العشائرية ورقة عثمانية بعثية

الخليل علاء الطائي

في مقالنا السابق (البعث وراء الأكمة وبين السطور)(1) قصدنا حالتين من التدخلات الخارجية للدول التي لها مصالح في تدمير العراق بالإعتماد على الأطراف الداخلية لتنفيذ هذا المُخطط سواءً في مراحلهِ التمهيدية (الناعمة) أو الدموية اللاّحقة وفي مقدمة تلك الأطراف ما يُسمى بالخلايا النائمة وأخطرها حزب البعث وذلك لأن هذا الحزب وُجِدَ بالأساس لتنفيذ هذه المُخططات وخدمتها عند الطلب، وأشرنا إلى سوابق هذا الدور دون الحاجة لإعادة ذكرها من جديد. لكن الجديد الآن هو أن هذه الخلية النائمة تحركت طبقاً للمخطط المرسوم لها.

وللأطراف الدولية تقديرات مدروسة بعناية للواقع العراقي الجديد بعد التغيير؛ فحزب البعث لم يُحاسب على جرائمه طوال تأريخه في الحكم ولم يُجرَّد من السلاح الفردي، فهو تنظيم وميليشيا نائمة،

ويمكنه إعادة تجميع قواه في أيَّة لحظة, وقد تم ذلك الآن كما تدل الأحداث، ولأنه يُتقن جميع الأساليب الخبيثة التي تجعله يتغلغل بين المجموعات البشرية وقراءة مطاليبها ومن ثم تحريفها لأهداف المُخططات الدولية في المنطقة، فضلاً عن خبرته في خداع الجماهير بالتضليل الإعلامي والتزوير و الإنقلابات العسكرية.

ومن أجل دعم تلك المُخططات توجيه الشعارات بإتجاه إيران, ففي هذا التوجه يكسب البعثيون حلفاء أقوياء هم أمريكا وإسرائيل والسعودية وتستطيع هذه الدول أن تحسب البعثيين كقوة جاهزة بديلة للحكم الحالي في العراق، وقد صدرت تصريحات من الجانب الأمريكي بهذا الشأن.

ليس هذا الكلام بدعة أو دعاية إعلامية ولا خوف من عودة البعثيين لحكم العراق فذلك حلم ليلة صيف يتمناه البعثيون كلما تذكروا يوم سقوطهم، وما أسهل السقوط عندهم، لكنهم الآن يتحركون كما بينّا.

نحن نعيش في عصر الصورة وفلسفتها وعصر الحرب الإلكترونية. في هذه الحرب يمكن خلط الأوراق وتضبيب الرؤية وتدمير الوعي الجمعي للشعب وهو يتلقى موجات من الأخبار المُزيفة والوقائع المشوهة والتي تستهدف حالته النفسية وتضعه أمام واقع مُضطرب وعُقد مُستعصية لا أمل في حلِّها.

وهنا يتساءل المواطن عن العقل المُوَجِّه لهذه البرامج التحريكية والتخديرية والتشويشية. المُوَجِّه الأعلى أكبر من البعثيين ولكنهم جزء وسيط وله أدوار مكشوفة بسهولة.

في حالة العراق نرى أن المُوجِّه الأعلى ووسيطه البعثي لم يقرآ طبيعة المُجتمع العراقي, أو قرأها الوسيط حسب عقليته السطحية القديمة كتوظيف الصورة الإعلامية لبث فكرة أن الإنتفاضة شيعية وضد الشيعة والأهم من ذلك بث الصورة التي تُركِّز الإنتباه على المشهد العشائري؛ موكب تشييع جنازة, جلسة في مضيف عشائري, (شيخ) يوزع سندويجات الشاورمة (الكص) في ساحة التحرير.

والمُلاحظ أن ورقة العشائرية غطت المطالب الأصلية بالإصلاح وحلَّت محل الهدف المُتمثِّل بتطوير الديمقراطية ومكافحة الفساد وإلغاء نظام المُحاصصة في إدارة الحكم.

إن لافتة العشائرية تُرفع الآن بصور غبية وهدف واضح هو خلط الأوراق وتضبيب رؤية المواطن المشدود إلى الفضائيات ليل نهار.

المُستهدف بهذه السياسة الإعلامية هو التغيير الذي حصل في المُجتمع العراقي، والنقلة التأريخية من أعتى دكتاتورية في التأريخ إلى الديمقراطية، نعم هناك أخطاء في التطبيق ولا بد من إصلاحات جذرية للتقدم بتعزيز الديمقراطية وأنظمتها الدستورية وأجهزتها الرقابية ومُجتمعها المدني.

وهكذا نرى أن الأفكار البنّاءة في هذا الإتجاه جاءت ومازالت تأتي من مُثقفين خارج المظاهرات وساحة التحرير؛ وإضافةً إلى ماذكرنا حول تطوير الممارسة الديمقراطية لابد أن يقترن ذلك بقوانين تَحدُّ من الأساليب العشائرية المُترسبة منذ عصر الإقطاع والتي أخرجها صدام من سباتها وإستخدمها لتأييد حكمه وحروبه.

نقول أن الوسيط البعثي الذي يرفع لافتة العشيرة الآن لم يقرأ التأريخ كما قرأه علي الوردي، فالعشائرية ورقة إستخدمها العثمانيون للوقوف ضد الإنكليز في ما سمي ثورة العشرين بشعار الإسلام ضد الكفار، والحقيقة إبقاء النظام الإقطاعي في العراق.

وقد أدرك الإنكليز هذه الغاية فإعتمدوا على الإقطاع مع تأسيس دولة مدنية تابعة لهم.

للإعلام دوره الفعّال في خلط الأوراق مُستهدفاً تدمير النسيج الإجتماعي والوعي الجمعي وزرع الشكوك في تصوراته لمستقبله وذلك عن طريق الصورة وحالات إنتاجها؛ الفبركة، التحوير، التحريف، التركيز على مقطع حزين أو دموي، وضع النص الخبري على مقطع من مكان آخر, تكرار الخبر والصورة عشرات المرات في اليوم ولعدة أيام، توقيت البث الصوري والنشر الخبري ليتزامن مع أحداث داخلية كنشر الدمار أو الإنفجارات في بلد بالتزامن مع أحداث داخلية لاعلاقة لها بالخبر الخارجي سوى الدوافع النفسية التدميرية، وأحياناً يلجأ الإعلام الخبيث إلى تحجيم الأخبار التي لاتندرج ضمن توجهاته المُغرضة وقد لاحظنا ذلك بوضوح إبّان إنتفاضة الشعب السوداني حين أحجمت قنوات الجزيرة والحدث والعربية والشرقية عن تغطية تلك الأحداث أو نقل بعض المشاهد العابرة منها والتي لاتمس جوهر الحدث المباشر؛ فكان تركيز هذه القنوات على لقاءات المسؤلين الذين رفضهم الشارع أمثال البشير.

وهناك لُغة إعلامية مُركبة من ظاهر الخبر وباطن الخبر في تتالي صورتين مثالها؛ فيديو لرئيس الجمهورية يستقبل ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة يتداخل مع هذا الفيديو صورة أحد (الشيوخ) يقود مسيرة عشائرية أو إمرأة تتكلم في الشاشة بصوت غاضب وتُهدد بإصبعها. ناهيك عن صور التشييع وحرق الإطارات أو مشهد الصبية الذين يُلقون الحجارة على الجنود ورجال القوات الأمنية التي تحميهم.

ولهذا المشهد أهمية بالنسبة للإعلام الخليجي والإسرائيلي بالذات فهو يُذكرهم بالإنتفاضة الفلسطينية ضد المستوطنين الإسرائيليين.

ويتواصل تكرار الفيديوات الخبيثة لأيام حتى تُستهلك وتُنتج غيرها.

توضِّح لنا الصورة التلفازية اليومية، خصوصاً في القنوات البعثية؛ تغلغل موجات من كبار السن خلف واجهات حقوقية وعشائرية، وقد يتساءل المواطن العراقي عن ماهيَّة مطالب هؤلاء؛ أيريدون تغيير الدستور لأجل ترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية وحقوق المرأة والتعليم والصحة؟ من المؤكد أن هذه المصطلحات لايفهمونها ولا تعنيهم.

أم يريدون إعادة قانون العشائر وتغيير قانون الأحوال الشخصية لعبودية المرأة؟

قد تتضمن مطالبهم هذه العبودية بشكل غير مُباشر, في نفس الوقت لايعنيهم الدستور ولا الإنتخابات.

هؤلاء الشيوخ هم (رفاق الأمس)أعضاء الفرق والشُعب الحزبية, وفي الصورة عجائز (إتحاد نساء العراق سابقاً) الذين أمنوا العقاب ونزلت عليهم الأوامر بركوب موجة الإنتفاضة الشبابية. هؤلاء مُزيفون ولا ينطلي زيفهم على العراقيين الذين يُميِّزون هوية الشخص من مظهره الخارجي قبل كلامه.

في مسيرة (عشائرية) في البصرة ضمّت أمثال هؤلاء نلاحظ الوجوه لشيوخ مصبوغي اللِّحى والشوارب.

ونلاحظ الكوفيات الجنوبية (اليشماغ ذو التشبيك بالأسود) والعقال السميك الخشن؛ بينما يرتدي البصريون، على الرأس، الكوفية البيضاء في الصيف والحمراء (المُشبَّكة بالأحمر) في الشتاء، إضافةً إلى نوع وسُمك العِقال الذي يوضع على الكوفية، فالعِقال البصري من النوع الخليجي (الرفيع) ويمكن تمييز الشخص بهذا الزي بأنه (سنّي)، كما نلاحظ سيادة هذا الزي في مناطق الزبير وأبي الخصيب والفاو وغيرها وفي المناطق الشمالية الغربية من العراق.

إذن من أين جاء هؤلاء المتظاهرون؟

إمّا أنهم لايجيدون التزوير بالزي والمكياج لسطحية عقولهم، أو أن الفيديو يعود لمظاهرة قديمة أو حصلت في مكان آخر. مازال الإعلام البعثي يعتاش على الكذب والتزوير رغم تطوُّر تقنيات الصورة الإعلامية.

وأخيراً عادت مشاهد الخيَّم والمضافات ولكن بصبغة شيعية هذه المرة وبتوجيه و(دعم) الموَجِّه الأعلى والوسيط البعثي، جاء دور هذا الوسيط بعد نفاد وساطة داعش والطرف السني التقليدي وهو بإنتظار طور جديد لكي يلتقي مع شيوخ الجنوب (رفاق) الأمس.

كانت المضافات والإعتصامات (السنيَّة) تمول من دولةٍ خليجيةٍ كما ذّكر في بعض المصادر.. فمن يُموِّل هذه المُخيمات؟

وأخيراً إستيقظت نبرة الأمة العربية والبوابة الشرقية من جديد وستكون مادة المقال القادم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close