هل تتغير استراتيجية الحركة الكوردستانية؟

جان كورد
08 كانون1/ديسمبر 2019

مرّ أكثر من قرنٍ كامل على اتفاقية سايكس – بيكو في عام 1916 التي حددت إحداثياتها وإطارها المسموح به للعمل السياسي الكوردستاني، ألا وهو العمل ضمن حدود الدول التي تم تقسيم وطن الكورد بينها، إلاّ أن زعماء الكورد لم يرضوا بما تم إملاؤه عليهم لأن هذه الاتفاقية لم تأخذ الوجود الكوردي والطموحات القومية لشعب كوردستان بعين الإعتبار، حتى أن المجتمع الدولي قد انقلب على نفسه على أثر معاهدة سيفر في عام 1920 التي أقرّت في موادٍ منها حق تقرير المصير للشعب الكوردي، فتم إلغاء تلك المواد الصريحة بكلامٍ معسولٍ عن الحقوق الثقافية للكورد في معاهدة لوزان في عام 1923، إلاّ أن الحكومات التركية المتعاقبة والمشحونة بالحقد الطوراني على الكورد لم تحترم نفسها وخرقت ما وعدت به أثناء عقد معاهدة لوزان وانقلب مصطفى كمال “أبو الأتراك” على من ساعده من زعماء الكورد بعد أن كان يضرب أمامهم على وتر “وحدة الأمة والدين” وشرع ينصب لهم المشانق ويمارس بحقهم سياسة الصهر القومي والقمع وكل ما من شأنه إرغام الكورد على الخضوع لنظامه الذي لقي التأييد والدعم التام من الغربيين، رغم عنصريته، على أمل أن تكون تركيا الجمهورية أوّل بلدٍ إسلامي في فلك المنظومة الغربية وسمحت له بارتكاب كل الجرائم ضد الإنسانية في كوردستان، إلا أنّ ثورات الكورد توالت رغم كل الكبت والحرمان ورغم عدم توازن القوى العسكرية والسياسية، وتلت المذابح الكبيرة تلك الثورات، وفقد الكورد قواهم خلال أقل من عقدين من الزمن، وأضطر الزعماء الذين بقوا على قيد الحياة ونجوا من المشانق أن يضعوا استراتيجية تتلاءم مع الظروف المستجدة والامكانات المتاحة للحراك السياسي – الثقافي، وتلخصت تلك الاستراتيجية بضرورة عمل كل جزء من الشعب الكوردي في حدود الدولة التي تم إرغامه على العيش فيها، فظهرت قوى سياسية ومسلحة في اقليم جنوب كوردستان على أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتمت محاولة اقامة كيانٍ جمهوري في شرق كوردستان، واستمر العمل هكذا في أطرٍ شبه منعزلة وكأن القضية الكوردية لم تعد قضية أمةٍ واحدة، بل أقلياتٍ قومية في دولٍ متجاورة، ولكن الأعداء كانوا يتربصون بهذه القوى أيضاً ويتعاونون فيما بينهم، رغم اختلافاتهم ونزاعاتهم الشديدة ومصالحهم المتضاربة، بل كانوا يتخاصمون في كل شيء إلاّ في التحرك معاً ضد حركة التحرر الوطني الكوردستاني. وظلت استراتيجية هذه الحركة هكذا، أي “غير كوردستانية” رغم العديد من محاولات التقارب بين الفصائل الكوردستانية والطموحات المشتركة في العديد من المواقع، وبخاصة في العالم الخارجي، حيث كانت بعض التنظيمات “كوردستانية” إلى حدٍ كبير… كجمعية الطلبة الأكراد في أوروبا مثلاً.

واختصاراً للمقال نقول بأنه يجب إعادة النظر في استراتيجية العمل ضمن الحدود الاقليمية لأن الظروف العامة التي أوجدتها في تغيّر صارخ، والدول التي تقتسم كوردستان تعاني من فقر الدم المالي، وهي معرّضة للإضطرابات والمشاكل العميقة، والقضية الكوردية لم تعد مجرّد قتالٍ لرجالٍ شجعان في الجبال، بل إنها تحوّلت من حالٍ إلى حال، فهي الآن حديث الساعة وتناقش على أعلى مستويات السياسات الدولية وضمن استراتيجيات القوى العظمى بصدد المنطقة، كما نرى غي غرب كوردستان وجنوبها، رغم ما يعترضها من عوائق يصطنعها الأعداء على كل المستويات السياسية والدبلوماسية، فالأوضاع الداخلية في الدول التي تقتسم كوردستان سيئة بشكلٍ لم يسبق له مثيل، ولا حاجة لأن ندخل في التفاصبل التي يعلمها كل ناشط كوردستاني، فما يجري في ايران والعراق وسوريا يمنح الكورد مجالاً للحركة صوب مستوى أعلى من النضال وللتحوّل إلى استراتيجية جديدة تتلاءم مع حجم قضيتهم القومية، وإن تركيا التي كانت على وشك أن تصبح دولة هامة في العالم، إذ بها تفقد لأسباب ذاتية وموضوعية مكانتها المالية والصناعية والسياسية ولم تعد تجذب الاستثمارات الخارجية، فلها سجلً رهيب في مجال الحريات وحقوق الإنسان، وشرعت تفقد رصيدها من أصدقائها في الاتحاد الأوربي ولا يمر يوم إلاّ وتتلقى رئاستها وحكومتها الانتقادات العنيفة من كل الجهات الدولية، وأثبت اجتماع قمة حلف النيتو الأخير مدى العزلة التي تعاني منها تركيا وستضرّ العقوبات الأمريكية والأوربية ضرراً بليغاً باقتصادها وبقدراتها العسكرية وبقطاع السياحة بشكل خاص، بسبب شرائها صواريخ س 400 من روسيا وبسبب سياستها في سوريا وليبيا ومحاولتها تقسيم البحر الأبيض المنوسط بينها وبين حكومة الوفاق في ليبيا، وعلاقة حزب العدالة والتنمية الحاكم على أعلى المستويات بالتنظيمات المشبوهة.

برأيي، أنه آن الأوان للتفكير ضمن حلقات المفكرين والناشطين الكبار في الحراك السياسي – الثقافي الكوردستاني في إعادة النظر في استراتيجية العمل السياسي – العسكري عامةً بما يتلاءم والإطار الظرفي المتغيّر حالياً في السياسة الدولية حيال كوردستان

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close