هل يكون الشر وثيق الصلة بطبيعة تكويننا ؟ *

د. رضا العطار

لما كان (الشر) حليف التشتت والتفكك والانقسام، فهل يمكن ان نحدد مركز الشر في حياتنا الشخصية بان نقول انه يشير دائما الى ضرب من (التمرد على الوحدة) ؟
ان كل الشواهد قائمة على ان لدى الموجود البشري حنينا مستمرا الى الوحدة الاصلية والسكينة المطلقة، لكن التجربة تمدنا باسباب التصدع والتمزق مما يشيع في حياتنا النفسية ضربا من التفكك والانقسام. وقد لاحظ بعض الفلاسفة ان هذا الانقسام الذي يهدد باستمرار وحدتنا النفسية ليس عرضا دخيلا على وجودنا بل هو حقيقة اصلية لا سبيل الى القضاء عليها نهائيا.

ان السر في ذلك يكمن في تركيب الانسان نفسه بوصفه نفسا وبدنا. فان هذا التركيب يجعل من الانسان موجودا هجينا يحمل بين جنبيه عنصرين متعارضين هيهات له ان يحقق بينهما اي ضرب من ضروب التآلف والانسجام ! ولو وقف الامر عند هذا الحد لهان الخطب ولكننا ايضا موجودات متناهية تحيا في المكان والزمان. ومثل هذا (الوجود المكاني – الزماني ) لا بد بالضرورة من ان يمزق وحدتنا ويجزئ نشاطنا مما يؤدي بنا دائما الى الانقسام على انفسنا. وتبعا لذلك فقد يبدو (الشر) فيما يقول المفكرون وثيق الصلة بطبيعة تكويننا.

يقول الفيلسوف الشهير ديكارت : ان الفعل الذي يصدر عن (كراهة الشر لا يمكن ان يكون فعلا جليلا او نبيلا – فالحياة الاخلاقية الصحيحة في جوهرها هي – ارادة خيرة – لا تقوم الا على (المشاعر) – – – فليس من المفروض ان نقتصر في التعلق بما يحمل الفرد من فيمة اخلاقية اعلى، بل انها شعاع يستأثر به اي موضوع كائنا ما كان.

ان البعض لينسب الى الشر طابعا محددا تحديدا مطلقا وكأنما هو وجود مستقل قائم بذاته، ونحن نعرف كيف جعلت (المانوية الاخلاقية) من الخير والشر موجودين مستقلين يتصارعان وجها لوجه في نطاق كل حياة شخصية – بيد ان الواقع ان موقف كل من (الخير) و (الشر) لا يمثل موقفا متساويا يتعادل مع موقف الطرف الاخر (تعادلا مطلقا) ولعل هذا ما عناه الفيلسوف الفرنسي لافل حينما كتب يقول اننا لا نكاد نستطيع ان نحدد الشر تحديدا ايجابيا وذلك لانه ليس يكفي ان نقول ان الشر يندرج تحت حقيقة مزدوجة طرفها الاخر هو (الخير) بل لا بد ايضا من ان نقول انه لمن المستحيل ان نسمي الشر دون ان نثير في الاذهان فكرة (الخير) على اعتبار ان الشر هو منه بمثابة سلب او نفي او حرمان privation

وليس معنى هذا اننا ننكر (وجود) الشر او اننا نقول مع بعض مفكري العصور الوسطى بانه يبدو لنا دائما بصورة الواجهة الاخرى لتجربة اصلية او لخبرة اولية.

• مقتبس من كتاب فلسفة مشكلة الحياة لزكريا ابراهيم – جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close