وجدت لبعضهم فرص عمل وتحدثت مع آخرين:سيدة تقنع أكثر من 4000 عراقي بعدم الهجرة

سعد ناظم

تحركت سندس لطيف السَيفي بين محافظات بغداد والانبار وكركوك وميسان وذي قار والبصرة متحملة ثقل سنوات عمرها الخمسين وتعب السفر وشُح الدعم المادي، للوقوف مع الشباب الذين رغبوا بالهجرة وثنيهم عن تلك الفكرة بتوفير بدائل مناسبة.

واليوم تشاطر السيفي عائلة نذير يونس جلسة إعداد الطعام وهي تلف أكلة “الدولمة” مستذكرة الجهود التي بذلتها من أجل ثنيهم عن مغادرة العراق .

يونس الرجل الستيني من طائفة الصابئة المندائيين كان يسكن العاصمة بغداد ويعمل في صياغة الذهب لكنه تعرض الى حادث سطو نجا منه بأعجوبة، إذ دخل عليه أحد الأشخاص المسلحين مستهدفاً سرقة المجوهرات المعروضة. استطاع يونس أن ينجو بحياته واضطر لترك مهنته التي تعرضه للمخاطر وصمم على الهجرة مع عائلته المكونة من ستة أفراد .

يقول يونس حول تلك الأيام ” أكمل أبنائي دراستهم الجامعية لكنهم بقوا بلا عمل باستثناء ابنتي الصيدلانية وعندما أكملنا متطلبات الهجرة الى احدى الدول الأوروبية، عرضت علينا الناشطة سندس السيفي بديلاً بدا لنا معقولاً وهو مكان للسكن في محافظة البصرة مع إيجاد فرصة لي بالعمل محاسباً في إحدى الشركات مع راتب مجزي، ووافقنا على مقترحها وانتقلنا إلى البصرة”

ويضيف حول تلك الخطوة التي غيرت مسار حياته ” بالرغم من مواجهة مصاعب الحياة وتغيّر مكان السكن، إلا أني أشعر باطمئنان لقراري بعدم الهجرة وهذا لم يكن ليحصل لولا جهود سندس السيفي التي قدمت لنا خدمة إنسانية كبيرة لن ننساها أبداً ” .

وبرغم ما يحف حياة النساء من مصاعب ومضايقات تمكنت السَيفي وهي متزوجة وأم لأربعة أبناء وحاصلة على دبلوم فني وأسست منظمة ” تيار المرأة المستقل” تقول حول نشاطها في منع الشباب من الهجرة الى أوروبا “استطعت لسنوات أن أقنع أكثر من أربعة آلاف شاب عراقي في العدول عن فكرة الهجرة، وبعضهم حجزوا تذاكر السفر أو اتفقوا مع مهربين للوصول الى أرض الأحلام المرتقبة لكنني تمكنت من تغيير رأيهم”.

وحول مساعيها تلك تقول “لقد عملت في الكثير من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وفي مجال الصحافة والإعلام واكتسبت القدرة على فهم الأمور والإقناع بصورة سليمة. بينما لفتت نظري الأعداد المتزايدة من شبابنا من طالبي الهجرة، وهم يفكرون إنهم سيجدون في البلدان الأوروبية وامريكا وغيرها مستقبلا أفضل بعد أن ضاقت بهم سبل العيش وعدم توفر الحياة الآمنة في وطنهم”

وتضيف حول مغريات الهجرة ” قلوب الشباب تغلي بالحماس ولديهم طموحات كبيرة يحلمون بتحقيقها خاصة أنهم يسمعون ويشاهدون أمثلة ناجحة ممن هاجروا وحققوا لأنفسهم موقعاً جيداً خارج العراق سواء بإكمال دراساتهم الجامعية أو في العمل، لكنهم في المقابل يتغافلون عن اعداد كبيرة أخرى أخفقت في بلدان المهجر”

استطاعت السَيفي التوفيق بين عملها وواجباتها العائلية إذ كرست أغلب وقتها للعائلات والشباب الذين أصرّوا على الهجرة، وكانت تلاحظ أن البعض من العائلات سافرت لظروف قاهرة مثل تأثير الأوضاع الأمنية في مناطقهم وعدم الاستقرار، بينما فضل البعض الآخر البقاء وعثروا على حل لمشاكلهم الحياتية ليكونوا عناصر فاعلة في مجتمعاتهم

أحمد الكلمشي في السبعة والعشرين من عمره انهى دراسته بتفوق وبعد التخرج أكمل كل متطلبات الهجرة عله يجد بصيص أمل في مواجهة البطالة التي عاشها ومخاطر النزاع الطائفي الذي اجتاح العراق، فرسم في مخيلته الحياة الجديدة وأن يترجم أفكاره الى عمل، لكن ظهور سندس السيفي في طريقه غير كل شيء .

ويقول ببعض الخجل” تواصلت معي الناشطة السيفي وهي تحاول اقناعي بعدم الذهاب بينما كنت مصراً على الهجرة، إلا أنها كانت لي معلمة ومرشدة، وبفضل مشورتها استطعت أن أتدبر لي عملاً في أحدى شركات النفط وبراتب مجزٍ.

الكلمشي الذي تخرج من معهد النفط يواصل طموحه بإكمال دراسته في كلية الهندسة وهو حالياً في المرحلة الثالثة قسم الميكانيك. يقول حول ما حققه ” سعيد جداً في الوقت الحالي لعدم هجرتي الى أوروبا. ربما ما كنت سأحصل على فرصة مشابهة. لقد كانت السيدة سندس خير ناصحة “.

توني روني ساركيسيان يتألم حينما يذكر هجرة الكثيرين من أحبائه وأقاربه من طائفة الأرمن في السنوات التي خلت حتى لم يبق إلا القليلون منهم، فأنقطع بذلك صوت أجراس قداس الكنائس في مدينته البصرة التي ولد وترعرع فيها.

الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة والعشرين يقول عما حدث ” بعد ازدياد هجرة العائلات المسيحية بصورة كبيرة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، قررت الانضمام لقافلة المهاجرين وكنت على علم أن الطريق صعب جداً، لكن السيدة سندس السيفي كان لها رأي آخر ولا أنسى موقفها وتقديمها المساعدة المعنوية لي وحجج الاقناع المنطقية، كون حياة المهجر ليست سهلة كما يتصورها البعض والعراق بحاجة الى ابنائه “.

ينشط توني حالياً في مجال التنمية وحقوق الإنسان، ويعمل على تطوير مجتمعه المحيط به بعد أن واجه مصاعب وظروف كادت أن تدفعه لحافة اليأس، لكنه قرر أن يتحمل المسؤولية كمواطن فاعل ويعمل على بناء مجتمع متعاون .

وبرغم كل ما تواجه السَيفي من عراقيل ومشاق ونظرة المجتمع الضيقة فأن بقاء توني ويونس والكلمشي وآخرين ممن منحتهم فرصة جديدة للإيمان بواقعهم وضرورة تغييره نحو الأحسن يؤكد على أنها تسير في الاتجاه الصحيح. وبفضلها تمكنت بعض العائلات المهاجرة من العودة إلى العراق، وتحتضن البصرة بعضها مرسلة إشارة ايجابية للآخرين الذين انهكتهم الغربة .

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close