عندما تقرر الدولة/ السلطة الحرب على مواطنيها!

يحيى الكبيسي

مع دخول الموجة الثانية من الاحتجاجات في العراق يومها الخامس عشر، يبدو أن ثمة قرارا قد اتخذ بعدم تنفيذ المطالب الجوهرية التي بدأت تتبلور وتتجه نحو المطالبة بتغيير حقيقي في بنية النظام السياسي القائم؛ عبر العمل على احتواء الحركة الاحتجاجية، وحصرها في مناطق محددة، وتحويلها إلى هايدبارك للفرجة، على أمل أن تتحلل هذه الحركة مع الوقت.
أما في حال فشل هذه المحاولة، فإن هذه الدولة/ السلطة مستعدة تماما للذهاب إلى خيار المواجهة، من دون أي اعتبار لفاتورة الدم الثقيلة المحتملة، خاصة مع كل أعداد الضحايا والجرحى الذين سقطوا حتى اللحظة والتي تكشف صلافة ملفتة واستهتارا حقيقيا!
لقد عكست الكلمات التي قالتها، أو كتبتها، الرئاسات الثلاثة؛ رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، عدم الاستعداد للذهاب إلى خيار الاستقالة أو سحب الثقة عن الحكومة (بموجب الدستور العراقي يمكن لرئيس الجمهورية طلب سحب الثقة عن الحكومة من دون الحاجة إلى الاستجواب، كما أن لخمس أعضاء مجلس النواب (66 نائبا) طلب ذلك بشرط الاستجواب، وتعد الحكومة مستقيلة في حال تصويت الأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء على ذلك). كما عكست ضمنا عدم الاستعداد للذهاب إلى خيار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
إن أقصى ما يمكن أن تقدمه الدولة/ السلطة هو اللعب على عامل الوقت من خلال إطلاق الوعود غير القابلة للتنفيذ، والضحك على الجمهور بإنشاء سياسي، وحلول ترقيعية!
ففي الرسالة الجوابية على رسالة مقتدى الصدر التي طالبت باستقالة الحكومة وانتخابات مبكرة بإشراف أممي، تذكر عادل عبد المهدي فجأة أن ثمة «سياقات دستورية» يجب الالتزام بها فيما يتعلق بالاستقالة أو الانتخابات المبكرة، مع أنه لم يلتفت إلى هذه «السياقات الدستورية» عندما جاء إلى منصبه عبر انتهاك صريح للدستور من دون إعلان كتلة أكثر عددا ترشحه! حين تواطأ الجميع، رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، والمحكمة الاتحادية لتمرير ذلك! بل إنه زاد من عنده انتهاكا دستوريا آخر عندما «اشترط» بديلا عنه يتفق عليه قبل أي استقالة!
أما برهم صالح، فقد أطل على المحتجين بالقول إن: الوضع باق على ما هو عليه، وبعد ثلاث سنوات يمكنكم التغيير عبر انتخابات يشرع مجلس النواب الحالي قانونها، ويشكل مجلس النواب الحالي مفوضيتها! مع علمه بأن هذا المجلس سيكون حريصا على ضمان مصالح قواه السياسية الفاعلة، تماما كما حدث في تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات قبل شهرين والذي شكل فضيحة بكل المقاييس! وأن هذا المجلس نفسه سيشكل مفوضية الانتخابات التي لن تكون سوى ممثلية أحزاب مرة أخرى! والمفارقة هنا إن رئيس الجمهورية قفز على صلاحيته الدستورية بطلب سحب الثقة عن الحكومة، ليقر «الاستقالة المشروطة» التي أعلنها عادل عبد المهدي!
وبعد اختفاء ملفت، باستثناء الاستعراض الذي قام به في ساحة «مجهزة سلفا»، وجمهور «كومبارس»! استغل رئيس مجلس النواب خطاب المرجعية يوم الجمعة الماضي لإرسال رسالة للمحتجين بأن فكرة حل مجلس النواب، والانتخابات المبكرة، غير مفكر فيها أصلا! وذلك عندما تحدث عن «انعقاد دائم» لمجلس النواب من أجل «الشعب ومطالبه»! بل إن المجلس خطا خطوة أبعد عندما قرر تشكيل لجنة مؤقتة لتعديل الدستور لتكريس الأمر الواقع وخلط الأوراق، في محاولة مفضوحة للتسويف واللعب على عامل الوقت (يحتاج تعديل الدستور ما لا يقل عن 10 أشهر بالحد الأدنى)!
وكما كان متوقعا، دخلت السلطة القضائية بشكل مباشر في سياق مسرحية الدولة/ السلطة هذه، وأعطت لنفسها الحق، بدون سند دستوري أو قانوني، وفي انتهاك صريح لالتزامات العراق الدولية، بتجريم الاعتصامات، والإضرابات، وقطع الطرق، ومحاصرة المؤسسات الحكومية، مع أنها كلها وسائل سلمية لجأ إليها المحتجون لزيادة الضغط على الدولة/ السلطة. فقد أصدرت بيانا، توعدت فيه المحتجين السلميين بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب ضدهم، ومنحت «السلطات المختصة» صلاحية إلقاء القبض من دون قرار قضائي، متعكزة على مادة وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية بهذا المعنى، وقافزة على نص دستوري صريح لا يجيز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرار قضائي! والمفارقة هنا أن المجلس كان حريصا على تجريم ما سماه «الاعتداء» على قوات الجيش والشرطة، وما يشكله هذا الاعتداء المزعوم من «ظاهرة شاذة لا تمت للوطنية بصلة»، بدون الإشارة إلى عمليات الإعدام الميدانية، والقناصين، وفلق الجماجم عبر استخدام القنابل المسيلة للدموع كأدوات للقتل، واختطاف الناشطين أو اغتيالهم!
في مقابل هذا التجاهل المتعمد، والتدليس المنهجي، كان المحتجون على وعي تام باستراتيجية الدولة/ السلطة، فلجأوا في الأيام الأخيرة إلى مناورات ذكية، وغير متوقعة، أثبتت ان تطوير تكتيكات الاحتجاج باتت خلاقة إلى حد بعيد. فبعد 9 أيام من الوجود في ساحة التحرير، ومقتربات جسري الجمهورية والسنك، أغلقت القوات الأمنية الجسرين معتقدة أن لا احد سيفكر بمفاجأتها عبر العبور من جسر الأحرار، أو الشهداء، أو باب المعظم (وربما سيكون الجسر المعلق هدفهم اللاحق)، ولكن المفاجأة حصلت، وبالتالي باتت الجسور الخمسة ذات الأهمية الحيوية ميدان مواجهة بين المحتجين والقوات الأمنية، وبالتالي تحقق الهدف الرئيسي للمحتجين. من هنا بدت تكتيكات المحتجين متقدمة على استراتيجية القوات الأمنية!
في البصرة أيضا، طور المحتجون وسائل احتجاجهم من خلال محاصرة ميناء أم قصر الحيوي لصادرات النفط وواردات العراق في الوقت نفسه، كما عمدوا إلى محاصرة الشركات النفطية العاملة هناك.
هذه المباغتة أثبتت أيضا أن المحتجين واعون تماما أن محاولات احتواء حركة الاحتجاجات، وتحويلها إلى ساحة للفرجة، كما حصل في حراك 2011 و 2015 ـ 2016، لن يتحقق هذه المرة، وأن مطالبهم لن تتحقق إلا إذا استمروا في الضغط على الدولة/ السلطة، وليس الحكومة فقط، وإجبارهم على الاستجابة لها.
يبقى العامل الدولي، وتحديدا الأمريكي، هو الوحيد القادر على كسر هذه المواجهة المفتوحة، عبر زيادة الضغط على الدولة/ السلطة العراقية للاستجابة إلى طلبات المحتجين من جهة، وعبر اللجوء إلى ملاحقة المتسببين الرئيسيين في هذا القتل اليومي للمحتجين بدم بارد! مع أن لا مؤشرات حقيقية حتى اللحظة على إمكانية تغير هذا «التواطؤ» الدولي تجاه ما يجري في العراق. وهو ما يعكسه هذا الانحياز المطلق الذي أبدته ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت، التي بدت ناطقا رسميا باسم الحكومة العراقية أكثر من تمثيلها لدورها الأممي المفترض!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close