ألكاتب المسيحي والمفكر الأنساني جورج جورداق في رحاب الله:

في بلادنا العربية كُتّابٌ و كُـتّاب كُثر, يصل عددهم لعشرات الآلاف .. لكن لا كآلكاتب ألمؤرّخ و المفكر جورج جورداق المسيحي الديانة الكاثوليكي المذهب الذي ولد في لبنان عام 1931م في بلدة مرجعيون و توفى هذا اليوم وعمرهُ 83 عاماً .. هذا الكاتب ألعظيم العصاميّ .. تجرّد عن هويّاته ومعتقداته في لحظة تأريخية حاسمة غيّر عقيدته معتنقاً ألهوية ألعلوية إلتي إعتز بها حتى وفاته اليوم, حتى هداهُ فطرته النظيفة منذ بداية شبابه إلى منبع الحق و الأنسانية الأمام عليّ(ع) فعشقهُ على الفور, فمن من أهل الضمائر يقرأ علياً ولا يعشقهُ خصوصا عندما يطالع ولو صفحة في نهجه الخالد أو قصة من قصصه العملاقة و على أي صعيد في خلافته الفريدة في تأريخ البشرية من آدم و حتى الخاتم(ع) وإلى يومنا هذا؟
هذا الكاتب الأنسانيّ – الآدمي – الكبير كتب عنه مقالات و كُتب عجز عجز الإتيان بمثلها حتى كبار علماء جامعاتنا وحوزاتنا العلمية, بإستثناء الفيلسوف الكونيّ.
لقد ألّف موسوعة كاملة عن امير المؤمنين (الإمام علي بن أبي طالب) عليه السلام، سمّاها [ألإمام علي صوت العدالة الإنسانية]، وتقع في خمسة أجزاء بعنوان:
– “علي وحقوق الإنسان”،
– “بين علي والثورة الفرنسية”،
– “علي وسقراط”،
– “علي وعصره”، “علي والقومية العربية”.
ثم أتبعها بملحق كبير بعنوان:
“روائع نهج البلاغة”, و لم يكتب بعدها شيئا عن أي شيئ, و حين سُئل : لماذا توقفت عن الكتابة يا جورج و أنت رائد الكتاب العرب و مفكرهم!؟
أجاب: لم أرَ بعد عليّ بن أبي طالب و آلنبي محمد و عيسى شخصا آخر يستحق الكتابة عنه, فتوقفت!

ومن ماثوراته في حق الامام علي بن ابي طالب عليه السلام وكما ورد بآلكتاب أعلاه :
[علي بن أبي طالب هو في الحقيقة والتاريخ واحد، سواء عرفته أم لم تعرفه، فالتاريخ والحقيقة يُذعنان بأنّ له ضميراً حيّاً وقهّاراً ، وأبو الشهداء والأحرار، وهو صوت العدالة الإنسانية، وشخصية الشرق الخالدة], و يضيف قائلاً:
[يا أيّها العالَم، ماذا سيحدث لو جَمَعتَ كلّ قواك وقدراتك وأعطيتَ الناسَ في كلّ زمان عليّاً بعقله وقلبه ولسانه وذو الفقاره]؟!

وقال أيضاً: هل سمعت عن حاكم لم يُشبع بطنه برغيف خبز؟ لأنّ في بلاده من ينام وهو غير شبعان، وهل سمعت عن حاكم لم يلبس الملابس الناعمة؟ لأنّ في شعبه مَن يلبس الملابس الخشنة.
لم يكنز لنفسه حتّى درهماً واحداً؟!
حتى أوصىأبنائه وأصحابه أن لا يتّبعوا سوى هذه الطريقة.
فحاسب أخاه لأخذه ديناراً واحداً غير حقّه من بيت المال، وهدّد وأمر بمحاكمة حكّامه بسبب رغيف خبز أخذوه من غني وأكلوه رشوةً؟!
عاقب وعاتب الكثير من ولاته .. كعثمان بن حنيف واليه على البصرة ألذي لم يغتنم الاموال او يكنز الذهب و الفضة و لم يبني له قصراً او يمتلك بنايات سكنية, ولم تكن له اية تجارة ممّا سرق من بيت المال!
كل ما عمله (عثمان بن حنيف) انه حضر وليمة للموسرين و جلس يأكل بين المترفين فوبّخه الامام علي (ع) على حضوره هذا, قائلاً:
[أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة (1) فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان (2) وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو (3).
وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم (4)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه (5)، وما أيقنت بطيب وجوهه (6) فنل منه ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (7)، ومن طعمه بقرصيه, أ لَا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعقة وسداد (8). فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا (9)، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا (10). بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث (11) تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لاضغطها الحجر والمدر (12)، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى (13) لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق (14). ولو شئت لاهتديت الطريق (15) إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي (16) إلى تخير الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة (17) من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل – وحسبك داء أن تبيت ببطنة (18) * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش (19). فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها (20)، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها. أو أترك سدى أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة (21).
ألفيلسوف الكوني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المأدبة بفتح الدال وضمها: الطعام يصنع لدعوة أو عرس (2) تستطاب يطلب لك طيبها. والألوان: أصناف الطعام والجفان بكسر الجيم: جمع جفنة القصعة (3) سائلهم: محتاجهم، مجفو أي مطرود من الجفاء (4) قضم كسمع أكل بطرف أسنانه والمراد الأكل مطلقا، والمقضم كمقعد المأكل (5) اطرحه حيث اشتبه عليك حله من حرمته (6) بطيب وجوهه بالحل في طرق كسبه (7) الطمر بالكسر: الثوب الخلق (8) إن ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون الرعية.
(9) التبر بكسر فسكون: فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ. والوفر المال (10) أي ما كان يهئ لنفسه طمرا آخر بدلا عن الثوب الذي يبلى، بل كان ينتظر حتى يبلى ثم يعمل الطمر، والثوب هنا عبارة عن الطمرين فإن مجموع الرداء والإزار يعد ثوبا واحدا فبهما يكسو البدن لا بأحدهما (11) فدك بالتحريك: قرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد فتح خيبر، وإجماع الشيعة على أنه كان أعطاها فاطمة رضي الله عنها قبل وفاته إلا أن أبا بكر رضي الله عنه ردها لبيت المال قائلا إنها كانت مالا في يد النبي يحمل به الرجال وينفقه في سبيل الله وإنا إليه كما كان عليه. والقوم الآخرون الذين سخت نفوسهم عنها هم بنو هاشم. المظان: جمع مظنة وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشئ. وموضع النفس الذي يظن وجودها فيه في غد جدث بالتحريك أي قبر (12) أضغطها جعلها من الضيق بحيث تضغط وتعصر الحال فيها (13) أروضها: أذللها (14) موضع ما تخشى الزلة وهو الصراط (15) كان كرم الله وجهه إماما عالي السلطان واسع الامكان فلو أراد التمتع بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، وهو قوله لو شئت لاهتديت الخ. والقز: الحرير.
(16) الجشع: شدة الحرص (17) جملة ولعل الخ حالية عمل فيها تخير الأطعمة أي هيهات أن يتخير الأطعمة لنفسه والحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص أي الرغيف ولا طمع له في وجوده لشدة الفقر ولا يعرف الشبع، وهيهات أن يبيت مبطانا أي ممتلئ البطن والحال أن حوله بطونا غرثى أي جائعة وأكبادا حرى مؤنث حران أي عطشان (18) البطنة بكسر الباء البطر والأشر والكظة. والقد بالكسر:
سير من جلد غير مدبوغ أي أنها تطلب أكله ولا تجده (19) الجشوبة: الخشونة (20) التقاطها للقمامة أي الكناسة وتكترش أي تملأ كرشها (21) اعتسف: ركب.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close