مَـــنْ دَمَّـــرَ العـــراق؟ مَـــنْ؟ 1/3

ضياء الشكرجي

dia.al-shakarchi@gmx.info

مقالة كتبتها قبل أكثر من سنتين وتسعة أشهر، لم أنشرها في حينه، بل عممتها فقط على عدد من الأصدقاء.

لم أقل في العنوان «من دمّر الدولة العراقية»، أو «من دمّر العملية السياسية»، أو «من دمّر مشروع التحول الديمقراطي»، ولا حتى «من دمّر الشعب العراقي»، بل قلت «مَـــنْ دَمَّـــرَ العـــراق؟». فالتدمير شامل، فهو تدمير للدولة، للثقافة، للاقتصاد، للبنى التحتية، للزراعة، للصناعة، للسيادة، للتعليم، للتعليم العالي، لكرامة الإنسان، للعيش الكريم، للخدمات الضرورية، للآمال، للأحلام، للسلم الأهلي، للشعور بالأمان، للرعاية الصحية، للتطلعات، للأجيال، وهو تدمير للقيم، للأخلاق، للُّحمة الوطنية، للتعايش، و…، و….

ولم أكتب ذلك من قبيل الرد على مقالة بعنوان مشابه إلى حد ما، لكن تناولتْ عنصرا واحدا مما ذكرت مما شمله التدمير، ألا هو الدولة، وما أتفق ربما مع بعض ما جاء فيها، ولا أقول أختلف، بل وما لي ملاحظات على بعض آخر، فلست من هواة الدخول في سجالات، ولكل منا فيما يطرح ما هو صائب، وفيه ما هو خطأ، أو لنقل أقل صوابا، وهذا يشملني بكل تأكيد، فكلنا نصيب ونخطئ، ولست ممن يفترض دوافع معينة لكتابة ما يكتبه هذا أو ذاك الكاتب، إلا بدليل، إن وجد.

على سبيل الطريفة، وإن كانت الطريفة من نوع الكوميدراما، أروي هذا الحلم: في ليلة الحادي والعشرين من الشهر المنصرم (كانون الثاني)، أي قبل تسعة أيام من نشر هذه المقالة، رأيت حلما في منامي، ونادرا جدا ما أرى حلما أتذكر شيئا من تفاصيله إلا القليل جدا منها وبصورة ضبابية، إلا أن هذا الحلم كان مطبوعا في ذاكرتي بشكل واضح، وبكل الكلمات التي تكلمتها فيه. رأيتني مع عمار الحكيم، وأنا أصرخ في وجهه محتقنا غضبا على الطبقة السياسية، وممتلئا حسرة على العراق. قلت له بصوت مرتفع وبغضب شديد، ممزوج بالحزن: «إنتو دمرتو العراق، إنتو (أعني المجلس الأعلى)، وحزب الدعوة، وحزب الفضيلة، والبقية الوِيّاكم، والطائفيين من السنة، دمرتو العراق، وضيعتو عليه فرصة تاريخية الأولى من نوعها، وربما الأخيرة».

والآن أرجع إلى موضوع مقالتي هذه، التي تريد الإجابة، طبعا من وجهة نظري، على سؤال يا ترى من دمّر العراق، ولو إن الحلم أعطى بعض الجواب.

أنا لست ممن يقولون إن أمريكا هي التي دمرت العراق، وإن كنت لا أبرئها من أخطاء فظيعة، ولكن أخطاء أمريكا لم تكن العامل الأساسي في تدمير العراق. وبكل تأكيد لا أبرئ نظام البعث الذي أسقطته لنا أمريكا، وحكم صدام حسين الديكتاتوري الدموي، وتركة هذا النظام الأسوأ في تاريخ العراق الحديث. لكني أقول إن سقوط هذا النظام مثل فرصة لبداية جديدة، فتعليق الغسيل الوسخ على شماعتي أمريكا وحزب البعث أمر لا أراه إلا هروبا من مواجهة الحقيقة، أو هو تبرير لمسببي الكارثة العراقية. فلا أتفق مع من يقول إن الأحزاب المتنفذة قد جاءت على الدبابة الأمريكية، كما يعبرون، فإنها كانت القوى الأساسية لمعارضة المهجر، إذ لم تكن هناك معارضة منظمة تذكر في الداخل، بعد أن أبادها صدام بقمعه اللامحدود في دمويته، ومعارضة المهجر هذه، كانت تترقب سقوط صدام، سواء بيد إيران، أو أمريكا، أو عبر انقلاب عسكري، أو انتفاضة شعبية، لتدخل وتستلم زمام الأمور لقيادة مقدرات العراق سيئ الحظ.

كما وبلا شك إن للتدخلات الإقليمية لدول الجوار دورا تدميريا تخريبيا ومؤذيا منذ 2003، ولا أبرئ دولة من كل من تلك الدول، سواء إيران أو السعودية أو تركيا أو قطر، بل وحتى سوريا ما قبل 2011، بل وإلى حد ما الأردن، وربما بدرجة أقل دول خليجية أخرى [بما في ذلك الكويت]، كما لا أبرئ سلطة إقليم كردستان وسياساتها المضرة لكردستان وبمصالح الشعب الكردي بالدرجة الأولى، ولعموم العراق، كما ولا أبرئ السيئين جدا والطائفيين جدا من السياسيين السنة، والذين بقي الكثيرون منهم يحنّون إلى نظام صدام.

لكني أقول إن حصة الأسد في عملية تدمير العراق هي للقوى الشيعسلاموية، أعني أحزاب الإسلام السياسي الشيعية، فـ(الشيعسلاموية) العراقية هي المسؤولة الأولى والمسؤولة الرئيسة لتأسيس وتأصيل وإدامة كل عوامل تدمير العراق، دولة ومجتمعا، فضيعت الفرصة التاريخية على العراق، وعلى الشعب العراقي، أن يقيم نظاما ديمقراطيا حقيقيا، ودولة حديثة تقوم على أساس المواطنة، وتسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاه للمجتمع العراقي، وتجذّر مشاعر وأواصر الإخاء بين شرائح المجتمع، وتُنجِح التجربة الديمقراطية الاتحادية في العراق، لتكون نموذجا يرفع الرأس ويحتذى به، أو نحسد عليه. بل حتى المرجعية الدينية الشيعية تتحمل قسطا من المسؤولية، وإن كانت بعد سنوات من تجربتها مع القوى الشيعسلاموية التي دعمتها ومنحتها الشرعية الدينية في البداية، قد تداركت الموقف، وأخذت تقترب من توجهات الوسط السياسي المدني.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close