تعديل أحكام الدستور النافذ ذات الصلة المباشرة بنظام إدارة الموارد النفطية الوطنية

أ. د. جواد كاظم لفته الكعبي

المقدمة:

لقد أفضى التراكم الكمي الكبير والواسع النطاق لمظاهر الفساد المالي والإداري والسياسي والفكري في إدارة الدولة والاقتصاد، الموروث من الحقبة السياسية الشمولية للفترة 1968-2003 وما بعدها من سنوات لغاية يومنا الحاضر، إلى تحوّل نوعي في وعي غالبية الناس تجاه مُسببات هذه المظاهر، ومنها ما يتعلق بنظام إدارة الموارد النفطية الوطنية والتصرف بمخرجاتها، وتجاه كيفية التعامل مع هذه المظاهر. وعلى الرغم من أن الوعي المذكور قد وجد سبيله للتبلور في أعمال الكثير من الباحثين المهتمين بالشأن النفطي في السنوات العشر الماضية على أقل تقدير، إلا أن الاحتجاجات الشعبية الغاضبة والعنيفة والدامية والواسعة النطاق بعد 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019 قد أوجبت إعادة نظر ربما ستكون جذرية بمؤسسات نظام إدارة الشأن الاقتصادي العام، وفي مقدمتها أحكام مؤسسة الدستور النافذ ذات الصلة المباشرة بإدارة الموارد النفطية الوطنية.

تتبدى مظاهر الفساد المذكورة أعلاه في نظام إدارة الموارد النفطية بمسارين رئيسين مختلفين: الأول، مسار فساد إدارة أنشطة حلقات المنبع والمصب من السلسلة التكنولوجية/التنظيمية النفطية (الاستكشاف، التطوير الإنتاجي، الاستخراج، النقل، معالجة النفط والغاز المستخرجين، والتسويق)؛ الثاني، مسار فساد إدارة استخدام مخرجات إدارة الموارد النفطية الوطنية. وتأسيسا على هذا، ينبغي أن ينصب تعديل مواد الدستور المُنظمة والحاكمة والحامية لنشاط إدارة الموارد النفطية على هذين المسارين من خلال النظر بالمواد الدستورية ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة أيضا بإدارة الموارد النفطية. بيد أننا في هذا البحث سنقصر الحديث فقط عن المواد الدستورية ذات الصلة المباشرة بالموارد النفطية من الجوانب الآتية: ملكية الموارد النفطية، الهيكل التنظيمي لإدارة ملكية الموارد النفطية، التصرف بمخرجات نشاط إدارة الموارد النفطية، موضوعات إدارة الموارد النفطية، اتجاهات استغلال وتطوير الموارد النفطية، معايير وآليات وأدوات استغلال وتطوير الموارد النفطية وغيرها. وعلى هذا الأساس المنهجي، سنُعالج بالتحليل موضوع البحث من زاوية تحديد موضوعات ومُبررات ومسارات تعديل مواد الدستور ذات العلاقة، وزاوية اقتراح تعديل هذه المواد إن تطلب الأمر ذلك.

يُنظّم دستور البلاد النافذ منذ عام 2005 إدارة الموارد النفطية بشكل مباشر في مادتين: الأولى (المادة 111)، التي قررت شخص المالك للموارد النفطية؛ والثانية (المادة 112)، التي قررت شخوص وموضوعات واتجاهات ومعايير وآليات وأدوات إدارة الموارد النفطية.

أولا. موضوعات ومُبررات تعديل المادة الدستورية (111):

(المادة 111): “النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات”. من وجهة نظر علم الإدارة، نحن نقرأ هذه المادة الدستورية على النحو الآتي:

· موضوع الملكية هو النفط والغاز كمواد طبيعية خام في باطن الأرض، وهذا يعني أن النفط والغاز المستخرجين ومنتجات تصنيعهما والعائدات النقدية لتصديرهما لا يمكن قانونيا وتنظيميا إدراجها ضمن نطاق موضوع هذه الملكية. بكلمات أخرى، أن حق المالك في التصرف بالملكية يطال المادة الخام في باطن الأرض فقط كاحتياطيات نفطية وغازية، بينما المُستخرج والمُصنّع والمُصدر منها فلا يطالها هذا الحق، وسيكون حقا لمن يستخرجها ويُصنّعها ويُصدّرها. في هذه الحالة، لا يستطيع مالك المادة الخام في باطن الأرض إدارتها بنفسه والاستفادة منها لصالحه، والسيطرة التنظيمية على عمليات استخراجها وتصنيعها وتسويقها. هذا الأمر يتطلب تعديل هذه المادة الدستورية بإضافة نص لها يؤكد ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز في باطن الأرض كاحتياطيات نفطية، وكذلك ملكيته للنفط والغاز والمواد الطبيعية الأخرى المصاحبة لاستخراجها وتصنيعها وتصديرها إلى الأسواق الخارجية وينُظم ذلك بقانون. هذه الإضافة ستضمن عدم وقوع الاحتياطيات النفطية في ملكية شركات النفط الدولية عند إبرام عقود تطويرها واستغلالها، وكذلك ستضمن عدم وقوع النفط المُستخرج في ملكية هذه الشركات عند إبرامها عقود المشاركة بالإنتاج (كما هو حال العقود التي أبرمتها حكومة كردستان).

· مالك النفط والغاز هو الشعب العراقي، كل الشعب العراقي. وعلى هذا الأساس الدستوري، كل من يُعدّ حسب أحكام الدستور النافذ عراقيا سيكون مالكا للنفط والغاز: “يعدّ عراقيا كل من ولد لأب عراقي أو لأم عراقية، وينظم ذلك بقانون” (المادة 18/ثانيا)؛ “للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه” (المادة 44/أولا). وبذلك سيسقط ادعاء تفسير البعض من الباحثين بحرمان العراقي المُقيم خارج العراق بصورة دائمة أو مؤقتة، لأي سبب كان، من هذه الملكية. وهو أمر يتطلب تعديل هذه المادة الدستورية بحذف الإشارة إلى منطقة تواجد الفرد العراقي، أو إضافة نص إليها “بصرف النظر عن مكان إقامته سواء داخل العراق أم خارجه”.

· لا يجري الحديث في هذه المادة عن ملكية عامة للنفط والغاز (ملكية الدولة)، أو عن ملكية مناطقية (ملكية الإقليم أو المحافظة المنتجة لهما)، أو ملكية اجتماعية (ملكية القبيلة أو

العشيرة أو الطائفة!)، وإنما الحديث يجري عن ملكية فردية (ملكية أفراد الشعب العراقي). وعلى هذا الأساس الدستوري، فإن شخص إدارة هذه الملكية والتصرف بمخرجاتها هم أفراد الشعب بمجموعهم، وليس الدولة أو الإقليم أو المحافظة المنتجة كل على حده. لقد فسرت حكومة إقليم كردستان هذه المادة الدستورية إرادويا، عندما ادعت أن النفط والغاز في الإقليم هو ملك شعب الإقليم، والذي هو جزء من شعب العراق، وهي بذلك تنوب عن هذا الجزء من الشعب العراقي في الإدارة والتصرف بهذه الملكية، الأمر الذي أثار خلافا كبيرا وحادا بين الإقليم والحكومة الاتحادية منذ عام 2007 (عندما شَرّعت حكومة الإقليم قانون النفط والغاز الخاص بها) ولغاية يومنا هذا. وبغرض قطع الطريق الدستوري أو القانوني أمام اجتهاد الأقاليم والمحافظات المنتجة في تفسير هذه المادة الدستورية، يتطلب الأمر عندها تعديل هذه المادة إما بإضافة نص إليها يُقرر نيابة شخص أو أشخاص دستورية أو معنوية لإدارة هذه الملكية والتصرف بمخرجاتها نيابة عن مالكيها أفراد الشعب (كما جاء ذلك في المادة 112 من الدستور النافذ عندما قررت شخوص الإدارة وهي الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة)، وإما أن يُترك أمر النيابة بالإدارة والتصرف بملكية النفط والغاز لقانون يُشرّع لهذا الغرض على غرار مشروعات “قانون النفط والغاز الاتحادي” العالقة التشريع منذ عام 2007، أو على غرار نيابة “شركة النفط الوطنية العراقية” عن “الدولة العراقية!” في إدارة ملكية الشعب للنفط والغاز والتصرف بمخرجاتها، المطعون بدستورية بعض أحكامه من قبل المحكمة الاتحادية العليا في 23/1/2019.

· عندما يتشارك وعلى قدم المساواة جميع أفراد الشعب العراقي في ملكية النفط والغاز، وتجري إدارة تطويرهما واستخراجهما وتصنيعهما وتسويقهما نيابة عنهم، عندها سيضمن العراق شعبا ودولة وحكومة وإقليم ومحافظة، مجتمعين أو فرادا، وحدته الترابية والسياسية والاقتصادية، لأن التشارك المتساوي في الحقوق والواجبات عند إدارة الموارد النفطية الوطنية سيكون بمثابة مادة إسمنتية صلبة ومتماسكة ودائمة للتوحيد والاتحاد فيما بينهم، وهذا الأمر سيؤسس لتكوين القاعدة المادية لتحقيق المادة (1) من الدستور النافذ في أرض الواقع: “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة… وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق”. بيد أن ضمان صلابة وتماسك وديمومة هذه المادة الإسمنتية يتوقف على صواب أحكام القانون الناظم والحاكم والحامي والمُقرر لحقوق وواجبات الشخوص المُشاركة في إدارة “الملكية التشاركية” للنفط والغاز والتصرف بمخرجاتها. بكلمات أخرى، لا يكفي

وجود نص دستوري يتحدث عن الملكية التشاركية المذكورة لأفراد الشعب العراقي، ما لم يقترن هذا النص بأحكام قانونية كافية وواضحة لترجمة هذا النص في قانون مُنظم وحاكم وحامي للحقوق والواجبات في عمليات إدارة هذه الملكية نيابة عن مالكيها، الأمر الذي يتطلب تشريع هذا القانون لأن النص الدستوري، عادة، لا يحتمل التفصيل في ذلك.

· يُمكن تعديل هذه المادة الدستورية بأربعة مسارات مختلفة: الأول، التقرير الدقيق لموضوع ملكية النفط والغاز؛ الثاني، التقرير الدقيق للشخص المالك لموضوع النفط والغاز؛ الثالث، تقرير الشخص أو الشخوص المُكلفة بالنيابة عن المالك في إدارة تطوير واستغلال موضوع الملكية والتصرف بمخرجاتها؛ والرابع، تشريع قانون يُنظم تحقيق المسارات الثلاثة الأولى.

ثانيا. موضوعات ومُبررات تعديل المادة الدستورية (112):

أ. (المادة 112/أولا): “تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون”. من وجهة نظر علم الإدارة، نحن نقرأ هذه المادة الدستورية على النحو الآتي:

· قررت هذه المادة الدستورية الهيكل التنظيمي ووظائفه في إدارة الموارد النفطية، والمُتكون من الشخوص التنظيمية الآتية: الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بإدارة النفط المُستخرج وتوزيع وارداته. لقد فشلت جميع مشروعات “قانون النفط والغاز الاتحادي” العالقة التشريع منذ عام 2007 في استيعاب هذه المادة الدستورية، عندما أشركت إلى جانب الحكومة الاتحادية (مجلس النواب ومجلس الوزراء) كيانات مؤسساتية في الهيكل التنظيمي لإدارة الموارد النفطية لم يُسمّها الدستور النافذ، مثل المجلس الاتحادي للنفط والغاز ومكتب المستشارين المستقلين ووزارة النفط الاتحادية والهيئات الإقليمية والهيئات المختصة وشركة النفط الوطنية العراقية. والأمر نفسه حصل عند تشريع قانون شركة النفط الوطنية العراقية رقم (4) لسنة 2018، عندما حلت شخوص الهيكل التنظيمي للشركة محل الشخوص الدستورية التي تتحدث عنها هذه المادة الدستورية، وهو أمر عدّته المحكمة الاتحادية العليا في 23/1/2019 غير دستوريا عند نظرها بالطعون المقدمة

بدستورية بعض مواد قانون الشركة. عندما يقرر الدستور في (المادة 1) أن “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة…”، ويقرر أن “النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات” (المادة 111)، فمن المنطقي دستوريا أن يأتي قوام الهيكل التنظيمي لإدارة الموارد النفطية متوافقا مع قوام الدولة الاتحادية الواحدة وهي الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز.

· قرر الدستور في هذه المادة نمط “الإدارة التشاركية” بين شخوص الهيكل التنظيمي لإدارة الموارد النفطية وهي الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة. وعلى هذا الأساس الدستوري، تصبح صناعة واتخاذ ورقابة تنفيذ القرارات التنظيمية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها في الشأن النفطي من مسؤولية شخوص الهيكل التنظيمي المذكورة بصورة تشاركيه، مستندة في ذلك على مبدأ تقسيم العمل فيما بينها في عمليات إدارة شؤون الدولة الاتحادية المختلفة (والأمر نفسه ينطبق أيضا على المادة 112/ثانيا). في هذا السياق، يقترح أحد الباحثين (جياد، الأخبار، 2019) اعتماد ما يُمكن لنا تسميته بنمط “الإدارة التنسيقية” فيما بين شخوص الهيكل التنظيمي لإدارة الموارد النفطية التي قررها الدستور النافذ: “تقوم الحكومة الاتحادية، بالتنسيق مع حكومة كل إقليم وحكومة كل محافظة، …” بإدارة الموارد النفطية، من دون تحديد صفة الإقليم أو المحافظة من زاوية إنتاجها أو عدم إنتاجها للنفط والغاز. من الناحية التنظيمية، سيُصَعّب نمط الإدارة التنسيقية من إجرائيات صناعة واتخاذ القرارات العملياتية والإستراتيجية في الوقت والجودة والكلفة المناسبة ذات الصلة بالشأن النفطي. بيد الأمر الأكثر أهمية في هذا السياق، من وجهة نظر علم الإدارة، يتعلق بضرورة وجود “كيان تنظيمي” محدد يقوم بأداء دور “المُنسق” لعمليات صناعة واتخاذ القرارات من قبل الحكومة الاتحادية وجميع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة وغير المنتجة، لم تُقرر أحكام الدستور النافذ، ولم يُقرر الباحث نفسه صاحب اقتراح نمط الإدارة التنسيقية، شخص هذا المُنسق ومواصفاته ووظائفه وصلاحياته في إدارة الموارد النفطية (كأن يكون، على سبيل المثال ليس إلا، شخص وزارة النفط الاتحادية، أو شخص الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أو شخص شركة النفط الوطنية العراقية، أو شخص “المجلس الاتحادي للنفط والغاز” المُقترح في مشروعات قانون النفط والغاز الاتحادي العالقة، وربما أي شخص آخر تجري تسميته بعد تبني الدستور المُعدل لمقترح الإدارة التنسيقية). فضلا عن ذلك، يَعدّ علم الإدارة “التنسيق” بمثابة وظيفة إدارية

مشتقة (لا تتخذ فيها القرارات) من الوظائف الإدارية الأساسية (التي تتخذ فيها القرارات كوظائف التخطيط والتنظيم والتوجيه والقيادة والرقابة). عندما لا تُشارك الأقاليم والمحافظات المنتجة في عمليات صناعة واتخاذ القرارات ورقابة تنفيذها وتحمل مسؤولياتها ومنافعها، عندها سيفقد كيان الدولة الاتحادي مبررات وجوده، إذ ستحل المركزية الإدارية البيروقراطية محل التشاركية الإدارية الديمقراطية في استغلال وتطوير الموارد النفطية. في أبحاث علمية منشورة لنا، اقترحنا تكوين كيان تنظيمي أسميناه “المجلس الاتحادي للطاقة” تكون العضوية فيه محصورة فقط بالشخوص الدستورية التي قررها الدستور لإدارة الموارد النفطية الوطنية، وهي شخوص الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة (أنظر الكعبي، www.akhbaar.org في 5 نيسان 2019، 29 تشرين الأول 2019).

· تتحدث هذه المادة الدستورية عن إدارة نفط وغاز مستخرجين كموضوع لها، بمعنى أن موضوع Object الإدارة يطال أو محصور في نطاق ما تم رفعه من مواد طبيعية من باطن الأرض وإيصاله إلى سطحها فقط. لست مختصا بالفقه اللغوي حتى أقرر صواب التعبير الدستوري هنا عن موضوع إدارة الموارد النفطية من عدمه، ولكن إيصال النفط والغاز إلى سطح الأرض تسبقه إدارة عمليات تكنولوجية وتنظيمية كثيرة، تُشكّل بمجموعها عمليات “المصب” في السلسلة التكنولوجية النفطية، ومنها عمليات الاستكشاف والتطوير الإنتاجي والإنتاج. وعلى هذا الأساس التكنولوجي والتنظيمي، يُعدّ تعبير “إدارة النفط المستخرج” الوارد في هذه المادة الدستورية غير دقيق، الأمر الذي يتطلب تعديله.

· حصرت هذه المادة الدستورية فعل الإدارة التشاركية في نطاق “الحقول الحالية”. لقد أثار تعبير “الحقول الحالية” جدلا واسعا بين الباحثين العراقيين في تفسير المقصود به (أنظر مثلا: جياد، 2019)، سواء من جانب التصنيف الفني للحقول النفطية، أم من جانب عامل الزمن في تقريره، أم من جانب موقف حكومة إقليم كردستان من تفسيره. من جانبنا، سنحاول قراءة هذا التعبير الدستوري من زاوية التراتبية التنظيمية للشخوص الدستورية في الهيكل التنظيمي لإدارة الموارد النفطية من خلال الجمع ما بين أحكام فقرتي المادة الدستورية (112) ذات الصلة بهذا التعبير في النقطة أدناه.

· من هذا النص الدستوري، يمكن لنا الافتراض إن وضع الحكومة الاتحادية في موقع صدارة التراتبية التنظيمية جاء فقط لإدارة الحقول النفطية الحالية (المادة 112/أولا)، وأنها، بسبب ذلك ستتخلى عن هذا الموقع التنظيمي في إدارة الحقول النفطية المستقبلية، إما سوية أو

لصالح الشخصين التنظيميين الآخرين (حكومات الأقاليم وحكومات المحافظات المنتجة)، كما جاء ذلك في المادة (112/ثانيا) من الدستور. يجري الحديث في الفقرة “ثانيا” من المادة (112) عن أمرين تنظيميين أساسيين: الأمر الأول، وجود شخصين تنظيميين آخرين، إلى جانب الحكومة الاتحادية، يتقاسمان معها الأعباء التنظيمية في نظام إدارة الموارد النفطية الوطنية من دون أن تحدد الفقرة أيضا، كما هو الحال في الفقرة “أولا”، مواقعها التنظيمية في هذا النظام. الأمر الثاني، إن المواقع التنظيمية المتساوية للشخوص الثلاثة في التراتبية التنظيمية لنظام الإدارة تتعلق حصرا برسم السياسات الإستراتيجية لتطوير الثروة النفطية الوطنية، وهو أمر يضع جميع الشخوص التنظيمية المعنية في دائرة الإدارة العليا أو الإدارة الإستراتيجية من تراتبية الهيكل التنظيمي لنظام إدارة الموارد النفطية، ولا يعطي الحكومة الاتحادية موقع الصدارة التنظيمية في تراتبية هذا الهيكل، على النحو الآتي: “تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز…”. بيد أن قراءتنا التنظيمية المذكورة هنا قد تواجهها بعض المصاعب الدستورية، ذلك أن حكم الفقرة “ثانيا”، وعلى خلاف حكم الفقرة “أولا” من المادة (112)، لم يُحدد دستوريا نطاق سريان فعل رسم السياسات الإستراتيجية، وهذا النطاق له ثلاثة مسارات تنظيمية مُحتملة كما نرى: هل هذا الفعل الإداري يسري على الحقول النفطية والغازية الحالية فقط (المسار الأول)، أو على الحقول النفطية والغازية المستقبلية فقط (المسار الثاني)، أو على جميعها (المسار الثالث)؟ وكما واضح من هذا التحليل، ستحتل الحكومة الاتحادية موقع صدارة التراتبية التنظيمية في رسم السياسات الإستراتيجية لتطوير الحقول الحالية والحقول الحالية والمستقبلية معا (المسارين الأول والثالث)، وستفقد الحكومة الاتحادية موقع الصدارة التنظيمية لصالح حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، أو تتقاسم هذا الموقع وعلى قدم المساواة التنظيمية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة في نشاط رسم السياسات الإستراتيجية لتطوير الحقول النفطية المستقبلية فقط (المسار الثاني)، وهو أمر يُفضي إلى استنتاج مفاده الآتي: إن أحكام المادة (112/ثانيا) من الدستور لا تُنشئ تراتبية تنظيمية لشخوص الإدارة الثلاثة فيها عند رسم السياسات الإستراتيجية لتطوير الحقول المستقبلية، ويترك أمر رسم هذه السياسات للحكومات المحلية في الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط، بدون وجود تراتبية تنظيمية فيما بينهما لعدم وجود نص تنظيمي صريح في المادة (112) من الدستور أو في مواده الأخرى

يعطي أفضليات أو ميزات إدارية أو سياسية أكبر و/أو أوسع للأقاليم المنتجة مقارنة بالمحافظات المنتجة في إدارتها للعمليات النفطية الجارية في مناطقها. وبغرض قطع الطريق على التفسيرات المختلفة للنصوص الدستورية ذات الصلة (وهي طريقة مجربة من طرائق الاستحواذ على المؤسسات وإفسادها)، ينبغي تعديل تعبير “الحقول الحالية” ليشتمل أيضا على تعبير “الحقول المستقبلية”، وتحديد نطاق فعل رسم السياسات الإستراتيجية ليشتمل على الحقول الحالية (المنتجة والمكتشفة غير المنتجة) والحقول المستقبلية معا.

· في توزيع منافع أو مخرجات إدارة الموارد النفطية، اعتمدت هذه المادة الدستورية معيار “الإنصاف” بمقياس التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، وهو معيار اجتماعي وأخلاقي سليم، بينما تحديدها لحصة من هذه المنافع أو المخرجات للأقاليم (والمحافظات أيضا التي لم يرد ذكرها في هذه المادة الدستورية!) المتضررة من قبل النظام السابق فربما جاءت تقريرا لمبدأ “العدالة” وقت إقرار الدستور في ظروف عام 2005. بيد أن مبدأ العدالة في ظروف ما بعد عام 2005 ولغاية يومنا الحاضر وما بعده من سنوات طويلة قادمة، يتطلب إلغاء هذه الحصة، والاكتفاء بالتوزيع المُنصف لمنافع أو مخرجات استغلال الثروة النفطية بمقياس التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، لأن الضرر والخراب (بسبب الإرهاب وسوء وفساد وعدم احترافية إدارة الدولة) طال البنى التحتية المادية والاجتماعية والإنتاجية جميع محافظات العراق (ربما جزئيا باستثناء محافظات إقليم كردستان).

· تُلّزم هذه المادة الدستورية تشريع قانون لتنظيم الأحكام الواردة فيها. في هذا الأمر، كتب أحد الباحثين (جياد، 2019) بعدم وجود ضرورة لهذا القانون: “تشريع القانون المنشود … غير ممكن وغير مفيد وغير مطلوب وغير دستوري … وستترتب عليه نتائج كارثية على القطاع النفطي وعلى الاقتصاد العراقي”، ويورد المُبررات الآتية لذلك: المُبرر الأول، إن الأحكام الواردة في هذه المادة الدستورية يجري حاليا تنظيمها من خلال قوانين وزارات ومؤسسات كثيرة قائمة (وزارة النفط وشركاتها العامة لإدارة النفط المُستخرج، وزارة المالية والموازنة السنوية الاتحادية لتوزيع عوائد صادرات النفط والغاز المُستخرج، وزارة التخطيط لتحقيق التنمية المتوازنة). هذا المُبرر يفترض توافق وانسجام قوانين المؤسسات المذكورة مع أحكام الدستور النافذ وهو أمر غير صحيح تماما، على الأقل من جانب تسمية الشخوص التي كلفها الدستور في هذه المادة منه بإدارة النفط المُستخرج وتوزيع وارداته (الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة). المُبرر الثاني، “لا توجد إمكانية لتطبيق

أي من مسودات قانون النفط والغاز …”، لأن هذه المسودات محكومة بنمط معين من “… التوجهات والعقلية السياسية” لم يُفصح الباحث المذكور عن مضمونها وأصحابها. ربما أُشاطر الباحث تخوفه من تشريع قانون، يُطالب الدستور بتشريعه، بمسار توجهات وعقلية سياسات نفعية أو فئوية أو مناطقية وغيرها، ولكن يمكن تبديد هذه المخاوف بتشريع القانون المنشود في ضوء أحكام الدستور النافذ (أو الدستور المُعدل)، لتنظيم ملكية الاحتياطيات النفطية والغازية، وتقرير المؤسسات وهياكلها التنظيمية لنيابة الشعب في إدارة ملكيته، وتقرير أنماط وأنظمة التفاوض والتعاقد مع المُشغلين النفطيين، وتحديد الشروط الفنية والتكنولوجية والبيئية لاستغلال وتطوير المكامن النفطية وغيرها. ومع ذلك، ومن جانب الحاجة لتعديل هذه المادة الدستورية من عدهما، سننظر في هذا الأمر من زاوية نظر تنظيمية صرفة في النقطة أدناه.

· يثير الإلزام بتشريع القانون المنشود تساؤلات لغوية وتنظيمية وفنية كثيرة. من الناحية اللغوية، تتكون هذه المادة الدستورية من جملة طويلة واحدة جرى تقسيمها بفارزة واحدة إلى فقرتين: الأولى تتضمن عمليات الإدارة والتوزيع، والثانية تتضمن عمليات تحديد الحصة المذكورة فيها. والتساؤل اللغوي هو: هل القانون المطلوب تشريعه يتعلق بمضمون الفقرة الثانية فقط التي ورد فيها؟ أم أن القانون يشمل أيضا مضمون الفقرة الأولى التي لم يرد فيها؟ ومن الناحية التنظيمية، يمكن أن تثار التساؤلات الآتية: هل القانون المنشود يتعلق فقط بتنظيم العمليات الواردة في المادة (112/أولا)، ولا ينسحب على تنظيم العمليات الواردة في المادة (112/ثانيا)؟ وإذا افترضنا عدم انسحابه، فعلى أي أساس قانوني سيجري عندها تنظيم العمليات الواردة في المادة (112/ثانيا)، ومنها رسم السياسات الإستراتيجية لتطوير ثروة النفط والغاز على وفق مبادئ ومعايير وآليات اجتماعية واقتصادية وتنظيمية وفنية كثيرة؟ ومن الناحية الفنية، إذا كان نطاق فعل القانون المنشود محصورا فقط بإدارة الحقول النفطية والغازية الحالية (عند إقرار الدستور في عام 2005)، فعلى أي قاعدة قانونية ستجري إدارة عمليات استكشاف وتطوير واستخراج النفط من الحقول الجديدة بعد عام 2005 أو بعد تعديل الدستور الحالي بصيغة لا تأخذ بعين الاعتبار هذا التساؤل؟ فضلا عن ذلك، إذا افترضنا أن القانون المنشود سيُنظم عمليات إدارة الحقول الحالية والمستقبلية في آن واحد، فهل سيكون هذا القانون خلوا من الأحكام المُنظمة لإدارة ملكية الاحتياطيات النفطية والغازية في باطن الأرض نيابة عن مالكها (المادة 111 من

الدستور)، وهذه الاحتياطيات تمثل القاعدة المادية لعمليات إدارة الحقول الحالية والمستقبلية معا؟ هذه التساؤلات وغيرها تتطلب إجابات عند التفكير بتعديل مواد الدستور ذات الصلة.

· واستنادا إلى التحليل في أعلاه، يُمكن تعديل هذه المادة الدستورية بعدة مسارات مختلفة، منها: تأكيد نمط الإدارة التشاركية بين شخوص الإدارة، تعديل تعبير “إدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية”، فك موضوع التشابك بين مبدأ “الإنصاف” ومبدأ “العدالة”، تحديد نطاق فعل القانون المنشود للتشريع.

ب. (المادة 112/ثانيا): “تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار”. وبما أن هذه المادة الدستورية تتحدث عن الإدارة الإستراتيجية ونطاق فعلها ومعيارها ومبادئها لتطوير الموارد النفطية، عندها يُمكن قراءتها تنظيميا على النحو الموجز الآتي:

· شخوص الإدارة الإستراتيجية: الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز.

· نمط الإدارة الإستراتيجية: تشاركي فيما بين شخوصها المذكورة في أعلاه.

· موضوع الإدارة الإستراتيجية: رسم السياسات الإستراتيجية، بما فيها السياسة النفطية من قبل شخوص الإدارة الإستراتيجية للموارد النفطية المذكورة في أعلاه. في هذا السياق، يرى الباحث (جياد، 2019) وجوب اضطلاع “مجلس الوزراء الاتحادي” برسم السياسات الإستراتيجية (بمعنى السياسة الإستراتيجية النفطية) لإدارة الموارد النفطية الوطنية، مقترحا تضمين المادة الدستورية (80/أولا)، الخاصة بصلاحيات مجلس الوزراء، النص الآتي: “… والسياسة النفطية في استكشاف وتطوير الحقول البترولية وإنتاج وتصدير النفط والغاز”. لقد جرى تبرير هذا المُقترح التنظيمي الكبير من قبل الباحث نفسه بثلاثة مبررات: الأول، اعتماد النشاط الاقتصادي في البلاد على عائدات تصدير النفط (وكما نرى فقد جاء هذا الاعتماد وتزايده للفترة 1958-2019 بسبب تَفرّد وهيمنة السلطة التنفيذية وحدها على تقرير وتنفيذ السياسة النفطية للبلاد)؛ الثاني، “تعزيز صلاحيات مجلس الوزراء الاتحادي في تخطيط التنمية” (ولا ندري أمام أية سلطة من السلطات الأخرى في البلاد سيجري هذا التعزيز، في الوقت الذي يَتَفرّد فيه مجلس الوزراء ووزارته للتخطيط ومنذ عام 1958 ولغاية يومنا هذا بأداء هذه المهمة على نحو غير احترافي وغير مسئول وغير مثمر، قاد البلاد إلى كارثة اقتصادية كبرى، من أبرز ملامحها الاعتماد المتزايد على صادرات النفط الخام وتشويه هيكل الاقتصاد الوطني)؛ الثالث، “تعزيز صلاحيات مجلس الوزراء الاتحادي في التفاوض بشأن … الاتفاقيات الدولية” (ولا ندري أيضا ما هي علاقة السياسة النفطية بالتفاوض مع الدول والمنظمات الدولية، مثلا، حول انضمام العراق للاتفاقية الدولية بشأن حماية الطيور المهاجرة!). إن إيكال رسم السياسات الإستراتيجية النفطية إلى مجلس الوزراء الاتحادي وحده، سيعني ارتهان إدارة تطوير واستغلال ملكية الشعب العراقي كله لموارده النفطية لإرادة وتوجهات حزب أو تكتل أحزاب بعينها الفائزة بالانتخابات البرلمانية والمّكلفة بتشكيل ورئاسة مجلس الوزراء، وسيجري تغيير هذه السياسات عندما يخسر هذا الحزب أو هذا التكتل الحزبي الانتخابات القادمة أو تسحب الثقة منها لصالح إرادة وتوجهات حزب أو تكتل أحزاب أخرى. فضلا عن ذلك، عَدّت قرارات المحكمة الاتحادية العليا بعض مواد قانون شركة النفط الوطنية لسنة 2018 ذات الصلة غير دستورية لتعارضها مع أحكام المادة (111) والمادة (112/أولا/ثانيا) من الدستور النافذ، على سبيل الحصر القرارات الآتية ذات الصلة بالتحليل الذي نجريه هنا: 1، 2، 5، 6، 7 (أنظر ذلك في: الكعبي، 2019، www.akhbaar.org في 5 نيسان).

· نطاق فعل الإدارة الإستراتيجية: عادة ما يكون نشاط الإدارة الإستراتيجية مرتبطا بصياغة وتحقيق أهداف إما أن تكون كبيرة أو استثنائية أو ذات أهمية فائقة، وإما أن تكون هذه الأهداف ذات بعد زمني مستقبلي طويل المدى. في السياق الذي نبحثه، يُعدّ رسم السياسات الإستراتيجية، مثلا السياسة النفطية في تطوير الموارد النفطية، نطاق فعل إدارة إستراتيجية تمارسه شخوص إدارة الموارد النفطية المنصوص عليها في الدستور (المادة 112/ثانيا)، ولكن، في الوقت نفسه، هذه الشخوص ذاتها تمارس أعمال إدارة الانتاج النفطي المنصوص عليها في الدستور أيضا (المادة 112/أولا)، وهو نطاق فعل إدارة عملياتية، وهذا أمر تنظيمي يتنافى مع المبدأ الإداري الشهير “تقسيم العمل والتخصص فيه”. وبغرض فك التشابك الوظيفي والتنظيمي بين الإدارتين الإستراتيجية والعملياتية للموارد النفطية، ينبغي عزل نطاق فعل الإدارة العملياتية عن نظيرتها الإستراتيجية، إما عن طريق تعديل دستوري للمادة (112/أولا)، وإما أن تترك معالجة هذا الأمر لقانون النفط والغاز المنشود. وبما أن أحكام الدستور ذات الصلة بالموارد النفطية تؤسس لتكوين نظام مؤسساتي جديد لإدارتها، يتطلب عندها الأمر تغيير مواقع تسلسل فقرتي المادة (112) في

النص الدستوري، بحيث تسبق الفقرة التي تتحدث عن الإدارة الإستراتيجية (الفقرة ثانيا) تلك التي تتحدث عن الإدارة العملياتية (الفقرة أولا)، لأن البناء المؤسساتي الجديد لنظام الإدارة يبدأ أولا بوضع أحكام الإدارة الإستراتيجية، وعلى هدى هذه الأحكام، ثانيا، يجري وضع أحكام الإدارة العملياتية.

· معيار وآليات وأدوات الإدارة الإستراتيجية:

– لم يرد معيار تحقيق “أعلى منفعة للشعب العراقي” من تطوير ثروة النفط والغاز في الإدارة العملياتية للإنتاج النفطي الواردة في المادة (112/أولا). هل يُفهم من هذا أن أحكام الدستور النافذ تتبنى معيار المنفعة فقط في إدارة عمليات تطوير الثروة النفطية (الإدارة الإستراتيجية)، بينما إدارة عمليات استغلال هذه الثروة (الإدارة العملياتية) يمكن لها أن تتبنى معيار الضرر مثلا؟ هذا التساؤل يتطلب إجابة واضحة وصريحة سواء من خلال تعديل النص الدستوري المعني، أم من خلال أحكام القانون المنشود. وبغرض عدم التكرار، ينطبق هذا التحليل أيضا على آليات الإدارة الإستراتيجية للتطوير (أحدث تقنيات مبادئ السوق) وعلى أدوات الإدارة الإستراتيجية للتطوير (أحدث تقنيات مبادئ تشجيع الاستثمار) الواردة في هذه المادة الدستورية.

– يُعدّ معيار “أعلى منفعة للشعب العراقي” من استغلال وتطوير الموارد النفطية أكثر سعة وعمقا من المعيار الذي تقترحه مشروعات قانون النفط والغاز الاتحادي (العائد الاقتصادي)، المطروحة منذ عام 2007. على سبيل المثال، أفضت العقود النفطية في جميع أنظمة إدارة الموارد النفطية في العراق إلى إنتاج “الريع النفطي”، وهو العائد الاقتصادي الذي لم يُحقق المنفعة الأعلى للشعب العراقي على مدى عقود طويلة من الزمن. فضلا عن ذلك، يُمكن أن يُقاس ويُقيّم المعيار الدستوري للمنفعة بمؤشرات اقتصادية وتنظيمية وتكنولوجية واجتماعية وغيرها كثيرة ومتنوعة، منها مثلا عدم الإضرار التكنولوجي بالمكامن النفطية، وعدم تلويث البيئة في مناطق الاستخراج النفطي، وإشراك الحكومات المحلية للأقاليم والمحافظات المنتجة بإدارة العمليات النفطية في مناطقها، وإدماج الاقتصادات وفعاليات الأعمال المحلية لمناطق الاستخراج بالأنشطة الاقتصادية والتنظيمية والتكنولوجية للعمليات النفطية. ينبغي لهذا المعيار الدستوري أن يكون أحد موجهات صياغة القانون المنشود الذي يطالب الدستور بتشريعه.

– يعتمد الدستور تقنيات مبادئ السوق كآليات مؤسساتية لتطوير الموارد النفطية، ولكن من دون تحديده لنمط معين من أنماط السوق المعروفة في ذلك. وعلى هذا الأساس الدستوري، يجب على الدولة اختيار نمط اقتصاد السوق، من أنماط مختلفة له (الليبرالي، الموجه مركزيا،

ذو النزعة الاجتماعية)، لإدارة الموارد النفطية. في المنهاج الوزاري للسنوات 2018-2022، اختارت الحكومة نمط السوق ذو النزعة الاجتماعية لإدارة تطوير الموارد النفطية. أن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي يؤسس على الكيفية التي تجري بموجبها عملية التوزيع الثانوي للمداخيل، أما التوزيع الأولي للدخل القومي فينشأ مباشرة من عملية الإنتاج الرأسمالي نفسها (الاقتصاد الليبرالي). في المنهاج المذكور جرى إدراج جميع مشروعات التطوير ضمن عمليات التوزيع الأولي للدخل في مرحلة الإنتاج، وهي المرحلة التي يُنظمها نمط الاقتصاد الليبرالي على أساس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومخرجاته، وهو أمر سَيُقوض ملكية الشعب للاحتياطيات النفطية والمُستخرج منها الواردة في المادتين (111) و(112/أولا) من الدستور النافذ (أنظر تفصيل ذلك في: الكعبي، 2018، شبكة الاقتصاديين العراقيين في 3 أيلول). لهذه الأسباب، ينبغي لقانون النفط والغاز المنشود تقرير نمط السوق المُختار لتطوير الموارد النفطية.

– يعتمد الدستور تقنيات تشجيع الاستثمار النفطي كأدوات مؤسساتية لتطوير الموارد النفطية، ولكن أيضا من دون تحديده لنمط معين من أنماط الاستثمار المعروفة في الصناعة النفطية الوطنية أو الدولية. منذ بداية صناعة النفط في العراق ولغاية تأميمها في سبعينات القرن المنصرم، كان يجري تنظيم نشاطها بأحكام “عقد الامتياز النفطي التقليدي” الممنوح لشركات النفط الدولية، ومنذ تأميمها ولغاية إبرام عقود جولات التراخيص النفطية في نهاية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين جرى تنظيمها من خلال نمط “الاستثمار الوطني المباشر”، مع بعض مساعدة فنية أجنبية. في عام 2009 ولغاية وقتنا الحاضر تتبنى الحكومة الاتحادية نمط الاستثمار النفطي على قاعدة “عقد الخدمة النفطية”، ولكن المشكلة المؤسساتية في هذا الاختيار تكمن في أمرين: الأول، إخفاق الحكومة بتكوين بيئة مؤسساتية تشريعية حاكمة للشكل التنظيمي المُختار للاستثمار، إذ جرى اعتماد وتنفيذ عقد الخدمة من دون وجود ضوابط قانونية معتمدة في قانون نافذ؛ الثاني، جرت صياغة بنود العقد النفطي على نحو لا يضمن سيطرتها التنظيمية الكاملة على العمليات النفطية الجارية بموجب أحكامه (أنظر تفصيل ذلك في: الكعبي، 2018، شبكة الاقتصاديين العراقيين في 3 أيلول). لهذه الأسباب، ينبغي أيضا لقانون النفط والغاز المنشود تقرير نمط الاستثمار النفطي المُختار لتطوير الموارد النفطية.

· واستنادا إلى التحليل في أعلاه، يُمكن تعديل هذه المادة الدستورية بعدة مسارات مختلفة، منها: عزل الإدارة العملياتية عن الإدارة الإستراتيجية للموارد النفطية على أن تسبق الثانية الأولى في تسلسل نص المادة (112 المُعدلة)، عَدّ رسم السياسة النفطية جزءا لا يتجزأ من

رسم السياسات الإستراتيجية لتطوير واستغلال الموارد النفطية، تثبيت معيار وآليات وأدوات إدارة تطوير الموارد النفطية الواردة في المادة (112/ثانيا) من الدستور النافذ، وتشريع قانون لذلك.

الخاتمة:

على ضوء النتائج التي تم التوصل إليها من تحليل المادتين الدستوريتين (111) و(112) في هذا البحث، نخلص إلى استنتاج مفاده وجوب تعديلهما على وفق مسارات التعديل الخاصة بكل واحدة منها على حدة، أو لمجموعهما أيضا، والمثبتة في متن هذا البحث.

بشأن المادة (111) من الدستور النافذ، فقد رصدنا أربعة مسارات لتعديلها: مسار التحديد الدقيق لموضوع ملكية النفط والغاز، مسار التحديد الدقيق لشخص مالك النفط والغاز، مسار تحديد الشخص المُكلف بنيابة المالك في إدارة ملكيته، ومسار تشريع قانون يُنظم ملكية النفط والغاز (يمكن لهذا المسار أن يُشار إليه في النص الدستوري لتنظيم تحقيق المادتين المذكورتين معا بعد تعديلهما). وعلى هذا الأساس المنهجي، يُمكن تعديل المادة (111) من الدستور النافذ على النحو الآتي:

المادة (111 المُعدلة). “يُنظم بقانون:

أولا: الاحتياطيات النفطية والغازية المكتشفة والتي يتم اكتشافها، وكذلك النفط والغاز المُستخرج والمُصنع والمُصدر منها، ملك كل أفراد الشعب العراقي بصرف النظر عن مكان إقامتهم سواء داخل العراق أم خارجه.

ثانيا: بنمط إدارة تشاركي فيما بينها، تنوب الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز عن أفراد الشعب العراقي ولصالحهم في الإدارة الإستراتيجية والعملياتية لتطوير واستغلال الموارد النفطية والغازية الوطنية.

ثالثا: تشجيع الجهد الوطني المباشر، وتحريم أي شكل من أشكال الامتياز النفطي وما في حكمه، والتعاون مع الغير في نشاط إدارة تطوير واستغلال الموارد النفطية والغازية الوطنية، شريطة مصادقة مجلس النواب على عقود التعاون النفطية”.

أما بشأن المادة (112/أولا/ثانيا) من الدستور النافذ، فقد رصدنا ثلاثة مسارات رئيسة لتعديلها: مسار الإدارة الإستراتيجية لتطوير واستغلال الموارد النفطية وأولويته في النص الدستوري لهذه المادة بعد تعديلها المُقترح من قبلنا، مسار الإدارة العملياتية لاستغلال وتطوير الموارد النفطية، ومسار

تنظيم المسارين الأول والثاني المذكورين هنا بقانون يُشَرّع لهذا الغرض. وعلى هذا الأساس المنهجي، يُمكن تعديل المادة (112) من الدستور النافذ على النحو الآتي:

المادة (112 المُعدلة). “يُنظم بقانون:

أولا: بنمط إدارة تشاركي فيما بينها، تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بالإدارة الإستراتيجية، بما فيها رسم السياسة الإستراتيجية النفطية، لعمليات الاستكشاف والتطوير الإنتاجي والاستخراج والتصنيع والنقل بالأنابيب الرئيسة والناقلات البحرية والتسويق النفطي، بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي، معتمدة في ذلك أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار النفطي.

ثانيا: بنمط إدارة تشاركي فيما بينها، تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بالإدارة العملياتية لاستغلال الحقول النفطية والغازية المنتجة والمكتشفة والتي يتم استكشافها بمعايير الجودة والشفافية والإفصاح، وبما لا يلحق الضرر التكنولوجي بالمكامن النفطية والغازية وبالبيئة المحيطة.

ثالثا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بتكوين كيان إداري مستقل إداريا وماليا، تُمَثّل فيه جميعا، لضمان إدارتها الإستراتيجية والعملياتية لتطوير واستغلال الموارد النفطية والغازية الوطنية، وترتبط تنظيميا بهذا الكيان شركة النفط الوطنية العراقية كمُشغّل وطني لجميع حقول النفط والغاز المنتجة والمكتشفة والتي يتم استكشافها.

رابعا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بتوزيع منافع تطوير واستغلال الموارد النفطية والغازية بشكل مُنصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد نسبة منها لتعويض ضرر العمليات النفطية على البيئة والبنى التحتية في مناطق الإنتاج.

خامسا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز بضمان إدماج اقتصادات وفعاليات الأعمال المحلية بالعمليات التكنولوجية والتنظيمية والاقتصادية الجارية في مناطق الإنتاج”.

المصادر:

دستور جمهورية العراق (2005).

جياد، أحمد موسى (2019). اقتراح التعديلات الدستورية المتعلقة بالقضية النفطية. www.akhbaar.org في 23 تشرين الثاني/نوفمبر.

قرارات المحكمة الاتحادية العليا في 23/1/2019 بشأن دستورية بعض مواد قانون شركة النفط الوطنية العراقية رقم (4) لسنة 2018. iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2019/01/1

الكعبي، جواد كاظم لفته (2017). طبيعة السيطرة التنظيمية للشريك الحكومي على العمليات الإنتاجية في عقود جولات التراخيص النفطية. الموقع الاليكتروني لشبكة الاقتصاديين العراقيين http://iraqieconomists.ne في 3 أيلول/ديسمبر.

الكعبي، جواد كاظم لفته (8201). قراءة منهجية في الحوار الدائر حول القانون الجديد لشركة النفط الوطنية العراقية. الموقع الاليكتروني لشبكة الاقتصاديين العراقيين http://iraqieconomists.ne في 17 أيار/مايو.

الكعبي، جواد كاظم لفته (2019). الاختلال المنهجي في إدارة عمليات تطوير صناعة النفط والغاز بالمنهاج الوزاري 2018-2022. www.akhbaar.org في 14 شباط/فبراير.

الكعبي، جواد كاظم لفته (2019). في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا: ماذا بعد “الإعدام التنظيمي!” لشركة النفط الوطنية العراقية ككيان إداري مستقل؟ www.akhbaar.org في 5 نيسان/أبريل.

الكعبي، جواد كاظم لفته (2019). تحليل مُقارن للكيفية المؤسساتية لإدارة نشاط أعمار العراق. www.akhbaar.org في 29 تشرين الأول/أكتوبر.

……………………………………………………………………………………

د. جواد الكعبي / باحث أكاديمي

كانون الأول/ديسمبر 2019

[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close