هل عرفنا قيمة الحياة حقا ؟ *

د. رضا العطار

قد يقال ان الحياة موجودة، وما علينا الا ان نتقبلها، بدليل اننا لم نطلب الوجود، بل وقد وجدنا انفسنا احياء على الرغم منا، دون ان يكون لأرادتنا دخل في ذلك! ولعل هذا ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي بسكال حينما قال : ( ابحرت بنا السفينة وليس في وسعنا سوى ان نمضي ! ) – – – فالوعي البشري لا ينفتح على الوجود الاّ لكي يجد نفسه منخرطا في سلك الحياة منجرفا في تيارها.

نحن لا نعرف من اين جئنا ؟ ولكننا نعرف ان الوجود هبة مجانية ! ومهما اختلفت ارائنا في الحكم على (قيمة) هذه (الهبة) فان من المؤكد ان الغالبية العظمى منا نتمسك باهداب الحياة ونرى في (الوجود) نعمة كبرى لا تعادلها نعمة اخرى. وربما كان هذا ما عناه الباحث – مالرو – حينما كتب يقول :

( ان الحياة لا تساوي شيئا ولكن لا يوجد شئ يساوي الحياة ) – – – صحيح ان ثمة اشخاصا ينتحرون ولكن المنتحر يعرف قيمة الحياة بل هو يعلق عليها من الاهمية اكثر مما تستحق : بدليل انه على استعداد للتنازل عن الحياة نفسها اذا لم تجيء كما يطلبها هو – – – فالمنتحر لا يتخلى عن الحياة الا لانه يحب الحياة اكثر من اللازم – – انه يفضل الموت على حياة لا تكون من الخصب والامتلاء بحيث تستحق ان تعاش !
لكننا نقول : ليس في الانتحار دليل على تفاهة الحياة بل ان فيه اعترافا ضمنيا بقيمة الحياة والا لما اقدم المنتحر على التخلص من الحياة لمجرد انها لم تحقق له كل ما يهدف اليه من (اسباب البقاء)

والحق ان الانسان العادي يشعر تماما بان الحياة تجري من تلقاء نفسها وانها تحمل في ذاتها مبررات وجودها. وقد نتساءل احيانا هل معنى (حياة) ذلك الانسان العاطل الذي يقضي كل وقته في الشمس، ولكن من المؤكد ان الدفء الذي يستشعره مثل هذا الانسان هو في حد ذاته كاف للاستمرار في البقاء!

والظاهر ان الحياة وحب الحياة يسيران دائما جنبا الى جنب. فان في تفتح الحواس للوجود الخارجي ما قد يبرر تعلق الانسان بالحياة وآية ذلك ان حواسنا التي تنفعل وتهتز وتدرك وتحمل الينا العديد من الشحنات الوجدانية، هي التي توثق صلتنا بالعالم الخارجي وهي التي تعمل في العادة على تحقيق (التناغم) بيننا وبين الواقع. وهذا هو السبب في ان الادراك الحسي كثيرا ما يستحيل لدى الانسان الى (ادراك جمالي) Aesthetical
وليس من شك في ان هذا الادراك الجمالي هو الاصل في تلك المتع البدائية التي يستشعرها الانسان ازاء الطبيعة. فالادراك الحسي اداة من ادوات التعلق بالحياة.

وهنا قد يعترض المرء ويقول : ولكن اذا كانت هذه هي سنة الحياة فما بال الكثيرين يتساءلون عن معنى الحياة ؟ وكانما هم لا يجدون لها طعما ولا يرون لها قيمة، وردنا :

ان التساؤل عن معنى الحياة كثيرا ما يقترن بعجز الانسان عن مقاومة بعض مصاعب الحياة. فالناس في العادة لا يشرعون في التساؤل عن معنى حياتهم اللهم الا حين تكون حياتهم قد فقدت تلقائيتها الطبيعية وبالتالي حينما يكونون قد فقدوا (مبررات) وجودهم.
واما حين تسير الحياة سيرها الطبيعي وحين يمارس الانسان نشاطه التلقائي العادي فانه قد لا يعي نفسه بالتساؤل عن معنى الحياة لانه يشعر عندئذ بان مجرد الاستمرار على قيد البقاء ما يجعل من الحياة قيمة سوية تحمل في ذاتها مبررات وجودها.

ولعل هذا هو السبب في ان بعض علماء النفس يعتقدون في مجرد تساؤل الانسان عن معنى حياته علامة من اعراض مرض نفسي، الا اللهم حين تكون حياته قد انحدرت نحو الهاوية – – – ففيلسوف القرن الحالي قد اصبح يدرك ان وجود الانسان لا يمكن ان ينفصل عن عملية تساؤله عن معنى وجوده فهو لا يجد حرجا من ان يطرح هذه المشكلة الوجودية بصورة واضحة صريحة، بدلا من ان يدع الانسان المعاصر نهبا لمشاعر القلق والخواء والضياع – – – ومن هنا يحسن بنا ان نحاول القاء بعض الاضواء على هذا الاشكال واثقين من ان الموجود البشري لا يثير مشكلة الا لانه هو نفسه ربيب (المعنى) ونصير (المعقول).

* مقتبس من كتاب فلسفة الحياة، د. زكريا ابراهيم – جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close