قراءة في المجموعة القصصية ( أعمامي اللصوص ) الكاتب فيصل عبدالحسن

هذه المجموعة تتميز في براعتها في الغوص في قاع المجتمع . وكشف سلبياته وعلله الاجتماعية . لذلك ان المجموعة هي نسيج متناسق ومترابط بين واقعية الاحداث الجارية , وتنسيق بالمخيلة الخيال الفني , الذي يمتلك المهارة الاحترافية في صنعة القص , والسرد الحكائي , بلغة مشوقة وجذابة , تشد القارئ في رهافتها الديناميكية . وهي تتناول مفردات وثيمات الواقع المعاشي بتجربته الفعلية . لتشكف اشكال المعاناة والقهر الاجتماعي , لواقع فقد بوصلته , وخرج عن جادة الصواب , الى الظلم والحرمان والحيف , وهي نتيجة منطقية وطبيعية , تتسم بها السلطة الشمولية المتسلطة على رقاب الناس . في غياب الامن والاستقرار الحياتي . نحو الانفلات الامور عن السيطرة , وتصبح السلطة عاجزة في معالجة السلبيات والعلل التي خلقتها بنفسها , بل انها شريكة فعالة فيها . لانها غير جديرة في المسؤولية والحكم , وتضع ثقل هزائمها واحباطاتها على عاتق الشعب المسكين . والمجموعة القصصية , تملك اسلوبية متمكنة في توظيف نهج الواقعية الانتقادية . واختارت اسلوب النقد الساخر والمتهكم من ثيمات ومفردات الواقع ومجريات أحداثه . وتوظيف متمكن في اظهار الواقع يعيش التراجيدية الكوميدية للاحداث السردية , وخاصة للبطل السارد , الذي هو شريك في تسجيل الحكايات من اعمامه اللصوص وغيرها من النصوص القصصية برع في تقمص دوره في السرد الحكائي . ويأخذنا في دهشة مشوقة لحكايات اللصوص , مغامراتهم ومجازفاتهم ومقالبهم . لاشك ان حكايات اللصوص مادة دسمة في الادب الروائي العربي والاجنبي . بكل اشكالها المشوقة . حتى برزت روايات مشهورة في الادب الروائي للصوص , ان صحت التسمية . والمجموعة القصصية ( اعمامي اللصوص ) للاستاذ الروائي المبدع فيصل عبدالحسن , الى جانب تناول مواضيع حيوية هامة أخرى , في الطرح والتحليل والرؤية . مثل العلل الاجتماعية في الظلم والحرمان والحيف , ومسألة الحصار والحرب والفقر والجوع , والحياة الخاوية , التي تحاول ان تصنع لنفسها شيء مهم , حتى تتسلى بها على معاناتها وقهرها الاجتماعي , وكذلك تكشف الافرازات السلبية . نتيجة الواقع المنفلت من عقاله عن جادة الصواب . وخاصة ان يكون الناس طعماً للسرقة والنهب والسلب . في مجتمع فاسد , بسلطة فاسدة .لتضعنا امام تدهور المنظومة الاخلاقية في قيم المجتمع . نجد هناك من يحاول ان يتجلد على بمعاناته الشديدة , ان يحافظ على عفته وكبريائه , محافظا على قيمته الانسانية بأبى وعزة النفس . رغم الفقر والجوع في قسوته الشديدة . نجد المبدع الاديب , يمتلك لغة مكثفة ومركزة في اسلوبها السردي المشوق . في كشف ادق تفاصيل العلل والسلبيات . كما يعرج على مسألة القتل والحروب العبثية , التي تخلق أزمة حياتية ووجودية . والمجموعة القصصية احتوت على ثلاثة أجزاء . وهي :
1 – الجزء الاول . ضمت القصص القصيرة التالية : العين . الجثة . أعمامي من البخلاء . أعمامي السبعة . اعمامي المقلدون . أعمامي اللصوص .
× قصة ( العين ) :
بعدما ضعفت ووهنت قبضة الحكومة المركزية , في الاطراف والمدن الصغيرة البعيدة عن المركز . اخذت تظهر مليشيا الحزب الحاكم بتغيير عدسة عينها لمراقبة وترصد الناس في الايقاع بهم بشتى التهم . اخذت هذه المرة , بتشكيل مجموعات في القيام بالنهب والسلب , كعصابات قطاع الطرق , تنهب وتسلب المسافيرين على الطرق . في ايقاف السيارات والقيام بسلب ما يمتلكون من اموال وحلي وحقائب , حتى مواد الطعام في سد جوعهم على سفرهم . اي ان نهج الحزب الحاكم تحول من السياسة الى اللصوصية .
× قصة ( الجثة ) :
بعدما وقفت الحرب وهدأت الصورايخ وغارات الطائرات . في ضرب مواقع حيوية لسلطة البعث في العراق . . اصبحت المعدات الحربية . مواد مستهلكة ( خردة ) تباع في المزاد العلني , وصادف سوء حظ احد المقاولين المشترين من المزاد . اشترى سيارة محترقة من مخلفات الحرب المعطوبة . ولكن المفاجأة انه وجد داخل السيارة المحترقة . جثة طيار امريكي متفحمة , بما يستدل عليه من الزي العسكري . وبقايا اللحم المتفسخ والمتفحم , بجمجمة بيضاء ونتف من بقايا الشعر الاشقر . اما هذه المفاجأة السيئة وقع في حيرة من أمره ( ابو جابر ) . ماذا يفعل بالجثة , هل يدفنها سراً بدون ان يعرف أحداً شيئاً عنها , أم يخبر السلطات الحكومية ؟ . وازاء هذه الورطة استشار شقيقه الصغير في الامر , واستقر الرأي في اخبار السلطات المحلية بالامر بوجود جثة متفحمة . ولكن بعد تبليغ السلطات , انقلب الامر ضدهم , وصخب الاعلام الداخلي والخارجي وحتى الامريكي . في الاتهامهم بتعذيب الاسير الامريكي حتى الموت وحرق جثته . وانشغال القضاء الدولي والاعلام بالقصاص من المجرمين الارهابين القتلة , وحتى اعلام النظام عزف على هذه المعزوفة . وترك الناس آثار فداحة الخسائر من الحرب المدمرة , وانشغل بهذه الجريمة الوحشية , ووجد طريقة لتملص من تبعيات الحرب المدمرة .
× قصة ( أعمامي السبعة ) :
يتحدث السارد كمدون حوادث اللصوصية التي يقوم بها اعمامه اللصوص . بأن يدون حكاية كل واحد من هؤلاء الاعمام السبع في جلساتهم في السمر في ليالي الشتاء . تكشف احترافهم مهنة اللصوصية على اصحاب المواشي ( المعدان ) . جندوا في الحرب الايرانية والامريكية وغيرها . وكانت النتائج كالاتي . أول الاعمام . أستطاع ان يأسر جنرال أيراني , وكوفئ كبطل بسيارة جديدة ومهر لزواجه . والثاني جلب ثلاثة أسرى جنود أمريكان ضلوا الطريق , فحاز على وسام الشجاعة . والثالث احترق او تهشم نصف وجهه من شظية مدفع . والرابع سرق آلة ضوئية تطبع الاوراق النقدية من الكويت , فراح يطبع الاوراق النقدية المزورة . والخامس فقد ذراعه في الحرب , وارتكن الى تربية الدجاج . والسادس جمع ثروة طائلة من جيوب المقتولين في الحرب . أما السابع فقد رضي بغنيمة الحرب , بمجندة امريكية اتخذها للمتعة الجنسية حتى انجبت له طفلاً . وطالبته بالنفقة للطفل في المحاكم الامريكية , واتخذها حجة في تحقيق حلمه بالسفر الى امريكا .
× قصة ( أعمامي اللصوص ) :
يأخذنا المبدع الروائي الى المتعة المشوقة بالسخرية المضحكة في طرائفها , في الشيطنة في مهارة الحرامي او اللص بذكاء خارق , ولكنها تنتهي الى التراجيدية الكوميدية . لنأخذ واحدة من حكاياتهم على لسان لسارد المدون حكاياتهم . كيف تتم عمليات السطو والنهب . وكيف يتم التسلل الى البيوت . وذكر أحد هذه الطرائف من الحكايات التي تكون مادة مسلية في ليالي الشتاء وعلى منقلة النار والشاي في اجتماع عائلي . يدون بأن أحد اعمامه تسلل الى احد البيوت لسرقة الفرس , فأختفى بين الاغطية والوسائد . وحين جاء وقت العشاء لزوج والزوجة , استغل الظلمة ليشاركهم الاكل , ولكن الزوج شعر به , فمسك يده . فما كان من اللص , إلا ان امسك يد الزوجة , وهي بدورها صاحت بالزوج غاضبة ( دعني آكل , لماذا مسكت يدي ؟ فترك المعيدي يد عمي , وقد ظن أنه قابض على يد أمرأته ) ص59 . ولكن بعدما نام صاحب الدار ( المعيدي ) تسلل الى الاسطبل لسرقة الحصان , في نفس الوقت كانت الزوجة في احضان احد العبيد لمضاجعتها . وحين شعر الزوج صاحب البيت بالسرقة . أستل سيفه , لكنه وجد أمرأته عارية يضاجعها احد عبيده في وضع مخزي , أستل سيفه وهشم رأس عبده , فهربت الزوجة عارية بالخوف والهلع , في حين استطاع اللص ان يهرب مع الفرس . وصاح به غاضباً ( لا بارك الله فيك!! لم يفعل بنا لص ما فعلته !! فضحتني في عشيرتي وقتلت عبدي , وطلقت زوجتي , وسرقت فرسي , وأكلت عشائي ) ص60 .
2 – الجزء الثاني :
تتحدث النصوص القصصية عن محنة الحصار العراقي القاسي , بسنواته العجاف والمؤلمة في معاناة الناس , ودفعهم الى فاقة الفقر والجوع , وشحة وجفاف معالم الحياة المعيشية اليابسة تماماً . ويضم هذا الجزء القصص التالية :
1 – الكلبة التي صارات نمراً . 2 – المضحكة . 3 – في ظهيرة قائضة .
× قصة ( في ظهيرة قائظة ) :
تتحدث عن قصف الطائرات الامريكية . وهي تدق بصواريخها العاصمة . وكانت هذه الطائرات تقف في سماء احدى المدن الصغيرة وتقذف بحممها الصاروخية للعاصمة . فما كان من الحزب الحاكم ان يحول هزيمته في الحرب , لانه لم يستطع ان يدافع عن العاصمة , بهذا الانهزام والضعف والعجز , يتملص من تبعية الهزيمة النكرى , في اتهام هذه المدينة الصغيرة التي تقف الطائرات في سمائها , بالخيانة والتواطئ والعمالة , لانها سمحت للطائرات ان تقف بسمائها في قصف العاصمة . لذلك يجب حذفها من السجل المدني . وعدم التعامل معها والمطالبة بالقبضة على الجاسوس او الجواسيس المتورطين . ولكن احد الشطار الذين لا تفوتهم الفرص السانحة . اتصل بالرئيس ليخبره بخيانة مدينته . لذلك اعتبر بطلاً قومياً ووطنياً وكرم بنصب تمثال يؤرخ مأثرته الوطنية الكبيرة , بهذه المسخرة التهريجية , التي تدعو الى السخرية والضحك , وهي تدل على خواء الحزب الحاكم .
3 – الجزء الثالث :
يضم القصص التالية . اللفافة العظيمة . لغة العيون الخائنة . وعاء الضغط . دنيا أخرى .
× قصة ( اللفافة العظيمة ) :
امام اشتداد وطئة الفقر والجوع وشح الحياة في معاناة الفاقة والعوز . كان يضطر لسد جوعه اليومي , أن يبيع اثاث وحاجياته المنزلية , حتى ليأكل ليبعد شبح الجوع المؤلم , ولكنه انتهى من بيع كل شيء , ولم يعد يملك اي شيء يبيعه , مقابل وجبة بسيطة من الطعام , وظل على هذه الحاة المزرية يقرقر الجوع في معدته ثلاثة أيام . طرقت أمرأة متسولة , تعيش على عطايا الناس البسيطة لتطعم اولادها الايتام , وتدفع عنهم شبح الجوع , في جمع ما تحصل عليه من مواد غذائية من الناس , طلبت منه مساعدته بما يملك القليل من الخبز الى اطفالها اليتامى , سمح لها بالدخول , وعرفت حالته المزرية , واخرجت لفة الطعام , وطلبت منه مشاركتها في الاكل , رفض بحجة بأنه منذ قليل أكل وجبة طعامه . رغم ان الجوع يقرقر في بطنه . وطلب منها ان تعطيها الى اطفالها الجياع , واخرجت كعكة وطلبت منه ايضاً ان يتناول شيئاً منها , لكنه رفض بأن اطفالها اولى بأكلها , لكنها خرجت وتركت الكعكة في مكانها .وهو يتضور من الجوع المؤلم , لكنه كان يتحاشى ان يمد يده الى الكعكة ربما عادت واخذتها الى اطفالها , وظل على هذا الحال البائس والمرير في الاصرار في الممانعة في اخذ قطعة من الكعكة , وظل يبكي وينوح على الحياة المزرية . التي تدفع الناس الى التسول . ان معاني الدالة والبليغة , بأن القيمة الانسانية تحافظ عل الاباء والعزة والكرمة , حتى في الظروف القاهرة والمؤلمة .
× الكتاب : أعمامي اللصوص ( قصص )
× الكاتب : فيصل عبدالحسن
× الطبعة : عام 2019
× الناشر : وكالة الصحافة العراقية ( ناشرون ) الجيزة / جمهورية مصر العربية
× صفحات الكتاب : 143 صفحة
جمعة عبدالله

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close