مسرور بارزاني والمهمات الصعبة..الهوية القومية والتعليم-2-

د. تارا ابراهيم

لاشك في ان كل شعب لديه هوية قومية يشعر بها الفرد بحس الانتماء وهي التي تحدد ما هو عليه هذا الشخص وعن اختلافه عن الاخرين ، فالهوية القومية هي ما نتسم بها “نحن” وليس “هم” وبالتالي الاختلاف هنا ياتي في اللغة والثقافة والتقاليد والتاريخ..الخ. وفي الحقيقة بالنسبة الي هي حالة نفسية اكثر من ان تكون معنوية فهي تضمن شعور الطمأنينة لدى الشخص بانه ليس وحيدا وانه ينتمي الى وطن، قوم، مجتمع، عائلة..الخ.

في طبيعة الحال، ان التربية والتعليم في اي بلد ما تعزز فكرة الهوية الوطنية او القومية، فالنظام الدراسي في اي وطن من الاوطان يعتمد اولا واخير على لغة ذلك البلد في الدراسة ويجعل اللغات الاخرى لغات ثانوية، فهذه اللغات اما ان تكون محلية او اجنبية اعتمادا على المكون القومي لتلك الدولة. أما المدرسة فتسمى مدرسة كونها تدرس وتعلم الطفل ليس فقط كيفية القراءة والكتابة بل لها دور في تعزيز فكرة الهوية للطفل من خلال تدريس الثقافة والتاريخ واللغة والادب للبلد المذكور كي ينضج الطفل فكريا وتنضج لديه فكرة الانتماء، وخصوصا فكرة المواطنة وكيف يكون مواطنا صالحا بفضل تدريس الطفل كيف له ان يكون مدنيا…فالمدنية في رايي من اهم الامور التي يجب ان تهتم بها المدرسة.

بدات فكرة الهوية وعلاقتها بنظام التربية والتعليم تجوب في راسي كثيرا، ففي الزمن الذي كنت فيه طفلة صغيرة لم تتح لي لا المدرسة ولا المعلمين بالتفكير في هويتي او حتى ترسيخها، ولحد الان انا ابحث عن هذه الهوية التي جزيئاتها الصغيرة باتت تذوب امام تسونامي العولمة وتعدد الثقافات التي احتويها واللغات التي اتقنها..الهوية هي احساس روحي يجعل الفرد فخورا بما هو عليه من حالة معنوية ونفسية وليست امرا يجعل الشخص يشعر بالحرج عندما يقول انه من البلد الفلاني وقوميته فلانية..

والان ماهو دور المدرسة في ترسيخ هوية الطفل؟ بالتاكيد ان بعض المسؤولية تقع على عاتق الاسرة ولكن بالنهاية هي مسألة مشتركة مابين الاسرة والمدرسة..بعد تشجيع القطاع الخاص في أقليم كوردستان، اصبحت حركة التجارة والمنافسة في السوق امرا ايجابيا بل ويشجع على الابداع وجلب كل ما هو جديد الى المواطن…ولاشك ان احدى هذه القطاعات المشمولة هو قطاع التعليم الذي باتت فيه المدارس الخاصة تنمو بشكل سريع وملفت في الاقليم، من الفرنسي والانكليزي والامريكي والتركي والالماني ..الخ من المدارس التي تجلب انتباه الاباء والامهات كونهم لا يثقون بالمدارسة العامة وهم يدفعون مبالغ طائلة من اجل ادخال اولادهم في تلك المدارس..وهنا يبرز العمل على تخطئة هذه النظرة بالعمل.

دور هذه المدارس في صقل هوية الطفل هو امر خطير ويجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار من قبل وزارة التربية..فهذه المدارس لا تجلب فارقا اجتماعيا ما بين اطفال المجتمع الواحد فقط بل وتؤثر على نشوء هوية الطفل بشكل جيد. فغالبا ما الاحظ في التجمعات العائلية ان ابناء هؤلاء الذين يذهبون الى المدارس الانكليزية يتكلمون فقط باللغة الانكليزية ما بينهم وهؤلاء الذين يذهبون الى المدارس الكوردية مثلا يضحون كما “الاطرش بالزفة” فهم لا يفهمون ما يجري وبالتالي فهم يحسون بالنفور ويتركون اللعب معهم لان وسيلة التفاهم البسيطة وهي اللغة لا تتواجد ما بين ابناء العائلة الواحدة..هذا السبب بسيط جدا ولكنه سبب سيء يجلب العزلة لهؤلاء الاطفال الذين لا يتمكن والداهما من دفع اجور هذه المدارس الغالية الثمن.. ابسط مثال أود ذكره هو طالبي الذي كنت اشرف عليه في دراسة الماجستير،المسكين كان يترك عمله في الظهيرة لكي يلتحق بعمل آخر في القطاع الخاص من اجل ان يتمكن ابناؤه من الالتحاق بهكذا مدارس مما يجلب ضغطا على الوالدين ايضا وقلقا مستمرا من عدم القدرة على تامين ميزانية خاصة ليتعلم اولادهم في هذه المدارس.

في رايي الشخصي ان الاطفال الذين يدرسون في المدارس الخاصة هم اطفال قد يكونوا محظوظين كونهم يتقنون لغة اكثر من غيرهم و اعتقد انه وبالرغم من هذا الامتياز الذي يتمتعون به فهم من ” المغضوب عليهم” كونهم يعيشون في مجتمع غريب عن مجتمعهم وهم حتى لايتقنون لغتهم الام بشكل جيد، فاللغة الام في المدارس الخاصة هي لغة ثانوية، ويمكن ان نتخيل ان هؤلاء الاطفال هم مغتربون في وطنهم الام. ليت الاسرة تعي ان اللغة الانكليزية التي يصرون على ان يتعلمها اطفالهم هي مجرد لغة وليس لها القوة الخارقة في جعل اطفالهم أذكياء او يمهد الطريق لمستقبل افضل. فغالبا ما يثير ضحكي بقدر ما يثير حسرتي على هؤلاء الاباء الذين اجدهم في اماكن الترفيه للاطفال يتكلمون اللغة الكردية تتخللها كلمات انكليزية وكانهم يودون القول انظروا “كم نحن مثقفون”، شانهم كشأن الغراب الذي قلد الحمامة في مشيتها وبات وجهه اكثر سوادا كونه لم يتقنها بشكل صحيح فضاعت هويته كغراب ولم يكتسب هوية الحمامة..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close