أزمة أم قرى المسلمين

بقلم الكاتب الإيراني محمود روغني

ترجمة عادل حبه

تدل الاحتجاجات الواسعة في ايران على اثر رفع أسعار البنزين في ايران، وما سبقها من مظاهرات شاملة التي عمت العراق ولبنان، على الأزمة العميقة الجذرية التي تلف بخناقها على “أم قرى المسلمين”.

إن قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 والصادر بتاريخ العشرين من تموز عام 1987* أدى إلى أن يتجرع حكام إيران السم ووقف الحرب، فرض على هؤلاء الحكام بشكل ملح ضرورة إعادة النظر في سياسة الجمهورية الإسلامية الداخلية والخارجية. إن أحد الدوافع لفي استمرار الحرب مع العراق، التي حصدت مئات الآلاف من الضحايا من كلا البلدين وإلحاق خسائر جسيمة بلغت مليارات الدولات بالهياكل الارتكازية بهما جراء إصرار روح الله الخميني على تصدير الثورة وتحرير القدس عن طريق كربلاء. لقد لقيت سياسة تصدير الثورة صدى بين بعض أنصار ولاية الفقيه والمسؤولين في الجمهورية الاسلامية الإيرانية، هذه السياسة القائمة على مد يد العون ودعم كل “مظلوم” في أي بقعة من بقاع العالم بغض النظر عن النتائج التي تتحملها البلاد، بإعتبارها وظيفة النظام الديني في البلاد. وبعد انتهاء الحرب، برزت ميول للتهدئة بقدر ما يتعلق بالمشاعر الرومانسية الثورية وضرورة إعادة النظر في هذا النهج وصياغة نظرية ” أم قرى المسلمين”.

إن نهج “أم القرى” هي السياسة التي صاغها محمد جواد لاريجاني معاون وزير الخارجية في الدولة المؤقتة في أواخر الثمانينيات، والتي حددت مكانة الجمهورية الإسلامية في العالم الإسلامي. وعلى أساس هذه النظرية وفي ظل تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران،فإن مستوى الزعامة والإرشاد لولي الفقيه ستتجاوز حدود إيران وتتحول إلى المرشد الوحيد للأمة الإسلامية.

وحسب اعتقاد منظروا نهج أم القرى، فإن روح الله الموسوي الخميني سيتولى ، علاوة على زعامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، زعامة العالم الإسلامي، وعليه أن يدافع عن المصالح الوطنية الإيرانية تماماً كما يتولى الدفاع عن مصالح عالم الإسلام (الأمة)‘ وعلى جميع الدول الإسلامية أن تبدي دعمها للجمهورية الإسلامية الإيرانية بإعتبارها “أم قرى” العالم الإسلامي. وعلى أساس هذه النظرية، فلو حدث تعارض بين الأهداف الوطنية والأهداف الخارجية ، فإن مصلحة الأمة لها الأولوية ، بعنى لو تعرض النظام الإسلامي في إيران إلى الخطر فمن أول واجبات المسلمين في شتى بقاع العالم حمايةهذا النظام.

تتألف نظرية أم القرى من ركنين أساسين:

1-هدف الجمهورية الإسلامية هو بناء دولة متقدمة ومزدهرة على أساس “النظام الإسلامي والنظرة الإسلامية”.

2-الجمهورية الإسلامية جزء من العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي غير محدد بحدود جغرافية خاصة.

إن منظروا “أم القرى” على إيمان راسخ بأن الجمهورية الدينية يُعترف بها “عاصمة عالم الإسلام”، ولذا ينبغي حمايتها وتوسيعها كمهمة من الدرجة الأولى. إن التغيير في النظرة من العالم الخارجي إلى داخل البلاد تعني حسب رأيهم ” أنه ينبغي الدفاع عن الموقع الذي يسعى الأعداء توجيه الضربة ضده، بإعتباره موجهاً أيضاً إلى عالم الإسلام”( جريدة رسالت الايرانية في شباط عام 2007). إن أهمية الداخل قد أكد عليها أيضاً روح الله الخميني حيث أشار إلى :”أن أنظار كل شعوب العالم تتجه صوب ايران…وإذا ما تعرضت البلاد إلى الهزيمة، فإنها سوف لا تقتصر على إيران فحسب، بل على جميع مستضعفي العالم”.

ومع رحيل ولي الفقيه الأول، جرت إعادة النظر بالقانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث ألحقت مفردة “المطلقة” على ولي الفقيه، وأضيفت صلاحيات جديدة مهمة لولي الفقيه الثاني، وتمركزت السلطة بأجمعها بيد ولي النظام. وبعد أن حصل علي خامنئي على موقع آية الله بتدبير من هاشمي رفسنجاني، تحول إلى مرجع تقليد بحيل أتباعه وأصبح مرجع تقليد الشيعة خارج الحدود. بالطبع إن كل هذه الخطوات كانت تهدف بلا شك إلى تولي زعامة شيعة العالم وهذا يتعارض مع موضوعة زعامة “مسلمي العالم” التي جرى التأكيد عليها في نظرية “أم القرى”. وعلى هذا تهاوت منذ الخطوة الأولى أحلام الهيمنة على

مسلمي العالم ضمن نظرية حول أم قرى لمسلمي العالم، لتبقى محدودة في “أم قرى الشيعة”.

اليوم وبعد مرور ثلاثة عقود، بانت المكانة الواقعية لأم القرى مع إندلاع مظاهرات الشيعة في العراق وحرق القنصلية الإيرانية في كربلاء. فقد طالب الشيعة العراقيون بوضع حد للتدخل المستور والسافر لأم القرى في شؤون البلاد. وتشير التقارير إلى مقتل المحتجين على يد الميليشيا الموالية لأم القرى بمشاركة من قاسم سليماني في عملية القمع.

وفي لبنان ، يشكل حزب الله هو الآخرأحد الأذرعة العسكرية الخارجية لأم القرى ، والتي أصبحت قوة عسكرية موازية للمؤسسة العسكرية الرسمية. إن حرب الثلاثين يوماً مع إسرائيل الحقت الدمار بالبنية التحتية في البلاد. إن حزب الله الذي أصبح التابع المطيع دون منازع لولي الفقيه، يسعى إلى أن يتحول إلى القوة المحركة في المنطقة بالاستفادة من المصادر المالية للشعب الإيراني وبإرادة من ولي الفقيه المطلقة. ويشير حسن نصر الله أن كل احتياجات حزب الله المادية والعسكرية تأتي من جيوب الشعب الإيراني. إن الشعب اللبناني هو الآخر يدعو إلى إنهاء مظاهرة العسكري في البلاد بمشاركة الطوائف الدينية ، بما في ذلك حزب الله ، والتي أدخلت البلاد في فساد اقتصادي واسع النطاق وبديون بلغت قيمتها 100 مليارات دولار. ويعارض حزب الله وحركة أمل تشكيل حكومة غير طائفية من التكنوقراط كي يتم إنقاذ البلاد من أزمتها. وكشفت استقالة رئيس الوزراء الجديد (الصفدي)، التي تمت بعد الاتفاق بين الأحزاب المسيحية والسنية والشيعية الثلاثة، على الفشل السياسي للأحزاب الدينية في إدارة البلاد.

ولكن أزمة وإنهيار نظرية أم القرى في داخل الجمهورية الدينية أصبحت أكثر وضوحاً ونشير إلى أهم ملامحها:

– بعد أربعين سنة من صراع النظام الديني مع العالم الغربي ، والتدخل في البلدان الإقليمية والطموحات النووية ، يواجه الاقتصاد المعتمد على النفط في البلاد اختناقات غير مسبوقة. ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة -7٪ إلى -8% في العام المقبل. ووفقًا لبيانات الرئيس المحروم من الصلاحيات حسن روحاني ، لا يمكن للحكومة الإيرانية أن توفر سوى مبلغ 150 ألف مليار تومان من أصل ا ميزانيتها البالغة 450 ألف مليار تومان. بحسب أقوال النائب فلاح پيشه، لقد انخفضت مبيعات النفط في البلاد إلى 20/1 مقارنة مع ما قبل العقوبات. وعلى إثر فرض العقوبات استشرى الفساد على نحو لم يسبق له مثيل مما اثر على أحوال الطبقات المسحوقة في المجتمع. ويشير رئيس الجمهورية إلى إن قرابة 60 مليون نسمة من نفوس البلاد هم بحاجة إلى معونة الدولة. ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود، والذي أدى إلى إندلاع احتجاجات واسعة النطاق في البلاد ، إلى زيادة التضخم بشكل كبير.

-استشراء الفساد في أم قرى المسلمين. وطبقاً لتصريح روحاني ، فقد تم غض النظر عن سرقات بلغت مليارات الدولارات لأشخاص مثل باباك زنجاني ومؤسسات أخرى. في الواقع هناك أيضاً اختلاس حكومة أحمدي نجاد لعدة مليارات من التومانات ، وقضية مؤسسة نجا التعاونية وملف اختلاس وإساءة تصرف قاليباف القائد السابق للقوات الجوية من الموارد المالية وأراضي في بلدية طهران التي طواها النسيان، واقتصر الأمر على محاكمة متهمين بسرقة بضع ملايين من التوامين من الجناح المعارض للسلطة القضائية. بالإضافة إلى ذلك ، يجب إضافة ظاهرة الريع التي مارسها المسؤولون كجزء من وباء الفساد.. فعلى سبيل المثال ، تحدث حميد زرآبادي النائب في مجلس الشورى الإسلامي عن شقيقة وزير الاتصالات السيدة ثناء أسديان، التي حصلت على مبلغ يعادل 2 مليار و 300 مليون تومان مقابل تعيين أقرباء لها خلال ثلاث سنوات.

-طرح مسألة تعدد الزوجات إلى جانب الزواج المؤقت (المتعة) ، الذي يعد وليد الثقافة الذكورية السائدة في نسيج نظام ولاية الفقيه، وتحويل المرأة إلى مجرد سلعة لارضاء الشهوات الجنسية للرجال وردود الأفعال على هذه الممارسات. يعتقد عالم الاجتماع الأصولي أبراهيم فياض أن “أثرياء قم يريدون أن يشيعوا ظاهرة تعدد الزوجات”. ويستشهد بتزايد الدعارة نتيجة لممارسة الرجال زواج المتعة، ويضيف: “اليوم نرى وقوف نساء يرتدين الحجاب الكامل في طوابير في أربعة أركان مدينة قم!” (أفتاب نيوز ، 6 نوفمبر 2019) بينما يتجه جزء من المجتمع من ذوي النزعات العلمانية والقومية إلى الزواج الأبيض (العيش سوية دون عقد زواج) أوالزواج “الآري” من خلال الاكتفاء بقراءة قصيدة لفريدون مشيري بدلاً من عقد الزواج. في هذا الصدد ، تم التعامل مع مكاتب عقود الزواج.

– في الحقيقة إن شكلية مجلس الشورى الإسلامي في الفترة التي تسبق انتخاب هذه الهيئة قد تسببت في ردود فعل لدى بعض النواب. بادئ ذي بدء ، إن شرط الموافقة على مشاريع القوانين في البرلمان يصبح ممكناً إذا كان يتماشى مع “رغبات” السلطة المطلقة لولي الفقيه. وهكذا تم إلغاء التصويت العاجل الذي فرض على ثلاثة مشاريع قوانين على رفع اسعار البنزين من قبل الإصلاحيين في البرلمان بعد الدعم المطلق الذي أبداه المرشد الأعلى على هذه القوانين! وحسب ما صرح به السيد مطهري ، إن الرقابة ومخاوف العديد من النواب من استبعادهم حسب تقارير الاستخبارات الخاصة بتدخل الحرس الثوري الإيراني قد أدى إلى أن يحل الإطراء والموافقة محل النقد للنظام والرقابة عليه. إن تجاوز مجلس الشورى الشكلي في الموافقة على سعر البنزين المقدم من قبل الرؤساء الثلاثة بدعم من ولي فقيه ، أدى بالسيدة ساحشوري ممثل طهران إلى المطالبة بإغلاق أبواب البرلمان!

– لقد اعترفت السيدة ماهرو زادة ، زوجة حداد عادل وأم عروس ولي فقيه أنها شاركت في كتابة أكثر من 30 كتاب مدرسي ولعب زوجها دوراً مهماً في مشاريع نظام التعليم في البلاد ، اعترفت أنها أنشأت مدرسة خاصة بسبب عدم وجود مدرسة مناسبة لتعليم طفلها. علماً أن الرسوم السنوية الدراسية لهذه المدرسة تبلغ 36 مليون تومان. وعلى هذا النحو أصبح التعليم في إيران طبقي. ومستوى التعليم في المدارس الحكومية سيئ للغاية مقارنة بالمدارس الخاصة. إن الشفتات الثلاثية في بعض المدارس ، واكتظاظ الطلاب ، والافتقار

إلى المعلمين هي من بين خصائص المدارس العامة في أم القرى الشيعية. ووفقًا لرئيس مؤسسة التجديد والتطوير في المدارس ، فهناك 136 ألف من الفصول تفتقد إلى المعايير القياسية (بما في ذلك تهالك المباني و وعدم قدرتها على مواجهة الزلازل واستخدام سخانات النفط والغاز) في إيران.

– إن أم القرى الشيعية هي أبرز نظام ينتهك حقوق الإنسان في العالم. ويغطي سجل انتهاكات الحكومة كل شيء، بدءاً من التمييز ضد المرأة والأقليات الدينية وقمع المعارضين وجرائم الحرب في سوريا والاغتيالات السياسية في الخارج وارتفاع عدد عمليات الإعدام وإلى زواج الأطفال التي أدينت من قبل المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة. ومنذ عام 1984، تم تعيين ستة مقررين لحقوق الإنسان من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لمراجعة وضع حقوق الإنسان في إيران منذ عام 2008. إن فشل الحكومة الإيرانية في التعاون مع هؤلاء المقررين أدى إلى استقالة المقرر الأول. ومنعت الحكومة الإيرانية بعض المقررين من دخول البلاد. وتم إدانة أم القرى ، وهي شيعية ، هذا العام جراء ثلاث تهم من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتهاكها حقوق الإنسان. كما يدين القرار أيضاً ذلك التمييز المستمر على نطاق واسع ضد النساء ، والاحتجاز التعسفي ، وظروف السجن القاسية ، واستمرار الإساءة المنظمة ضد الأقليات الدينية.

– لقد كشفت أحداث السنوات الخمس الماضية إفلاس الميليشيات الشيعية وفشلها في تحقيق أهدافها المقصودة. من بين حالات الإفلاس اضطهاد المعارضين والتمييز ضد النساء والأقليات والأزمة الاقتصادية والفساد على نطاق واسع والعنصرية وخدمات التعليم الطبقي. وتعد الاحتجاجات الواسعة الجارية في العراق ولبنان والاحتجاجات الدورية في ايران، بما في ذلك الاحتجاجات الاخيرة الواسعة النطاق ضد ارتفاع تكلفة البنزين في البلاد ، علامة على عدم الرضا عن أداء النظام الديني في إيران والعراق ولبنان. إن فصل الدين عن الدولة وارساء قواعد النظام الديمقراطيي غير الوراثي وغير الدائم وتبادل السلطة هو الشرط المسبق لتحرير شعوب هذه البلدان من سيطرة الأصوليين الإسلاميين وتدخلاتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إن قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 والصادر بتاريخ العشرين من تموز عام 1987، يدعو إلى انهاء الحرب العراقية الايرانية ، ولم توفق ايران على القرار إلاّ بعد يومين من صدوره، حيث أصدر الخميني بياناً بتجرع السم كتعبير عن الموافقة على إنهاء الحرب.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close