مفهوم الحرية في الإسلام

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا – الهند [email protected]

الحرية من أهم المفاهيم المطروحة للنقاش اليوم على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وأن الدعوة إلى الحرية شيء جذاب، وتستقطب أنظار العالم على مختلف المستويات والمتحدثون عن الحرية يترددون وازدادت الحاجة إلى تبيان أفق الحرية في عصرنا الحاضر على الرغم من تطور العقل البشري، واتساع آفاق العلوم، وَوجود الأنظمة المقررة لصالح الأفراد والجماعات والشعوب في النطاق العالمي.

إن الحرية في أي بلد مهما يكن ليست مطلقة إطلاقا كليا، فلكل بلد دساتيره وقوانينه ونظمه التي تنظم حياة الناس فيه، وهذه النظم وإن كانت في ظاهرها تقييدا للحرية إلا أنها في حقيقتها إنما هي آليات لحماية الحرية وللحفاظ عليها من الفوضى حتى لا يعبث الأفراد بمصالح الجماعة بحجة أنهم يمارسون حرياتهم أو تعتدي الجماعة على الأفراد وتسلبهم حريتهم.

الحرية من أهم القيم الإسلامية لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويتميز الإنسان بها على سائر الكائنات الحية الأخرى، ولا تتحقق إرادته إلا في جو من الحرية الكاملة الواعية التي لا تخل بمبادئ المجتمع العامة كما لا تعتدي على حريات الآخرين. فقد حرر الإسلام الإنسان من العبودية للعباد ومن العبودية لهواه والارتكاس في حمأة الشهوات، كما حرر عقله من الخرافات والأوهام والتقاليد والأوضاع الفاسدة ومن السلطان الزائف. ودعاه إلى التعقل والتفكر والنظر الحر والتدبر.

الحرية في الإسلام فهي التحرر من الإكراه والضغط والأسر والظلم، وهذا المبدأ يمنح الإنسان الحق في التفكير واتخاذ ما يراه واختيار ما يناسب رغباته المشروعة مع الالتزام وتحمل المسؤولية، إذن الحرية هي قدرة الإنسان على التصرف بمحض إرادته اختيارًا بين البدائل والممكنات لتحقيق إنسانيته في ظل التوجيهات الإلهية التي نزلت لتنظيم الحرية حتى لا تنقلب إلى فوضى وظلم واعتداء على الحرمات وحقوق الآخرين باسم الحرية. إن الحرية لا تؤتي ثمارها إلا في ظلال الممارسة الصحيحة لها بما لا يتعارض مع الدين والأخلاق وقوانين الدولة وحقوق الآخرين وحرياتهم.

جاء الإسلام لتحرير النّاس من أغلال الجاهليّة وضلالاتها، لم يعرف لها العالم مثيلًا في عدالتها وسموّها ورقيّها حتّى صارت مبادىء الإسلام مضربًا للأمثال ونموذجًا يحتذى به. عبّر الصّحابي الجليل ربعيّ بن عامر رضي الله عنه بكلماتٍ بليغة عن أهداف هذه الرّسالة حينما قال لكسرى بعثنا الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فالإسلام هو أوّل من أقرّ بحرّية الإنسان الكاملة.

إن النفس الإنسانية في الإسلام تتمتع بحرية الإرادة والقدرة والمشيئة. وقد اهتم الإسلام بتحرير الذات الإنسانية كما اهتم الإسلام بتحرير الإنسان من الصراع بين النفس والعقل ودعا في آياته إلى التمسك بالعقل واجتناب الهوى. لقد تحدث الإسلام عن الحرية ونظمها من القدم بميزان العدل. ومن العدل أن تكون للإنسان حرية كما أن الحرية لا تكتمل إلا بالعدل.

إن هناك ثلاثة أنواع يشملها مفهوم الحرية في الإسلام:

· الحرية الشخصية: تعتبر الحرية الشخصيّة مطلباً فطرياً طبيعيّاً من مطالب الإنسان، والتي خلقه الله عزّ وجل وفطره عليها، فحاجتُه لها عندما يفتقدُها تفوقُ حاجتَه للطعام والشراب، وقد أقرَّها الدينُ الإسلاميُّ الحنيف كحقّ مكتسب لكلّ إنسان على وجه الأرض، لقد أكّد الإسلام على حريّة الأفراد الشّخصيّة في الحياة؛ فللإنسان أن يأكل ما يريد وأن يشرب ما يريد وأن يتنعّم بما يريد ويشاء من الخيرات، وأن يبيع ويشتري ما يشاء، ما دامت تلك المُباحات لا تضرّ بالنّفس أو تؤذي النّاس. حرص الإسلام على تحرير الإنسان تحريرًا كاملًا من العبوديّة للبشر أو العبوديّة لشهوات النّفس. الحرية

الفردية بكونها “حـق الإنـسان في التـصرف بناء عـلى قناعته الفردية، وعلى ما ارتآه بمحـض إرادته، ودون خوف مـن أحـد، نادى الإسلام بمبادئ الحرية الفردية وكفل المساواة. فالإسلام لا يكتفي بكفالة الفرد ماديا ،بل يكفل له حقوقا مهمة أوسع منذلك، ولا يكتفي بصيانة كرامة الفرد فقط.

· الحرية الدينية: الحرية الدينية هي أن يكون للإنسان الحق في اختيار ما يؤديه إليه اجتهاده في الدين، فلا يكون لغيره حق في إكراهه على ما يعتقده بوسيلة من وسائل الإكراه، وإنما يكون له حق دعوته إليه بالإقناع بدليل العقل، وأن القرآن الكريم دعا في أكثر من موضع إلى حرية الدين وحق الإنسان في اختيار دينه. جاء الإسلام ليكفل الحريةالدينيةللإنسان،وليس للمسلمين أو المؤمنين به، بل ليحافظ على الحرية الدينة للبشرية عامة ليبقي التوازن الفكري والعقلي والنفسي بين عقيدة الإسان وفكره وسلوكه، إذا نادى الإسلام “لا إكراه في الدين.

· الحريةالاجتماعية: الحرية الاجتماعيّة هي تعني الحرية التي يجب أن يتمتّع بها أفراد المجتمع كاملاً. تتعلق الحرية الاجتماعية بانتماء الفرد إلى الجماعة، إذ إن الانتماء يرتب على كل منهما حقوقا وواجبات. تتمثل هذه الحرية في منح الناس الحق في تكوين أفكارهم وأطروحاتهم في فهم الحياة وفي الموقف من مختلف القضايا، في أمن تام دون ضغوط أو خوف من أحد، ومنحهم الحق في التعبير عن رؤاهم بعد تكوينها، ما دامت هذه الحرية لا تتجاوز أحكام الدين القطعية أو إخلال بالقانون وليس فيها اعتداء على الغير أو إضرار به. ويقتضي هذا المفهوم المساواة بين جميع المواطنين أمام العدالة والقانون، بأن يخضعوا جميعا للقانون ويتساووا جميعا أمام العدالة بصرف النظر عن أعراقهم أو فئاتهم أو انتماءاتهم الاجتماعية، لأن الإنسان يعيش ضمن مجتمع ولابد له أن يراعي حقوقه عليه وأن يأخذ بعين الاعتبار مكانته وحرمته.

· الحرية الاقتصادية: الحرية الاقتصادية هي إحدى المبادئ الأساسية التي أولتها النظم الاقتصادية جانبا من الاهتمام. وإن الحرية الاقتصاديةفي الإسلام ضرورة من الضرورات الإنسانية، فإن حق الحرية أحد الحقوق التي أعطتها الإسلام للفرد، والفرد في الإسلام بمكلف أن يمارس عملا يكفي عائده نفسه، ومن يجيب عليه أن يكفله، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وفي ظل هذا التكليف يجد الفرد في ظل الإسلام حرية اختيار المهنة التي يراها تتفق حسب قدرته وقوته، فلا يجبر على مهنة كا لا يمنع من مزاولة منهة، فإن الشكل الذي يفضه من خلاله ، له الحرية الكاملة ، فله أن يعمل بنفسه في المجال التي يختاره، وله أن يشارك غيره من الناس أو أن يعمل لدى الغير مقابل أجور. وفي إطار ممارسة هذه الحرية يجب عليه أن يتمثل تلك المقومات التي جمعها في القوة والأمانة.

· الحرية السياسية: إن حرية التفكير هي أهم مقمومات الحرية السياسية، والحرية السياسية في الإسلام هي حرية تقوم على قوة العقل والإدراك والمنطق وغير متأثرة بعوامل مصيرية تحددها البئية الاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد والجماعات، فالعقل والمنطق والبصيرة هي القاعدة الأخلاقية والإنسانية التي تنطلق منها الحرية السايسية. وهذا المبدأ يعني القبول بالتعددية الفكرية والثقافية والسياسية داخل الدولة الإسلامية على أساس من المواطنة والمساواة في الحقوق، ودون إكراه لأحد على فكرة أو مصادرة لرأيه أو الضغط عليه لاجباره على التخلي عن انتمائه وقناعاته، بما يعنيه ذلك من حرية التجمع وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والجمعيات والنوادي الثقافية وكل وسائل النشاط والتعبير، وإتاحة حرية العمل لكل التشكيلات والتجمعات بكل حرية وأمان، لا يحدها في ذلك إلا أحكام الدين المتفق عليها أو القانون.

الحرية في الإسلام أصل عام يمتد إلى كل مجالات الحياة الإنسانية ، وهي ليست مطلقة وإنما تتسم بالنسبية بحيث لا تتصادم مع حريات الآخرين ولا تؤدي إلى الضرر. من أجل ذلك كان لها أركان وقواعد، وهذه الأركان هي: الحرية والعدالة ، والمساواة ، والتكافل الاجتماعي، وذلك لأن الإسلام دين ودولة، والدولة نظام حكم ينبثق من المبادئ والقواعد والأحكام العامة في القرآن والسنة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close