اصلاح النظام وتعديل الدستور لانهاء المحاصصة وتقوية الدولة

د. محمد سعيد الشكرجي

باحث أكاديمي وسفير سابق

كتبت هذه الورقة بصفتي مختص في العلوم السياسية وأستاذ وخبير سابق في القانون الدستوري في كلية القانون، جامعة السليمانية، ضمن برنامج للأمم المتحدة. سأنشرها هنا بثلاثة أجزاء، 1/ إشكالات النظام السياسي الحالي 2/ التعديلات الجذرية التي أقترحها لوضع الدستور على السكة الصحيحة، في نظري. 3/ مقترح تبني دستور جديد في حال عدم نجاح التعديلات الجذرية المطلوبة… كل الأجزاء مهمة ولكن أتمنى الاطلاع عليها كاملة..

بعد التدنّي الخطير لنسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة، تؤكد الانتفاضة الشبابية الحالية على حاجة العراق الى اجراء إصلاحات كبرى في مختلف المجالات. لكن مهما كانت أهمية الإصلاحات، فان مصيرها يعتمد أولاً على أداء البرلمان لواجباته التشريعية والرقابية وحسن تنفيذها من قبل الأجهزة الحكومية ونزاهة السلطة القضائية. لذلك تهتم هذه الورقة بالنظام السياسي وبتعديل الدستور معاً، أي بأزمة النظام وتأثير المحاصصة والفساد الذي تسببت به. ورغم صياغته القانونية، ينبغي النظر الى الدستور باعتباره وثيقة سياسية تسمى أحياناً قانون القوانين، لكونها بمثابة عقد اجتماعي مؤسس للدولة، أو لمرحلة من حياتها، تستمد منه القوانين شرعيتها. لذلك نتوقع من لجنة اعداد الدستور أن تضم خبراء في مسائل البناء الدستوري للدولة في مجالات القانون والسياسة وأيضاً في الاجتماع والاقتصاد، وأن تستشير أصحاب الخبرة في مجالات عديدة. وينبغي التذكير هنا أنه إذا كانت القوانين تهدف الى تنظيم المجتمع في مجالات محددة، فان الدستور يُلبّي الحاجة الى إنشاء دولة وتأمين عملها على أسس سليمة، ويمكن تشبيه كتابته بعمل الهندسة المعمارية لترابط عناصر الدولة ببعضها البعض في عملها وفي تأثيرها على حسن الأداء وتحقيق الاستقرار السياسي. نرجو أن تساهم هذه الورقة(1) في اغناء النقاش والمساهمة في حل الأزمة السياسية والاجتماعية الراهنة.

1/ إشكالات النظام السياسي العراقي

الاشكال الكبير: إضافة الى ما احتواه دستور 2005 من خلل في الشكل والمحتوى، تكمن المشكلة الكبرى للدستور والنظام السياسي في العراق في ضعف الوعي الديمقراطي للفئات الحاكمة وانشغال كل منها بتقوية حصتها في السلطة وامتيازاتها فأساءت تطبيق الدستور وفاقمت من ضرر ثغراته ومواقع الخلل فيه. وهكذا أفشلت التوافقية ومحاصصتها مهمة وضع الدولة على السكة وتقوية أسسها الديمقراطية التي تحمي الانسان وتؤمّن، في نفس الوقت، حقّه في الحياة الكريمة وتسببت كذلك في تراجع الفكر الديمقراطي في المجتمع، بل

والى “إعادة تأهيل” الدكتاتورية لدى الكثيرين! ومع غياب الثقافة الوطنية وغلبة الهويات الفرعية أدى هذا الوضع الى ازدياد ضعف البلد أمام التدخلات الخارجية.

بهدف تحسين أداء النظام السياسي الحالي، نوجز أهم إشكالات النظام الحالي:

1/ اختلاط الأنظمة والمفاهيم: قدم الدستور نظاماً قائماً على الخلط بين الأنظمة، اذ تبنى النظام البرلماني (المادة 1)، القائم على التوازن بين رئيس الحكومة والبرلمان مع رئيس دولة بصلاحيات رمزية. لكنه اقترب من النظام الرئاسي بمنح رئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذية واعتبره مشاركاً في السلطة التنفيذية (المادة 66)، وأخضعه للمساءلة أمام البرلمان دون إمكانية اعفائه الا في حالات نادرة وبعد ادانته من قبل المحكمة الاتحادية (المادة 61- سادساً أ و ب). كذلك اقتبس من نظام الجمعية إمكانية مجلس النواب اقالة رئيس الوزراء دون تمكن الأخير من حل المجلس في المقابل (المادة 61- ثامنا- ب 3 والمادة 64- أولاً). فنحن اذن بصدد نظام سياسي هجين.

/2/ الحكومة الضعيفة: بناء على ما تقدم، يبدو لنا ان قادة الكتل السياسية كانوا متفقين، عند كتابة الدستور، على محاصصة مناصب الدولة فيما بينهم تحت ذريعة التوافق وأهم مؤشر الى ذلك اضعاف الحكومة لصالح التوازن بين الكتل السياسية “ممثلة المكونات”. اذ لم يكتف بإخضاع رئيسها لضغوط الكتل الممثلة في مجلس النواب، بل منح رئيس الجمهورية حق تقديم طلب بسحب الثقة منه الى مجلس النواب (المادة 61- ثامناً ب- 1).

3/ دولة اتحادية بلا مجلس اتحادي! رغم تأكيد الدستور على أن الدولة اتحادية (المادة 1)، ترك مهمة تأسيس مجلس الاتحاد الممثل للمناطق الى سلطة أدنى، أي مجلس النواب (المادة 65). يشكل هذا الفراغ “خطأ دستورياً فاضحاً”، لا زلنا نعاني من تبعاته منذ 14 عاماً! حيث اقترن هذا الاجراء بتخبط الدستور فيما يخص العلاقة بين المركز الفيدرالي والمناطق، كما سنرى، وهو ما مهّد لتدهور علاقة المركز بالإقليم وبالمحافظات أيضاً، بحيث يمكن القول ان النظام الفيدرالي العراقي اليوم أصبح أقرب الى كونفدرالية مضطربة ومتصارعة.

4/ المحاصصة والوحدة الوطنية :رغم أن الدستور عامل العراقيين كمواطنين وحسب، الا أنه مهّد للمحاصصة، كما بينا، مما أدى الى اقصاء أبناء المكونات الصغيرة العدد من المواقع العليا في الدولة والى انتاج ظواهر أخرى، نوجزها كما يلي:

أ/ اضعاف أكبر للحكومة ولمؤسسات الدولة، وتقوية الفساد بفعل تواطؤ الكتل، مع بعضها البعض، على حماية ممثليها في الحكومة وفي مجلس النواب.

ب/ انتاج طبقة سياسية “طفيلية” من مختلف الكتل والأحزاب المتحاصصة بفعل استمرار تشارك أفرادها في امتيازات السلطة ومعها الامتيازات، الخ.

ب/ ساهم أفراد هذه الطبقة في ضرب النظام الديمقراطي في أهم مفاصله، كالفصل بين السلطات بفعل تسلطهم على السلطتين التشريعية والتنفيذية معاً وقاعدة التناوب على الحكم التي أفرغها القادة السياسيون من محتواها بسبب استمرارهم في مواقعهم عموماً.

ج/ نشر جوّ التنازع بين أطياف المجتمع العراقي من خلال تنازعهم على السلطة كممثلين للمكونات، وما أنتجه ذلك من تهديد لوحدة البلاد ومن تنامي التطرف والإرهاب….

5/ فوضى الشرعية النيابية بفعل المبالغة في الامتيازات المادية والتغّيب والانسحابات لضرب النصاب والتصريحات المختلفة، داخل وخارج مجلس النواب، دون رقيب بحجة الحصانة وتحكم رؤساء الكتل بتصويت النواب العلني، رغم وجود أجهزة التصويت السري، إضافة الى تأثيرهم على الحكومة من خلال “وزرائهم ووكلائهم”، الخ.

6/ الفهم الخاطئ لاستقلالية القضاء: تبنى الدستور مفهوماً مثالياً عن الاستقلالية المطلقة للسلطة القضائية، اذ منعت (المادة 88) أي تدخل “في القضاء وشؤون العدالة”، بينما لا يعني مبدأ الفصل بين السلطات فصلها فعلاً بل التنسيق بينها مع قدرة كل منها على منع التدخل في اختصاصاتها الحصرية(2). لذلك يصح منع التدخل في القضاء، لكن أداء السلطة القضائية، كجهاز، يخضع للمحاسبة من قبل السلطات الأخرى. في الواقع، لم تمنع هذه المثالية محاولات التأثير على أحكام القضاء وضللت الرأي العام حول حقيقة دور الحكومة في تسيير عمل السلطة القضائية في تأهيل القضاة وإدارة السجون وغير ذلك. وللمقارنة نذكر أن دستور الولايات المتحدة منح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين قضاة المحكمة العليا بالتنسيق مع السلطة التشريعية التي تؤسس المحاكم الأخرى وتلغيها. أما الدستور الفرنسي 1958، فقد وضع رئيس الجمهورية على رأس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل نائباً له! وبرر فقهاء الدستور ذلك بضرورة منع ظواهر “تسلط القضاء”(3). استمر هذا الوضع قبل تهيؤ الظروف لتعديل هذه المادة، بعد خمسين سنة من تطبيقها.

من جهة أخرى، لم يذكر الدستور العراقي دور النيابة العامة (الادعاء العام)، الا بشكل عابر. وربما ساهم ذلك بشكل عام في ضعف عمل الادعاء العام ودوره في ملاحقة المسيئين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close