قراءة كلمة المرجع اليعقوبي في ختام الزيارة الاربعينية – ما بعد النصّ

علي الابراهيمي

بيانات وخطابات المرجع الشيخ محمد اليعقوبي لمن قرأ كتاب خطاب المرحلة الذي يجمعها كانت تتناول كل المشهد السياسي والديني والاجتماعي العراقي . وهي تربط بين كل هذه الفصول ربطاً محكما , وتسند احدها الى الاخر , بما لا يجيده الا من تعلّم من المعصومين قراءة الماضي ووعي الحاضر واستشراف المستقبل . لذلك كانت كلماته تمنع من نسيان الماضي وتحذّر من الواقع وتؤسس للمستقبل .

ونحن اليوم امام كلمة مهمة تحت عنوان ( البيان الختامي للزيارة الاربعينية المليونية ) في 20 من صفر الخير 1441 الموافق 19-10-2019 , امتزجت ببعد جديد الا وهو يد الغيب .

ان الفوضى الأخلاقية والمعرفية التي اوجدها الفاسدون في العراق كانت في ظنّهم كافية في تأخير ظهور إمام الزمان عليه السلام ، كما أرادوا وأراد من خلقهم . وان الانزياح الأحمر للدم الشيعي في ظلّ الطقسنة والتضحية يوجد فجوة واسعة بين اهل العراق وبين عقيدة واهداف الائمة الساكنين على ارضه ، فيما هناك انزياح أزرق لأرواح طهرت بمقام الشهادة في ساحات الدفاع عن الإنسان في العراق .

وان ما جرى في العراق من خلال فرض قانون إدارة الدولة على مجموعة كتابة الدستور بعد احداث النجف الدامية أسس لنظام مبادئ دستورية فاشلة في كل الجوانب الاقتصادية والقانونية والتعليمية والأمنية والإدارية والدينية في العراق .

كما ان عدم التصدي الحقيقي للمرجعية الدينية المؤثرة اعطى الفرصة للأمريكان وللأحزاب المختلفة التي جاءوا بها لتنفيذ رؤاهم المتضاربة والمختلفة , والتي انتجت الدمار . وملخص هذه الرؤى ( خذ اكبر مقدار من الكعكة ) .

ولا شك ان الأحزاب العراقية المؤسسة لما بعد 2003 م بفسادها خضعت للسلطان الأمريكي . اذ كانت هيئة النزاهة – كما على لسان رئيسها السابق موسى فرج – ملزمة برفع التقارير الشهرية الى السفارة , ومن ثم فالسفارة الامريكية كانت تسيطر على رقاب الفاسدين وتملك زمام امورهم او اسكاتهم على الأقل . وبالتالي فجميع المشاريع الامريكية الاقتصادية والأمنية سارت بهدوء . وصارت الولايات المتحدة تملك ولاءات اكبر مساحة من الأحزاب العراقية .

وكانت هناك دول الخليج بسفاراتها بداعي الحفاظ على مصالح بعض أطياف الشعب العراقي , حتى جعلتهم شظايا , بعد ان أرسلت اليهم الاف الإرهابيين . وكانت هناك سوريا , الدولة الأولى التي دربت الإرهابيين وارسلتهم الى العراق , ظناً منها انها تستطيع هزيمة الامريكان , فانقلب السحر على الساحر .

فوصل الحال الى استغفال الشعب وإعطاء ثروته للشركات المتعددة الجنسيات , عن طريق السفارات ومن يواليها , واقنعوه – بالتعاون مع صندوق النقد الدولي – ان خزينته فارغة وان العالم يساعده .

ان الديموقراطية كانت اختراقاً فوضوياً غربياً ، تلج منها المشاريع الاستعمارية بصورة ناعمة.

فالديموقراطية مهما استطاعت ان تحقق من حقوق للأكثرية فهي لابد ان تسحق حقوق وامتيازات الأقلية. فكيف اذا كانت وبالاً على الأكثرية وليس بالضرورة ان تكون الأكثرية نبيلة او صاحبة حق شرعي انساني، فالغرائز البشرية قد تحكم حركتها فعليا، كالأنانية.

وقد تساوي وسائل الديموقراطية عند التصويت بين العالم والجاهل، وبين السوي والمجرم، وبين الكبير الناضج والصغير النزق، او قد تصل – حين لا يلتفت أحد – الى مساواة العاقل بالمجنون. فجميعهم له صوت انتخابي، لكنّ الأكيد ان ليس جميعهم له عقل انتخابي.

وحين تتعارض الأفكار التي تتنافس للوصول للحكم بالطريقة الديموقراطية بين الإسلام والشيوعية والاشتراكية والرأسمالية او اية عقيدة أخرى تقوم على أساس شمولها الجذور الأولية لنظام الحكم، ومنه رفض الآلية الديموقراطية والاحتكام الى البعد الفلسفي او الديني، وارادت احدى هذه الجهات تطبيق فكرها بعد وصولها للحكم بصورة ديموقراطية، عندئذ تعاني هذه الآلية عقدة غير قابلة للحل او التوافق مع الفكر السياسي المنتصر. فأما الغاء وجوده او الغاء الآلية الديموقراطية ذاتها. او قد يتم التوافق على الا تنفذ اية جهة فائزة فكرها على الأرض لحفظ حقوق الاخرين، ومن ثم يكون نظام الحكم عبارة عن فوضى، يتبرأ كل فكر منها. وهو الحاصل في العراق.

او قد تراهن المؤسسات السياسية ذات المستوى المتدني على غباء الناخبين، لا وعيهم، للوصول للحكم. فهي لا تستطيع الارتقاء، فتلجأ الى خفض مستوى الذكاء العام، من خلال اليات الاعلام والاشاعة والتخريب للمنشآت التعليمية والتربوية والأخلاقية. الامر الذي ينتج جهلاً وفساداً مركّبا. كما هو حاصل مع الكتل البرلمانية العراقية الكبيرة .

وفي النظام الديموقراطي تظل النظم التعليمية والاقتصادية والجنائية والشخصية بلا أسس فلسفية. وانما تقوم على الأسس التوافقية، التي تتغير بين فترة وأخرى , بحسب مصالح الزعماء , الامر الذي ارهق العراقيين جسدياً وفكريا.

ومن هنا يأتي خطاب المرجع اليعقوبي بأن يد الرحمة اذنت بالتغيير , بما بذل العراقيون من خدمة لائمتهم المعصومين , وبما بذلوا من دماء في سبيل التحرر .

كما في حديث الامام الباقر عليه السلام : ( إنّ المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره ، فيوكل الله عزّ وجلّ به ملَكاً ، فيضع جناحاً في الأرض وجناحاً في السماء يطلبه ) . بمعنى ان تسخير قوانين الكون راجع الى العمل الذي يعمله المؤمنون . وقد كانت خدمة العراقيين لزوّار ابي عبد الله الحسين بن علي عليه السلام ومرحلة الوعي التي منعت الزعماء السياسيين من الظهور بخدعهم هذا العام الامر الذي كشف اوراقهم وفسادهم الفكري قبل السلوكي والمالي منفذاً سماوياً لنزول الفرج الإلهي الغيبي . وان عناوين القداسة الزائفة وقلة الوعي تجاهها كانت سبباً في كل بلاء نزل سابقا .

ومن ثمّ يمكننا ان ندرك معنى نزول جموع الملائكة في مقامات وازمان خاصة , قدستها الأديان , لا لحاجة الخالق اليها بالتأكيد فهو الغني الحميد , لكن لحاجة الانسان الى وجودها كقوانين تسري بخصوصية ما .

وقد ابتدأ البيان بتعزية المسلمين في كل العالم , لعالمية رسالة صاحب الذكرى , وهو الامام الحسين بن علي الشهيد بكربلاء من اجل قيم الحرية والدفاع عن حقوق الانسان وكرامته . ولهذا لم يشر المرجع اليعقوبي الى الجوانب المادية التي ترتبط بسلوكيات الطقسنة في هذه الزيارة المليونية , بل أسس لمفهوم المعنى القيمي في قضية الحسين , والذي منه تنبع أهمية هذه الذكرى وعالميتها . ومن ذات المنطلق كانت دعوته للنهل من آل البيت المحمدي الصافي في عطائه الإنساني والسماوي , من قبول المبادئ الإنسانية العليا , ورفض مناهج الاستعباد .

ثم تهنئة الشعب العراقي لبلوغه تمام مرحلة التواضع والايثار في تقديمه الخدمة للآخذين من منهل آل محمد , وهو لا ينتظر من المقابل سوى الوصول لهذا المنهل العذب , ليرتشف منه ما يشاء من قيم , دون الضغط او السؤال . فالعراقيون وضعوا انفسهم طريقاً لعبور الباحثين عن القيم والمبادئ العليا , لا انهم فارضون لهذه القيم . وهذا هو المعنى الحقيقي لمرتبة الثقة التي وصلها العراقيون بما لدى ائمتهم , وهذا هو الارتكاز العقائدي الذي تبحث عنه الأديان , وبه استحق العراقيون هذا الشرف . حتى ان الانسان الريفي البسيط لديه من العقيدة ما جعل العراقيين في المجمل كأنهم جسد ايماني واحد , الواعي فيه يتمم سلوك البسيط . وهو امر يذهل من لم يفهمه بعد .

وعن الإمام الصادق “عليه السلام” : ( ما مِن أحدٍ يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه مِن زوّار الحسين “عليه السلام” لـِـما يرى ممّا يُـصنع بزوّار الحسين “عليه السلام” من كرامتهم على الله ) . فكيف هو مقام العراقيين الذين وضعوا انفسهم – بكل حبّ – طريقاً الى هذه الزيارة .

وعنه عليه السلام في دعائه لزوار الإمام الحسين “عليه السلام” : ( يا مَن خصّنا بالكرامة .. اغفر لي ولإخواني ولزوّار قبر الحسين بن علي “صلوات الله عليه” الذين أنفقوا أموالهم .. اللهم فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس .. اللهم إنّي أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم العطش ) . فلا شك ولا ريب ان اهل العراق شملوا ببركات هذا الدعاء . ومن هنا كان لاهل العراق القدح المعلى والمقامات الرفيعة التي جعلها الله لزوار قبر الحسين .

ومن هنا يكون ( إن من قدّموا كل هذا العطاء للإمام الحسين “عليه السلام” فإن الله لا يخذلهم ولا يضيع إحسانهم {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} وسيجعل لهم من امرهم فرجاً ومخرجاً وسيزيح عنهم ببركة اقامتهم الشعائر الحسينية كابوس الظلم والفساد كما خلصّهم ببركتها من السابقين ) .

لذلك يقول المرجع انه ( مطمئن إلى أن الجهود المخلصة الواعية تدخل السرور على قلب إمامنا المهدي الموعود “صلوات الله وسلامه عليه” وتدعوه إلى تعجيل ظهوره المبارك وهو يرى الملايين من شيعته من عشرات الدول يجتمعون عند ضريح جدّه سيد الشهداء “عليه السلام” معلنين نصرتهم وطاعتهم المطلقة له “عليه السلام” والتحرر من سلطان الهوى والذّل والتبعية والتخّلف والجهل، فعلينا أن نديم زخم الانتصار على النفس الأمارة بالسوء وعلى شياطين الجن والإنس ) . فالمرجع يرى امتزاج العقيدة بالعمل . وان هذه الشعائر بدأت تصبح رسالية اكثر من كونها ممارسات طقوسية عاطفية . وانهم قد بلغوا مرتبة من الوعي ورفض الظلم بحيث لا تنطلي عليهم تلك الألاعيب، والتستر بالعناوين المقدسة التي كان الفاسدون يدّعونها زوراً وبهتاناً .

لذلك ف( إن اليوم الذي تتوجه فيه هذه الملايين لاقتلاع الظلم والفساد من جذورها ليس ببعيد بعد أن استلهمت من زحفها المبارك نحو ضريح أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين “عليه السلام” كل معاني الإصلاح والحرية والحياة الكريمة ورفض الذّل والهوان والاستعباد والاحتقار والإهمال، ما لم يتدارك الظالمون الفاسدون أمورهم بالتوبة والعمل الجاد الصادق لرفع الظلم والحيف عن الشعب العراقي الكريم ) , لا سيما الفاسدون الذين كانت جنايتهم على الإسلام كبيرة ولا ترحضها كلماتهم المعسولة ووعودهم الإصلاحية الكاذبة التي فتحت لهم ابواباً جديدة من الفساد وسرقة أموال الشعب . وبعد ان ادرك هؤلاء الفاسدون هذه المرحلة متأخرين من حركة شعبية حسينية عميقة , كان ملفتاً غياب السياسيين وقادة الأحزاب عن مشاركة الزوار في مسيرتهم وتقديم الطعام لهم ونحو ذلك من الحركات الاستعراضية الماكرة التي كانوا يخدعون الشعب بها ليواصلوا فسادهم وتسلطهم العدواني، وهذا اعتراف منهم بالفضيحة .

وفي خضم هذه المواجهة الاجتماعية لا يسع المرجعية الدينية الرشيدة والحوزة العلمية الدينية الشريفة أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الشعب يذبح بسيوف الفقر والحرمان والبطالة والفساد والتخريب والجهل والمرض والرصاص الحي، وتجد لزاماً عليها أن تضّم صوتها إلى أصوات المطالبين بحقوقهم المشروعة بالطرق السلمية التي تكفّلها لهم الدستور وكل قوانين حقوق الإنسان متجنبين الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.

خصوصاً مرجعية الشيخ اليعقوبي التي تضمنت خطاباتها لسنين طويلة ذكراً صريحاً لاسماء الفاسدين ومن يدعمهم , وفضحاً لمشاريعهم الفاسدة , بل تضمنت الإشارة الواضحة لمشاريع مستقبلية لم تقع بعد . وان قراءة أجزاء كتاب خطاب المرحلة الذي تضمن بيانات مرجعية اليعقوبي تغني عن أي إشارة او تلميح . ومن لم يقرأ هذا الكتاب بعد فهو لم يعرف مواقف المرجعيات الدينية بصورة حقيقية . حتى قال ( ودعونا الناس إلى رفض هذا الواقع الفاسد والخروج عليه – ولم نجد استجابةً منهم- وقلنا لهم إن الكثير من السياسيين لن يتحركوا إذا لم تتهدد مصالحهم وتحترق الأرض تحت أقدامهم، لأنهم غير منتمين لكم وإنما هم

منتمون إلى الدول التي كانوا يعيشون فيها، وها هم اليوم يُعطلون عمل البرلمان ولم ينظروا لكم ) . وهو ما اغضب الفاسدين حينها . الا انهم اليوم بدأت تحترق الأرض تحت اقدامهم وهم في غمرتهم ساهون .

ثم دعا قادة البلاد الى التصرف بحكمة امام هذا التحرك الشعبي , وأن يتجنّبوا سياسة التخوين والتآمر والاتهام بالعمالة ونحو ذلك، فهذه لا يصدقها أحد على شباب عزّل يستقبلون الرصاص بصدور عارية .

وبما ان هؤلاء القادة يغلب عليهم الفساد , فقد دعا الى تأسيس مجلس للحكماء وأهل الخبرة في ميادين الحياة كافة . ليكون منطلقاً آمناً للإصلاح بعيداً عن بؤر الفساد , وليكون الشعب شريكاً في اتخاذ القرار .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close