الروح العراقية بين بريقها وخفوتها

فارس حامد عبد الكريم

لم يعرف التاريخ البشري الأقدم والقديم مقاتلاً صلداً مثل المقاتل العراقي أبداً، ذلك المقاتل الفذ الذي عرف بأنه بطل ملحمي لايهاب الموت.

وهكذا أمتلأت المنحوتات الآثرية السومرية والأكدية والبابلية والأشورية بصور المقاتلين الأشاوس على ظهور العربات مندفعين للقتال وهم يحملون الرماح والدروع مرفوعي الرؤس لايهابون دولة أو ملكاً مهما علا شأنهما. وما ملحمة كلكامش الخالدة إلا هي اروع تعبير أدبي وفني عن الروح القتالية للعراقيين وللبحث عن العدالة والخلود للبشر.

كانت هذه الروح العسكرية العالية الهمة أساساً قوياً لبناء حضارات عظيمة مستقرة وآمنة يهابها الأعداء وينظرون اليها بعين الحقد والحسد والتربص بإنتظار اليوم الذي يمكنهم من الاستيلاء على هذه الممالك العظيمة،حتى قيل ان من حكم بابل فقد حكم الجهات الأربعة.

وكانت القبائل العابرة للصحراء في هبوط وديانها وارتفاعها ينظرون الى أرض العراق من عمق صحاريهم المجدبة وكأنهم أمام غمامة سوداء تغطي سمائه ولذلك اطلقوا عليه تسمية (أرض السواد)، وما السواد إلا هو البساتين العامرة بالخير الوفير من النخيل العراقية الباسقة والاشجار المثمرة الحبلى بالخيرات التي رواها نهرا دجلة والفرات الخالدين …..

ويبدو ان اعداء العراق التاريخين قد تمكنوا لاحقاً من اسقاط الامبراطوريات العظيمة لأسباب تاريخية عديدة، خاصة وان الروح الحضرية والترف قد ترسخت في حياة ابناء العراق.

وطالما لجأ اولئك المحتلين لزج وتجنيدابناء العراق في مقدمات حروبهم مما أوقع أكبر الضحايا في صفوف ابناءالرافدين عبر تاريخ طويل من العهود المظلمة المتعاقبة.

ويخيل لي إن اول حاكم عراقي فعلي حكم العراق العراق بعد سقوط الدولة البابلية هو الزعيم عبد الكريم قاسم اي حوالي بعد مرور حوالي اكثر من الفي سنة وربما أكثر.

على أية حال لايمكن حتى أن تتصور خيالاً حجم الأهوال والمجازر الرهيبة التي حلت بشعب العراق بعد توالي الهجمات البربرية التي امتدت لألاف من السنين، كانوا حكاماً وشعوباً في منتهى الهمجية يدخلون العراق ويقتلون العراقيين بدم بارد، من قاتلهم او من لم يقاتلهم،استسلم اليهم ام لم يستسلم.

إلا ان التاريخ أعاد للعراق شيئا من بهجته للعراقيين خلال فترة حكم العباسيين القريشين، وان أمتازت اغلب عهوده بالحروب الخارجية والداخلية وحكم القوة إلا أنهم وبمعونة ابناء العراق تمكنوا من بناء حضارة عظيمة لاتضاهى وأزدهرت العلوم الطبية والفيزيائية والآداب وخطت الألالف من المخطوطات العلمية والتاريخية وازهرت الترجمة ونقلت علوم الأغريق فأصبحت للعراقيين ثقافاة منوعة لاتضاهى واضحت بغداد مقصداً لكل طالب علم ومعرفة.

ولكن المأساة كانت بانتظارهم على الابواب هذه المرة ايضاً، بسبب الإنغماس في الترف، فبعد سقوط الدولة العباسية ودخول المغول الى بغداد تحول العراق الى مجزرة قتل ودم رهيبة.

وكانت تلك الأقوام البربرية تقتل كل من يصادفها من العراقيين وعوائلهم وأطفالهم بدم بارد دون ادنى رحمة حتى عدت القتلى بعشرات الألوف، وحرقت المشاهد الحضارية العظيمة وهدمت المدارس والقي بالمكتبات العامرة بالمخطوطات النفيسة في نهر دجلة حتى قيل ان لون النهر اصبح أزرقاً من لون مداد حبر تلك النفائس، وكانت جدتي لأمي رحمها الله تروي لنا ذلك كحكايات تناقلها الأحفاد عن الأجداد.

وبعد ذلك توالت الغزوات من كل حدب وصوب من قبائل سميت دولها حتى باسماء الخرفان مثل دولة الخروف الأسود ودولة الخروف الابيض …

ومن ذلك التاريخ الشاحب وبعده بدأت حرب معنوية من نوع أخر ، اذ لكي يتمكن اولئك الحكام من حكم العراق بأريحية والتمتع بخيراته الوفيرة دون إزعاج من ثورات عراقية تنشب هنا وهناك وخاصة من ابناء القبائل فابتدعوا سياسة (فرق تسد)! فكيف بدأوها لجأوا الى حيل ماكرة اذ كانوا يصرحون أمام العلماء والعامة انهم يريدون المفاضلة بين المذاهب واختيار إحداها ليطبق لوحده دون من دون منازع أحكامه الشرعية في العراق .

فلجأوا بكل خبث الى دعوة رموز المذاهب الإسلامية الى مناظرات عامة في مجالسهم وأمام العامة من الناس وحتى في الأسواق العامة ….وكان أنصار كل مذهب في حماس شديد وتربص للنتيجة( وكأنهم في ملعب كرة قدم حاسمة في عالم اليوم) آملين ان يفوز شيخ مذهبهم بالمناظرة ومن ثم يعتمد مذهبهم لحكم العبادات والمعاملات والقضاء الشرعي في البلاد … ومن هنا انطلقت مسيرة النزاعات الطائفية لتبث سمومها بين العراقيين كلما غزاهم غاز أو محتل.

ولاحاجة لنا ان نفصل فما حصل بين ابناء العراق من إقتتال طائفي بعد الغزو الامريكي للعراق، فتركوا الامريكان يسرحون ويمرحون في الغالب بينما يقتل العراقي اخيه العراقي بدم بارد دون استثناء لأحد.

فما أحرانا اليوم ان نستقرأ من هذه العبر التاريخية النادرة في التاريخ البشىري دروس لبناء عراق ذو سيادة مستقل موحد قوي تزدهر فيه الحرة الكريمة وتنير العدالة دروبه وتتحق أمال العراقيين في وطن طالما علم الدنيا معنى الحضارات والعلم والمعرفة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close