رحلة خلال مدمني مخدرات

محمد كريم إبراهيم

نص مقالتي :

سم المخدرات ليست بالأمر جديد ولا غريب بالنسبة إلى مجتمعانا العربي, فمنذ لحظة أكتشاف المخدرات المصنعة كيميائياً, بدأت يتسارع أنتشاره في بلدان العربية والشرق الأوسط. ولا متعاطيه يأخذ بالأمر عجيب لنا اليوم, نعم, معظمهم في البداية كانو الفقراء مادياً وجسدياً ونفسياً (لم يشعروا بالسعادة من حياتهم الطبيعية) جهلاء عقلياً لإدراك مساوءه, لكن في هذا العصر لا يقتصر ذلك على هذه الحفنة, فأصبحوا الأغلبية بعد أن كانوا الأقلية, وأمسوا جزء منهم أبناءنا, أباءنا, أخواننا وأخواتنا, ثم أنهم يملكون في المجتمع مناصب راقية, فهم الأطباء, الممرضات, المهندسين, المحاميين, وغيرهم (لا حاجة لذكر السياسيين).

فكم من أصدقاء لي فارقوا الحياة من وراء المخدرات, كم من أصحاب أعتزلت عنهم لتصرفاتهم غير لائقة والمؤذية للنفس سببها هذه السموم, كم من أناس كنت أحسبهم ذو المراتب والمكانات ومن مستحقي الأحترام, تبينوا لاحقاً بأنهم لا يعرفون حتى الطريق إلى بيوتهم.

المهم, جرت الأمور كما جرت وتعودنا على فقدان هؤلاء الناس مع مرور السنين وأخذهم بنظر الأعتبار عند أحصاء أعداد الوفيات في المستشفيات والمقابر مثلما نعد أعداد الموتى في الكبار العمر. لكني مررت بتجربة غيرت تفكيري أتجاهم وأعطاني أحساس بفقدان الأمل أكثر في هؤلاء المرضى.

كنت أمشي في منطقة عامة (جيدة المجتمع نسبياً) خلال زقاق الذي أمشي به روتينيا في طريقي إلى الكلية. فأذا بي أرى طالب وطالبة تقريباً أصغر بقليل من عمري (22 عاماً), الفتاة كانت محجبة ومرتبة اللباس وكذلك الشاب كان يلبس قميصاً أبيض وبنطلون أسود, بدوا مستعدين للذهاب إلى دراسة في أحد مؤسسات التعليمية (تبينوا لاحقاً بأنهم طلاب في كليتي). من خلال مروري من الشارع, تحسست بأنهم لاحظوني ولم أهتم بذلك وواصلت بالمشي إلى أن اقتربت مسافة قريبة منهم, هنا رأيت ورقة بيضاء على يد شاب ملفوفة بشكل مربع ومنتفخ كأنه مليء بالحصى, عرفت مباشرتاً أنه الميث (المخدر متصنع كيميائيا), وهو يراقبني وينتظر حتى أقترب منه لأعلم المسألة! وهو يسلمه للفتاة ويقول له بصوت مسموع “لا تعطي هذا لأحد”. أنصدمت من هذا الموقف, كنت أعلم بالطبع أن هناك مخدرات يتوزع يميناً ويساراً في كليتي, في الأزقة, وفي المدينة الذي أعيش فيها, لا غرابة في هذا الأمر, ولكن صدمت لأني لم أرى أشخاص مثل هؤلاء يريدون أن يتظاهروا في العلن تعاطيهم للمخدرات و يتفاخروا بعملية التبادل بينهم (رغم أني لم أرى المال يعطى من قبل الفتاة ويمكن أن يستنتج القارئ كيف تدفع الفتاة لذلك المادة بدل المال). تجاهلت الأمر ذلك اليوم وواصلت يومي عادياً وقد حسبت بأن الشاب قد أخطئ في تفكير وتحليل (وهي العادة عند المتعاطين) في أجراء الصفقة بأتم سرية. وفي أسبوع التالي, رأيت نفس هذين أثنين مع نفس النية, في أحد زوايا حديقة الكلية, وشاءت الأقدار أن أمشي نحوهم مثل يوم السابق. هذه المرة بدأت بالمشي بطيئاً لأفكر في الموقف, فهم كذلك بدأوا بالانتظار حتى أتي بالقرب منهم ليبادلوا العملية مجدداً, عنده أدركت بأنهم يفعلون ذلك عن قصد ليثبتوا شخصيتهم المنحرفة ونسيت بأن المتاجر والمتعاطي قد أصبحوا من شخصيات النبيلة في هذا الزمن. لمحت له ولها بنظرة ليعلموا بوجودي, وهم بادلوني النظرة الباردة, تخيلت فقط كيف يجري الحديث بينهم وبيني إذا باشرتهم بالكلام, وعلمت أن مبادرتي لم يكن ذو الفائدة لهم, فلم أستطع أن أعبر عن الأمر من ناحية الدينية, فالمدينة الذي أنا أعيش فيها مليء بالمواعظ وبوسترات أسلامية وجوامع خطيبة, إذاً هم أدركوا ذلك وعلموا بحرمته, ولم أقدر أن أكلمهم من ناحية العلمية لمضار المخدرات وكيف يؤدي إلى هلاك بمتعاطيه وأنطواءه حول نفسه ليترك المجتمع نفسياً ويفارقه جسديا, فهم كانوا طلاب الصحة ومحاضراتنا هي مليئة بمعلومات طبية عن مضار المخدرات بأنواعه. هم هؤلاء (متعاطي المخدرات) عادة يتبعون فلسفة عدمية أو وجودية في حياتهم بحيث ينظرون إلى الحياة كأنها مشاعر فقط وهي الغاية عندهم (الهروب من مشاعرهم السيئة إلى مشاعر ممتعة) وهدفهم الرئيسي من العيش.

فكرت طويلاً في هذا الموقف, إلى أن أجرى بي خط تفكيري إلى هذه المسلسلات والأفلام التي تجسد مخدرات ومتاجريه ومتعاطيه تجسداً فخماً لا عيب فيه, يرى فيه ما يرى ويقلد فيه ما يرى من قبل شبابنا وبناتنا, حتى أدى بهم الأمر إلى عدم الخوف من نظرة المجتمع وعقوبة الحكومة القائمة. هؤلاء طبعاً لا شك أنهم يظنون في هذا السن ناهض أن التهور والأنحراف هو عنوان المسيرة, والتعند والمتعة السلبية هي جزء من أنفتاح المجتمع العربي للأفكارعالمية الغربية, لا بل أصبح من واجب المجتمع أن يضمونهم ويحسبونهم قطعة منهم من دون أنتقاد ولا التدخل, النصح أصبح تدخل في شأن ما لا يعنيك عندهم, والعبر أصبح أخطاء أغبياء من قبلهم وهم على أساس أذكى من الذين ماتوا جراء زيادة الجرع وأكتساب الأمراض القاتلة.

هذه الأفلام والمسلسلات الذي يكون أبطالها والشخصيات المؤثرة فيها متعاطي ومتاجري المخدرات قد ترك أثراً مطبوعا عند صغار مجتمعنا فردياً وغير منظور المجتمع نحوهم. نعلم تمام العلم بأن أغلبية هؤلاء متعاطيين هم أشخاص عادييون لا يعانون من أمراض نفسية ولا جسدية (قبل التعاطي) وإنما يريدون الوصول إلى النشوة طوال فترة وعيهم, لكن المعرفة يا أخي القارئ هو أن تعلم بأنهم يأخذون شهوة ثانية منه وهو نظرة المجتمع لهم نظرة الأحترام, نظرة التهور والمرونة, نظرة الشجاعة والقوة, ونظرة العناد والنقاض ضد الحكومة والأنظمة, أو على أقل نظرة التمييز والأختلاف عن عادات المجتمع وأشخاص المعتدليين (هذه واحدة من أسباب تعاطيه وهو لأخذ طريق أخر عن الأغلبية لتسليط الضوء على أنفسهم بأنهم مميزون). أنا أعلم بأنه من حقهم أن يفكروا بذلك النحو. الأفلام التي نتحدث عنها له أقبال كبير عند الجماهير ومعجبين أكثر ومقلدين أوسع, فلا شك بأن المتعاطي يستنتج من هذا أن المجتمع يتقبل مثل هذه التصرفات ويحرض عليه. هل يا ترى يتقبل المجتمع فعلاً مثل السلوكيات السلبية المضار له؟ لماذا لا, ما هي المجتمع سوى مجموعة من أناس يشاركون نفس الأهداف ويفكرون بنفس أفكار ويتأثرون لأشخاص حولهم. لا يجب علي أن أزيد الكلمات أكثر من هذا (لغرض النشر وكذلك لا أريد أن أشعرك بالملل), أن المغزى الذي أريد أن أوصله هو بأن هؤلاء المتعاطيين قد تجاوزوا مرحلة التعاطي والنشوة بالأضافة إليه تطوروا ليبحثون عن الشعور بالشهوة الأجتماعية والشهرية (التشهر), من خلال تظاهرهم علناً بالتعاطي يحسبون أنهم أصبحوا فوق مستوى البشر ويظنون بأنهم أمتلكوا شيئا من الشجاعة التي لا يوجد في مجتمعهم الحاضر وسوف يكافئهم الناس على هذا بأحترامهم لهم وبالنظر إليهم نظرة العبيد لأسيادهم.

لا شك في أيامي القادمة سوف يعرفني الزمن على كثير منهم, أسوء حالاً من هذه الأشخاص بالتأكيد, في عملي, هههه, لا بد أن يوجد. أتصور فقط معاناة المرضى الذين يحقنوهم بالماء والملح بدل من المسكنات الذي يجب أن يساعدهم في أسوء آلامهم, والذي من واجب مستشفى توفيره لهم, ليقوم هؤلاء ضعيفي الفهم بتعاطيه لراحة من مشاكلهم الوهمية الذي هم تخيلوها. فأعاننا الله على هذه مؤثرات, لا يوجد حول ولا قوة بيد الفرد أن يغير شيئاً من واقع الحال سوى التوعية خالية. الأمر أصبح خارج عن السيطرة.

تقبلوا تحياتي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close