رسالة الى محور المقاومة

علي الابراهيمي

الشعب العراقي عاش فترة سياسية وامنية واجتماعية صعبة جدا , بتسلّط مجموعة من الكتل الحزبية التي تعبد اصنامها وتريد منه طاعتهم . وبعد ستة عشر عاماً من العبث الأمريكي في العراق وتحريك الدمى السياسية نهض الشعب العراقي ضد رموز الفساد , ومطالباً بحياة حرة كريمة , عبر الاليات والوسائل الدستورية . رافضاً كل التدخلات الأجنبية في بلده . فلقد اثبتت التجربة ان التدخلات الإقليمية افشلت قيام دولة عراقية قوية عزيزة .ولم يلتفت الشباب العراقي الى من يقف خلف هذه التظاهرات , ان كانت أمريكا او البعثيون . فالشباب خرجت تريد حقوقا , لا اجندات . وقد صادف كل ذلك مع اول صعود سياسي لفصائل المقاومة الى السلطة . وقد كان صعوداً خاطئاً لم يكن ليصح لمن خبر المواقف في ظل منظومة سياسية فاسدة . الامر الذي جعل الحشد الشعبي في مواجهة الشعب , وأوقعه في الفخ , لا لشيء الا لسوء التخطيط ونهم السلطة . ولولا حسن التدبير والنصيحة من البعض الحريصين على فصائل الحشد الشعبي من خلال ضمه الى سلطان الدولة العراقية واستشرافهم المستقبل ومطالبتهم بصياغة وضع قانوني له لقُتلت فصائله في الشوارع من الجاهل والعالم , بعلم او بغير قصد , او نعيقاً مع كل ناعق , لأن قادته لا يملكون رؤية ولا عقيدة بروح علي بن ابي طالب , وارادوا السلطان قبل الايمان .
فلا زال قادته يعيشون هاجس المؤامرة الامريكية في تحريك الجماهير العراقية . وربما كان ذلك , ولنقل انه حق , لكن هل تستطيع دولة تحريك شعب غير مظلوم . هذا السؤال الذي لم يسأله هؤلاء القادة لأنفسهم .
اما الجمهورية الإسلامية في ايران فكانت مشكلتها انها تبني رؤاها على المعلومات الأمنية ونصائح الفصائل التي لا تجيد من المقال الا القتال . مما ورط الجمهورية الإسلامية في مزالق سياسية خطيرة , وتسبب في دفع الدماء العراقية والإيرانية ثمناً للتعلم . بل احياناً تعمد هذه الفصائل في فتح ثغرات للعدو من اجل ان تحقق مكاسب اكبر .
بينما يعتمد العدو الأمريكي على الدراسات الحديثة ووسائل التقنية في التواجد على الأرض . وصار يجيد فن التعامل مع الناس والسياسيين العراقيين , بل وحتى فصائل المقاومة العراقية , دون ان يدفع شيئاً يذكر . فهو يراهن على غباء القادة العراقيين .
وفي اول تصادم مع الشعب وفي ظل هاجس المؤامرة دخلت بعض فصائل المقاومة في مواجهات تصفية حسابات واثبات وجود ورسم العضلات . الامر الذي افقدهم الدعم الشعبي . غافلين عن انهم انما يدافعون عن نظام فاسد انتجه العدو الأمريكي . وقد نسوا الله فأنساهم أنفسهم . ومن اجل مقرات خسروها بعد ذلك خسروا الكاريزما التي اوجدتها مرحلة دحر داعش . وغالباً ما أقول ان رجال الميدان ليسوا بالضرورة اهلاً للسلطان . فالجميع يجيد حمل السلاح , لكن ليس الجميع يجيد حمل العقل . فأصبحوا كأصحاب القرية التي جاءها المرسلون , يخوّنون كل ناصح , حتى جاءهم العذاب . وقد زينت اوهامهم حب الدنيا وجعلتهم لا يفهمون ما هو على الأرض . فأين رجالهم ولماذا يتركون ساحات التظاهر لاصحاب الموجات تركبها , ولماذا يقطعون الانترنت , اين رجالاتهم . وكيف سيقيمون دولة الحق وهم ليسوا اهلاً للمواجهة . بل ان من يدافع عن المحور الإسلامي اليوم لا علاقة له بهم , واصبح من يدافع عن ايران من كان ينتقدها حرصاً على التشيع سابقا .
ان المؤامرة الامريكية فشلت يوم انكشف ذلك الضابط العسكري الذي تعاون معهم , والامريكان اليوم يحاولون ركوب الموجة الشعبية العراقية , من خلال الاستعانة ببقايا البعث وعملاء السفارات .
وفصائل المقاومة اختارت ان تكون الى جانب السلطة بغباء ورعونة وتأثير نظرية المؤامرة . ان مشكلة هذه الفصائل ليست في سوء فهم الناس فقط , بل في فهمهم أيضا . فقادة هذه الكتل يخشون ان تتم ازاحتهم عن السلطة استجابة لقرار الشعب العراقي بشطب هذه المنظومة . فيزداد تمسك هؤلاء القادة بالماضي حرصاً على وجوههم لا سلامة الإسلام .
ونصيحتي لفصائل المقاومة كشف الذمم المالية وحماية المتظاهرين وقيادة حركتهم لإسقاط النظام الفاسد وازاحة البعثيين واذناب أمريكا من ظاهرة الانتفاضة والسمو بمطالب الناس , وعسكرياً البقاء في الميدان ضد الإرهاب . وبدل ان تركب أمريكا الموجة اركبوها انتم . واستنقاذاً للوطن من فوضى وتردد وتقلبات سائرون وغيرها من اتباع مقتدى الصدر فلتكن رجالكم في الساحة .
اما الجمهورية الإسلامية , التي نسأل الله ان يفرج عنها , فعليها ان تقرأ العراق من منظور جديد , يستند الى علم الاجتماع , لا الى المعلومات الأمنية , وان تتكلم الى الشباب بما يفهمون , لا بما تفهم هي , وان تصنع الناس قبل صناعة الدولة . فنحن نعلم حجم التضحيات التي تقدمها الجمهورية الإسلامية من اجل قضيتها . لكنها أخطأت سابقاً في مصر ودعمت نظام الاخوان الذي جاء به الامريكان الذين كانوا في تلك الفترة يدعمون اغلب التيارات الإسلامية المتعطشة الى السلطة وغير الواعية في نفس الوقت . كما دعمت دكتاتور سوريا من منطلقاتها الأمنية , فيما هو لا يختلف عن أي زعيم عربي سوى في رفضه لإسرائيل التي نجحت في اختراق بلده بسبب جوع شعبه .
ان الامريكان يراهنون على وجود السياسيين الفاسدين , ومتى ما وجد هؤلاء الفاسدون ان الجمهورية الإسلامية بعيدة عنهم سيلجؤون الى أمريكا , متى ما بدا لهم خلاف ما أرادوا من الغي والفساد , ولو نهوا لعادوا , فشياطين الانس والجن بعضهم أولياء بعض .
ان العراق هو العمق الاستراتيجي لإيران وبالعكس , شاء من شاء وابى من ابى , وليس هذا بجديد بل هي حقيقة تاريخية أراد البعث العفلقي اطفاءها بالكذب والافتراء . لذلك يجب ان يفهم احدهما الاخر , وان يقترب احدهما من الاخر , لا بالوصاية , بل بالاختلاط . فشعباهما عريقان يواليان الإسلام . لكن على ايران الخروج من عباءة الخراساني ( في الروايات ) , الذي رغم حرصه على نصرة الامام الا انه ينطلق بأدوات دنيوية , وكأنه في حرصه على منافسة السفياني احرص منه على نصرة الامام الذي كُلّف بنصره . وهذه السياسة الدنيوية جعلته يحمل راية ليست اهدى الرايات .
ان في العراق وجوهاً دينية كبيرة مشتركة في الفساد لا تريد الخير للجمهورية الإسلامية , وتمنع ايران من رؤية الحقائق , حرصاً على عرشها , تذكرنا بما كانت عليه المرجعيات عند قيام ثورة العشرين فاقدة لمشروع منظم وباحثة عن سلامتها الشخصية , فيما يقدسها بعض الإيرانيين . وهذه المرجعيات تريد ديمومة العبث والفوضى القائمة في العراق استمراراً لمصالح منظومتها . ولم تنجح الجمهورية الإسلامية في تطويقها .
ان الامريكان – من خلال الدراسات الطويلة – فهموا المنظومات القائمة في العراق , وهم لا يلعبون على طاعة من يواليهم , بل على غباء القادة المناوئين لهم .
لقد ركزت الجمهورية الإسلامية على تأسيس مفهوم ولاية الفقيه في العقل العربي , وحاولت اختراق الساحة العراقية به , غافلة عن انفة المجتمع العراقي وامتداده الى عصر الائمة عليهم السلام , الامر الذي يجعله اقرب الناس الى هذا المفهوم مع رفضه لوصاية الاخرين . فكان احرى بها ان تدعم من يؤمن بولاية الفقيه من المراجع العراقيين لا ان تسلب قاعدتهم , الذي ستظل محدودة بسبب رفض الشعوب الوصاية عليها . لكنّ حرص الجمهورية الإسلامية على فرسنة هذه المؤسسة – وان كانت بنوايا حسنة – افقدها القدرة على الاستمرار , واخرج هذا المفهوم عن فائدته , وابقاه محدوداً اسيرا .
فيما حرص الاعلاميون الولائيون في العراق على أيرنة وسائلهم لبيان حرصهم على الجمهورية الإسلامية , حتى انقلب الامر الى ضده . لا سيما مع ارتباط وسائل الاعلام تلك باحزاب ومؤسسات السلطة . لكنهم كانوا حريصين على معاشهم احرص منهم على الإسلام . فنصروا كل مشروع غبي لتلك الفصائل , حتى صاروا كذلك الجمّال الذي يتمنى بقاء هارون حتى يأخذ كراء جماله .
لم تنجح الجمهورية الإسلامية في الانفتاح على الشعوب العربية , بسبب الحملة الكبيرة ضدها , واصرارها على ان تظل قائدة . فيما نجحت الولايات المتحدة بالدخول لعقل الشاب العربي بعد ان افقدته مقومات التفكير . وفقدت الجمهورية الإسلامية قدرتها على المطاولة بسبب كمية السياسة في برنامجها , الامر الذي افقدها القدرة على المناورة .
وقد صنعت القوى الناعمة الامريكية جيلاً جديدً في العالم العربي لا يؤمن كلياً بالقضايا القديمة . فيما لا زالت الجمهورية الإسلامية تتحرك بوسائل الثمانينات .
ولهذا كله فشلت الجمهورية الإسلامية في الانفتاح على الشعب العراقي بالشكل الذي يحفظ الاخوة المتكافئة , ولم تستطع ان تندمج تجارياً معه الا من طرف واحد قصير المدى منبهر بما انجزه من أرباح .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close