، مع التخوف منه. وهذا التخوف هو في الحقيقة الخشية من الموت.

* مقتبس من كتاب الصراع في الوجود لبولس سلامة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close