المضحك المبكي الحلم الشيوعي

فارس حامد عبد الكريم
جانب من الحياة الأسرية في بغداد مطلع سبعينيات القرن الماضي
في أحد الأعياد في بداية سبعينيات القرن الماضي اصطحبنا والدي من الحلة الى بغداد لقضاء أيام العيد عند بيت جدي لأمي المرحوم حميد عجينة.
وكانت الدار الكبيرة المزخرفة بالشنشايل تقع في الصالحية قريباً من دار الإذاعة والتلفزيون. وفي أول زقاق من الشارع المؤدي للسفارة البريطانية.
وفي صباح يوم العيد هيأتني والدتي رحمها الله لتقديم التهاني بمناسبة العيد السعيد الى الحاج المرحوم محمد جواد عجينة وهي مابرحت توصي بي: فارس انت صرت كبير، كان عمري حينها ربما عشر سنوات، اجلس مثل الكبار ولاتتحدث فقط انصت.
قبلت التوصيات بهزات رأس متوالية ..
اطلت احدى خالاتي من اعلى شرفة المنزل المفتوحة على الصالون الارضي.. وقالت: باوعني فارس، ثم اردفت: وانا ارفع رأسي للأعلى. تمام طالع كشخة … توكل على الله تره بعدين متلقى مكان الحجي ضيوفه كثيرين.
فتحت والدتي الباب الذي يربط دارهم بدار عمها الحجي ومدت رأسها وسألت أحد عمال الخدمة: كعد الحجي؟
أجاب: نعم قبل نصف ساعة.
قالت: خذه حتى يعايد جده.
الحاج محمد جواد عجينة من الشخصيات الفذة المهيبة الجانب وكان على قدر كبير من العلم والمعرفة وكان يمتلك في داره في بغداد او النجف مكتبات عامرة وساهم بشكل كبير في طبع المؤلفات العلمية على حسابه الخاص، فضلأ عن تاريخه المشرف بدعم ثورة العشرين هو أخيه جدي حميد عجينة حتى اني قرأت في العديد من المؤلفات عن هذه الثورة أنه وجدي حميد عجينةى قدتم تكليفهم برئاسة اللجنة المالية للثورة وقرأت عدة وثائق تشير الى ذلك، نظر لحجم الدعم المالي الكبير لهذه الثور الذي قدموه من خالص اموالهم.
وكان يزوه دائماً في مجلسه كبار علماء الشيعة والسنة فضلاً عن كبار الأدباء والشعراء وكان شخصاً بالغ الكرم حيث عدت العوائل التي خصص لها راتباً شهريا ب 600 عائلة، ولم تعلم حتى عائلته بذلك الا بعد وفاته والإطلاع على سجلاته.
على أية حال: دخلت المجلس وتقدمت للحجي لمعايدته فقبلني وسألني عن والدي قلت: سيأتي اليوم لمعايدتك.
كان المجلس عامرأ بالضيوف وحينما حضر عدد أخر من الضيوف. ابلغني مضيف الجلسة بأدب أن انتقل للصف الخلفي من اماكن الجلوس. قال ضيوف غرباء وانت من أهل البيت.
كان من بين الحضور كما اتصور أبن أخيه القيادي الشيوعي العراقي البارز د. رحيم عجينة ، واعتقد أنه كان قادماً للعراق من فرنسا بعد غياب طويل.
وجرى الحديث بينهم كالأتي:
قال الحاج محمد جواد مخاطبأ د. رحيم: د. انت والدك يملك نصف النجف وعقارات داخل العراق وخارجه، واهلك واقاربك كلهم اثرياء، اريد اعرف كيف اصبحت شيوعيأ؟ في ليلة وضحاها في فرنسا.
أجاب: حجي هذه لاعلاقة لها اذ كان انجلز رفيق ماركس من كبار الأثرياء الألمان. ولكننا نسعى لتحقيق هدف محدد هو تحقيق المساواة و…
رد الحاج: وكيف ستحققون الهدف، هل بإنزال الاثرياء العراقيين الى مستوى الفقراء مثلأ.
قال ممكن ذلك ابتداءاً من خلال التأميمات وتشغيله من قبل القوى العاملة.
قال الحاج: وماذا يستفاد الفقراء اذا صادرتم اموال الأثرياء.
أجاب: سيشعرون بالمساواة في مجتمع لحين ان تستكمل مسيرة الاعمار:
قال الحاج: طيب لماذا لاتعملون على رفع مستوى الفقراء الى مستوى قريب من حياة الاثرياء، العراق بلد غني ابنوا لهم دور جيدة مستشفيات نظيفة مدارس راقية وعندها يشعرون فعلأ بالمساواة.
انا طبعا رغم وصية أمي ضحكت مديت عنقي من وراء الصف الثاني وقلت: والله صحيح جدو.
انتبه الي الدكتور وأمال رأسه قليلاً قائلاً مع إبتسامة: انت منو يابه؟
رد الحاج: هذا فارس ابن بنت عمك المرحوم حميد عجينة.
رد: نعم ابو حاكم في الحلة كما أعلم. ثم سألني عن والدي فأجبته.
في هذه الاثناء وفد عدد آخر من الضيوف. فأستئذنت للخروج:
فأشر الحجي لأحد مضيفي الجلسة وهمس بإذنه.
فسلمني المضيف عند الباب عيديتي، وكانت خمسة دنانير حمراء جديدة أستوه طالعة من البنك كأنها الجريدة.
هاي طبعاً وقت كان الربع دينار ينحلف بي.
القصة للطرافة ولاتتعلق بتقييم مبدأ معين وانما رغبت ان أصل لأحبتي ماكان يدور في مجالس ذلك الزمان من نقاش وجدل.
الشيء بالشيء يذكر:
في جلسة في مجلس النواب وكنت في زيارة عمل صدف ان جلس الى جانبي في مقر اللجنة الدكتور المرحوم أحمد الجلبي وبعد التعارف قال له أحد الجالسين اتعرفه. قال عرفت بانه نائب رئيس هيئة النزاهة.
نعم ولكن خاله كان احد اصدقائك المقربين.
قال المرحوم الجلبي وقد التفت الي: منو ؟
قلت : انه د.رحيم عجينة.
وأردفت قائلاً: هو ابن عم والدتي شق المنشار، وابتسمت له؟
أجاب الجلبي:اي يعني خالك قالها وهو يتأملني وشعرت ان وجهه أكتسى بسحنة حزن ربما بسبب عشرة طويلة مع خالي .
قال:تعرف من توفى خالك اني دفنته بهاي ايدي.
قلت:لا
قال: وتعرف وين دفنته.
قلت: لا والله.
قال دفنته تماماً الى جانب قبر كارل ماركس.

.فارس حامد عبد الكريم ـ النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة العراقية
ماجستير في القانون ـ باحث في الشؤون القانونية والإجتماعية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close