في البصرة … مسيرة شموع، ورسائل الى الله تعبر عن الاحتجاج السلمي

منتصر الامين

تحولت تظاهرات البصرة الى اعتصامات، ثلاثون خيمة تم نصبها امام مبنى الحكومة المحلية، ومسيرة شموع مهيبة استذكارا لقتلى التظاهرات، ومن ثم رسائل الى الله عبر بالونات اطلقت في الهواء.

على غرار باقي الاحتجاجات التي تشهدها مدن العراق، يشارك شباب مدينة البصرة الغنية بالنفط والفقيرة الحال في الاحتجاجات بشكل واسع، إذ قتل واصيب العشرات منهم، ولكنهم مصممون على عدم التراجع بأي ثمن ويحافظون على سلمية التظاهرات بقوة.

بعد ايام من انطلاق الاحتجاجات، وعمليات الكر والفر بين قوات الامن والمتظاهرين، نجح الشباب المحتجون في نصب ثلاثون خيمة كبيرة ايذانا باعتصام عام امام مبنى الحكومة المحلية الذي تحيط بها قوات الامن، هذه الخيم تضم الاطعمة والماء والاسعافات للجرحى، كما انها تحولت الى مركز تنسيق لفعاليات التظاهرات ومنع الشباب الغاضبين من التخريب.

مع مرور الساعات والايام وعند حلول الظلام تبدأ اعداد الخيم تتزايد حسب المجموعات المشاركة في الاحتجاجات، إذ تم اطلاق اسماء على تلك الخيم، بينها “خيمة وطن” و “خيمة شهداء التظاهرات”، و “خيمة فناني البصرة”.

عائلات كاملة بدأت تتوافد الى ساحات الاعتصام للمرة الاولى منذ انطلاق الاحتجاجات، بعدما كانت تخشى المشاركة، يمكن تمييز العائلات من مجموعات صغيرة من الاب والام والابناء، يحملون الاعلام العراقية، ويقدمون المساعدات للمعتصمين وكذلك المشاركة في الفعاليات التي يقومون بها.

امام هذه الخيم مكبرات الصوت، اول ما بدأ به المتظاهرون سماعه هو النشيد الوطني “موطني”، عندما بدأت مكبرات الصوت بإطلاق صوت هذا النشيد، ردد متظاهرون النشيد ايضا، بعضهم ردده بنحيب وصياح حزين، الفتيات الشابات يبكين والدموع تنهار بغزارة كمن فقد عزيز.

في احدى المرات جاءت مجموعة كبيرة من الشباب والشابات لم تتجاوز اعمارهم منتصف العشرينات يرتدون خوذ العمل حاملين شموع، المجموعة منظمة بشكل متراصف مرت من ساحة الاعتصام بشكل مهيب، فوجئ الجميع بما يشاهدوه من منظر استثنائي، قبعات العمل هي تمثل مطلبهم فقط في الحصول على وظيفة، اما الشموع فهي استذكارا لشهداء التظاهرات واطلقوا عليها مسيرة الشموع.

في زاوية اخرى من الساحة يقوم مجموعة من الشباب بإشعال مئات الشموع على الارض وترديد موشحات حزينة تستذكر اصدقاءهم الذين سقطوا خلال التظاهرات، بكاء وحزن كبير واناشيد بحب الوطن، دفعت حتى قوات الامن القريبة منهم بالمشاركة في اشعال الشموع واستذكار الضحايا.

تنوعت الفعاليات في ساحات التظاهرات في الصرة، اخذت مجموع من الشباب يطلقون على انفسهم “شباب البصرة المدني” على عاتقها تنظيم فعاليات فريدة من نوعها، وهي “رسائل الى الله”، ويقول حيدر نجيب احد المشاركين في تنظيمها لـ “نقاش” ان “فكرة الفعالية هي توزيع قصاصات ورقية صغيرة على المتظاهرين والمعتصمين في الساحة ليكتبوا فيها رسائل الى الله حول مشاكلهم ومعاناتهم او امنياتهم ، ومن ثم نقوم بلصقها على بالونات هوائية ونطلقها في الهواء”.

ويضيف نجيب “بعدما عجزنا عن مخاطبة البشرية عن همومنا توجهنا برسائلنا الى الله ليسمع شكوانا ويستجيب لنا”.

فعالية اخرى تحمل طابع الكوميدية، حملت اسم (أكبر فاسد) وهي عبارة عن انتخابات وسط ساحة الاعتصام إذ يطلب من المعتصمين كتابة اسم مسؤول سياسي في الحكومة العراقية يعتقد بانه الاكثر فساداً بعد عام 2003، ليتم بعدها فرز الاصوات امام الجمهور واعلان اسم الفاسد الاكبر.

يقول محمد فاروق اد القائمين على هذه الفعالية لـ “نقاش” “اردنا ان نوصل رسالة الى الطبقة السياسية الفاسدة بانهم اصبحوا مكشوفين لدى الشعب”، واضاف ان ” الفعالية شهدت اقبال واسع من الجمهور ولمسنا وعي كبير في اختيار الاسماء”.

يواصل الشباب في البصرة احتجاجاتهم ونشاطاتهم المتنوعة، لكن اعينهم على بغداد عند ساحة التحرير اكبر تجمع للاحتجاجات في البلاد، يسمعون اخبار القتلى والجرحى، وكذلك يسمعون قصص كيف نجح المحتجين في السيطرة على الساحة ومنع قوات الامن من عبور الجسر الذي يربطها بهذه الساحة، وانتشارهم فوق مبنى كبير يُعرف بالمطعم التركي.

ولهذا بدأ المتظاهرون تأليف مقولات باللغة الشعبية العراقية دعما لتظاهرات بغداد، يتم ترديدها بشكل واسع، بينها ما تعني “كوني قوية يا بغداد وامضي قدما، نحن معك”.

احد المقولات الشائعة الاخرى التي يرددها شباب البصرة تأكيدا لسلميتهم ورفضهم العنف، ومنع الغاضبين منهم من تنفيذ اعمال تخريب، تقول “انت ابن البصرة، السلمية تليق بك”.

محمد احسان شاب من اهالي البصرة عمره عشرون عاما لديه صالون حلاقة يعتاش عليه، ولكنه انضم الى التظاهرات وشارك على طريقته من خلال تقديم خدمة الحلاقة للشباب مجانا، ويقول محمد لـ “نقاش” “مع سماعي انطلاق اعتصام مفتوح قرب مبنى المحافظة قررت نقل احد كراسي الحلاقة الخاصة بمحلي الى ساحة الاعتصام لتقديم خدمة مجانية للمحتجين، لا يوجد لدي شيء اقدمه لهؤلاء الابطال سوى المهنة التي اعرفها وهي الحلاقة واعتبر ذلك واجب وطني”.

عند صباح كل يوم تتجمع عدد م النساء الكبيرات في السن لعمل فطور ساخن مكون من خبز محلي يسمى “السياح” لتقديمه الى المعتصمين مع الشاي البصراوي الذي يتميز بنكهته العطرة.

وعلى مدار اليوم عشرات العجلات المدنية تدخل ساحة الاعتصام محملة بالأطعمة والمياه والافرشة والمستلزمات الضرورية التي يحتاجها المعتصمين وتخرج محملة بالشكر والثناء والتقدير وسط ابتسامة تعتلي وجوههم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close