الحضارة السومرية .. إختراع المستقبل

بقلم : عضيد جواد الخميسي

تخيّل شيئاً لم يخطر في بال أحد من قبل . فإذا كان هناك شخص يحمل كتاباً بين يديه ، ممكن أن تتخيله كتاباً إلكترونياً
، أو كتاباً ورقياً مطبوع ، ولربما يكون كتاب مصوراً ، أو .. أو .. إلخ . ولكن كيف يمكن للمرء أن يتخيل كتاباً في عالم لا يوجد فيه حتى مفهوم “الكتاب ” ؟!! .

أيضاً ، تخيل يومك يمرّ دون توقيت ، ستجده يوماً عصيباً ، لأنك وغيرك من الناس يعيشون من خلاله ، والوقت يوجّه مجرى أيام
الناس . يستيقظ معظم الناس من النوم صباحاً في ساعة معينة . فمنهم من يذهب إلى عمله ، أو إلى مدرسته ، وآخر الى موعده . وفي ساعة أخرى ، يأكل الناس في أوقات منتظمة ويقضون حاجاتهم اليومية المختلفة ، ومن ثم يذهبون إلى النوم في ساعة من ساعات الليل .

تحدث جميع هذه الفعاليات والانشطة يومياً بناءً على دوران الساعة . أما قديماً ، رغماً من أن الزمن كان يمضي ، ولكنه دون
توقيت ! .

اخترع السومريون في بلاد الرافدين القديمة كل من الوقت والكتابة ، والكثير من الأشياء الأخرى في حياتنا اليومية ، وذلك
منذ أكثر من 5000 سنة تقريباً. وقبل زمن وجود السومريين ، كان يوم الناس يبدأ مع شروق الشمس وينتهي بغروبها . يذهبون الى أعمالهم مع بزوغ أول خيوط الضوء ، ثمّ يعودون إلى منازلهم قبل ان تسدل الشمس ستائرها .

كان السومريون هم الذين قسمّوا اليوم الى الليل والنهار حسب الزمن ، بزيادات مدتها 60 ثانية في كل دقيقة ، و60 دقيقة في
كل ساعة ، والتي كانت تشكل 12 ساعة في الليل و 12 ساعة في النهار ، وبالتالي نتج 24 ساعة في اليوم الواحد من الليل والنهار معاً .

في كتاب سفر التكوين التوراتي ، الأصحاح الأول ـ 5 ، نصّ على : ” ودعا الله النور نهاراً، والظلمة دعاها ليلاً . وكان
مساء وكان صباح يوماً واحداً “. إذا قبلنا بدور الله في خلق ظاهرتي الليل والنهار ، ونرى أنه كان عملاً جبّاراً لا يجرؤ أحد ان يشكّ فيه ، فإن السومريين قد رأوا ذلك أيضاً ! . ولكن من العدل ان نقول ، ليس هو الله الذي جمع الليل والنهار في يوم واحد ! ، ولم يقسّم اليوم
إلى ساعات ودقائق وثوان ، بل كان السومريون وحدهم من فعل ذلك كله ، ولا أحد سواهم !.

اختراع المستقبل

سومر ، هي منطقة جغرافية في جنوب بلاد الرافدين للفترة مابين عام 5000/ 4500 وعام 1750 قبل الميلاد ، والتي كانت تضم كل
من العراق والكويت في الوقت الحاضر . هذه الأرض ، كانت مأهولة قبل عام 4500 ق .م ، من قبل مجموعات بشرية متفرّقة مجهولة الأصل ، أطلق عليهم علماء الآثار تسمية ” شعب العبيد ” أو ” شعب الرؤوس السوداء ” ( حيث كشفت التنقيبات الاثرية عن وجودهم لأول مرة في أوائل خمسينيات
القرن الماضي) .

يُعتبر شعب العبيد أول مؤشر للحضارة في المنطقة ، كونهم امتلكوا بعض المعارف الأولية للعديد من الأشياء التي كانوا يستخدمونها
في حياتهم اليومية ، واتضح ذلك من خلال الأدوات والمشغولات الطينية التي تركوها وراءهم . لكن لم يكن لدى شعب العبيد نفس درجة المهارة والإبداع مثل السومريين الذين جاءوا من بعدهم . السومريون مسؤولين عن اختراع العديد من متطلبات الحياة المعاصرة التي غالبا ما يعتبرها
العلماء والباحثين ، أمراً مفروغاً منه .

في كتابه ” التاريخ يبدأ في سومر” ، يدرج صموئيل نوح كريمر 39 منجزاً من الأشياء الأولى التي انبثقت عن الحضارة الإنسانية
والثقافية السومرية . وشملت قائمته التالي :

[ أولى المدارس ، ثقافة “التملق والاطراء” الاولى ، القضية الأولى في جنوح الأحداث ، أول ” حرب الأعصاب ” ، اول مجلسين
للتشريع ، المؤرخ الأول ، أول تخفيض ضريبي ، أول شخصية لموسى ، أول الدساتير، أول وصفة دواء ، أول تقويم للمزارعين ، أول تجربة زراعة أشجار الظل ، أول عالم في الفلك ، أولى المُثُل العليا في الأخلاق ، أول ” وظيفة ” ، أولى الحِكَم والأقوال ، أولى التراتيل ، أولى
الخرافات عن الحيوان ، أولى النقاشات والحوارات الأدبية ، أول شخصية لنوح ، الحكاية الأولى عن القيامة ، الكاهن الأول ، أول استعارة أدبية ، أول شهيد ، الإله الأول ، أول قصيدة في الحب ، المكتبة الاولى ، الملك الأول ، أول مرض اجتماعي ، أولى طقوس الصلاة ، أول قاض
، أول سباق للمسافات الطويلة ، أول لوحة فنية ، أول رمز للجنس ، أولى أحزان الأمهات ، أول تهويدة ، أولى المرثيات ، أول انتصار للكادحين ، أول حوض للأسماك ] .

بالإضافة إلى تلك الإنجازات ، هناك مجالات عديدة اخرى أيضاً ، منها : الاختراع الأولي للوقت ، نظام الأرقام ، زوايا الدائرة
والأشكال الهندسية المختلفة ، العربات ذات العجلات المنفردة ، لعب الأطفال ، الكتابة ، أدوات الكتابة ، استثمار الرياح ، تدجين الحيوانات ، التطورات الزراعية ، الرّي ، التقدم في الطب وطب الأسنان ، التصاميم المعمارية والتوسع العمراني . كما يبدو أيضاً ، أن السومريين
قد اخترعوا مفهوم ” حرب الحصار” ، وربما تكتيك أو سياسة ” الأرض المحروقة ” الذي استخدم بفعّالية خلال الاشتباكات العسكرية منذ ذلك الحين .

اكتشاف سومر

انعكست تلك المنجزات السومرية عند الناس في الوقت الحاضر لبعض الفوائد لما ابتدأه الإنسان القديم . الساعة التي تُخبر
الشخص متى يستيقظ ليغادر سريره ، أو المركبة التي تنقله لقضاء حاجته ، الصحيفة أو الكتاب الذي يقرأه ، القوانين والانظمة التي يطبقها ويلتزم بها كي يعرف حقوقه وواجباته ، العلاج الذي يتلقاه ليشفى ، الطعام الذي يتغذى عليه ، المسكن الذي يعيش فيه .. هذه وغيرها من الممارسات
المعتادة التي كانت بداية فكرتها قد نشأت مع السومريين .

كتب عالم السومريات صموئيل نوح كريمر في كتابه ( التاريخ يبدأ في سومر ـ الذي صدر عام 1956م) عن آثار السومريين ، في المقطع
التالي :

“حقيقة واحدة لايعرفها الكثيرون ، قبل قرن واحد فقط لم يكن هناك شيء معروف اسمه (السومريون القدماء) . لم يبحث علماء الآثار
الذين بدأوا منذ حوالي مائة عام في ذلك الجزء من الشرق الأوسط المعروف باسم بلاد الرافدين عن السومريين ، بل عن الآشوريين والبابليين ، عندما كانت لديهم معلومات ذات أهمية من خلال المصادر الاغريقية و العبرية عن تلك الشعوب وحضارتها ، ولكن عن تاريخ سومر والسومريين
لم يكن لديهم أيّة معرفة . لا يوجد لهم أيّ أثر على الأرض ، ولا حتى أيّة إشارة عن شعبها في الأدب الرافديني القديم بأكمله كي تقدم الفائدة للعلماء في التعرّف على التاريخ السومري . لقد مُسح اسم سومر بالذات من عقل وذاكرة الإنسان الرافديني لأكثر من ألفي عام . ومع
ذلك ، يُعدّ السومريون اليوم أحد أشهر الشعوب القديمة في الشرق الأدنى . نحن عرفنا أشكالهم من خلال التماثيل والمنحوتات الخاصة بهم ، ومن خلال المسّلات التي تضمّ دساتيرهم ، وجميع تلك اللقى منتشرة في العديد من المتاحف العالمية… علاوة على ذلك ، فإن الألواح السومرية
الطينية التي وصلت أعدادها إلى عشرات الآلاف (حرفياً) ، منقوشاً عليها وثائقهم التجارية والقانونية والإدارية ، والتي تربعّت صدارة عروض المجموعات الأثرية التاريخية المختلفة عند المتاحف العالمية ، وهي فرصة جيدة تتيح لنا الكثير من المعلومات حول الهيكل الاجتماعي
والتنظيم الإداري للسومريين القدماء “.

ان اكتشاف سومر جاء عن طريق الصدفة ، وذلك لأسباب الفضول القوي الذي دفع بمجموعة علماء الآثار والباحثين الذين أشار إليهم
خبير السومريات صموئيل نوح كريمر، في التقصي عن حقيقة تاريخ بلاد الرافدين والأحداث السيئة التي رافقته في كل من بابل ونينوى المذكورتين في كتاب التوراة .

هكذا كان البابليون والآشوريون معروفين لدى علماء القرن التاسع عشر ، لذلك ، فانهم قد بدأوا عمليات التنقيب في محاولة
لتأكيد تاريخ القصص التوراتية مثل قصة الطوفان الكبير وقصة آدم ، وعن حقائق مملكتي بابل وآشور في الكتاب المقدس ..

الإشارة الوحيدة إلى سومر في كتاب التوراة ، هي ” أرض شنعار” (سفر التكوين 10: 10) ( وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد
وكلنة ، في أرض شنعار ) ، و تكررت هذه العبارة في أماكن متفرقة منه ، وقد فُسّرت على أنها الأرض التي تحيط بابل .

ظلّ هذا المفهوم سائداً لحين تمكن عالم الآشوريات الألماني غول أوبيرت (عام 1825-1905 م) من تحديد مكان أرض شنعار التي
ورد ذكرها توراتياً في منطقة جنوب بلاد الرافدين والمعروفة باسم ” أرض سومر” ، و أيضاً ، عندما أكتشف بأن الكتابة المسمارية في الأصل كانت هي كتابة سومرية .

تلك الاكتشافات ، اعتبرت صادمة ومذهلة للعلماء والعالم أجمع في ذلك الوقت ، بالمقارنة الغير المنطقية مع قارة أطلس أو
أطلانتس الاسطورية التي تحدث عنها أفلاطون ، و ليس هناك درجة من درجات المقارنة في اكتشاف جزيرة برمودا ـ منطقة الكاريبي ـ مع اكتشاف بلاد سومر . إذ لم يعلم أحد اطلاقاً ، بأن سومر كان موجوة أصلاً في بلاد الرافدين ومنذ آلاف السنين .

أيًّا كان الأمر، فلم يكن أوبيرت أول مستكشف أوروبي قد اهتّم بتاريخ بلاد الرافدين و الكتابة المسمارية ، بل كان الرحّالة
وتاجر المجوهرات الفرنسي “جان شاردين ” (عام 1643-1713 م) هو الآخر الذي استكشف المنطقة وكتب عن أسرارها في كتابه ” رحلات في بلاد فارس” ، الذي نشر في عام 1686 م . كان شاردين أول أوروبي اكتشف العلامات الغريبة التي شاهدها على ألواح من الطين وعلى بعض الأطلال القديمة
، حينذاك ، أدرك بأنها لم تكن مجرد زخارف أو رموز صورية ، بل كانت نظام متقدم للكتابة .

على الرغم من ذلك ، لم يكن أحد يعلم أكثر مما اكتشفه شاردين قبل منتصف القرن التاسع عشر ، إلا أن الباحثين وعلماء الآثار
أمثال ، وليام كينيت لوفتوس (1820-1858 م) ، وجورج سميث (1840-1876 م) ، و روبرت كولدوي (1855-1925 م) ، وهنري كريسويك راولنسون (1810-1895 م) ، قد بذلوا جهودا استثنائية في تسليط الضوء على حضارة سومر القديمة ، وعلى الكم الهائل من إنجازات الشعب السومري .

الأدب السومري والكتاب المقدّس ( التوراة )

قبل اكتشاف وفك شفرة النص المسماري ، فَهم الناس أصول بعض جوانب الحياة القديمة بطريقة مختلفة تماماً . كان يُعتقد أن
الكتابة قد نشأت في فينيقيا ، والتوقيت في الصين ، والمدارس في اليونان ، وأول قصيدة في الحب كانت للملك سليمان .

كان العهد القديم من الكتاب المقّدس يُعتبر أقدم كتاب في التأريخ ، ولكن عالم الآشوريات الألماني فريدريك ديليتش (1850-1922
م) قد نسف تلك الفكرة ، بناء على العمل المشترك الذي قام به مع عالم الآثار البريطاني جورج سميث في اكتشاف بعض الحقائق ، خلاصتها ، على أن السومريين قد كتبوا قصصاً تتعلق بنزول الإنسان الأول وحدوث الطوفان الكبير قبل كتابة سفر التكوين . عالم الآثار البريطاني بول
كريفاشيك ، كتب التعليق التالي حول هذا الموضوع :

“وهكذا ثبت أن تلك القصص كانت مذكورة قبل فترة طويلة من كتابة سفر التكوين ، وذلك عندما كتب الناس القدامى في بلاد الرافدين
قصة عن الطوفان الكبير الذي حدث بموجب مرسوم إلهي لتدمير البشرية . إذ سرعان ما تم اكتشاف نصوص أخرى أعطت روايات مماثلة بسيناريوهات متعددة ، وفي لغات مختلفة – السومرية ، الأكدية القديمة ، البابلية -. وأن الرواية الأقدم ، وجدت على لوح عثر عليه في مدينة نيبور ،
يعود تاريخه إلى حوالي عام 1800 قبل الميلاد وكتب باللغة السومرية ، وكان من أخذ دور نوح في القصة ملك مدينة شوروباك السومرية ، يدعى (زيوسودرا أو زودسورا )، وهذا يعني (أنه شاهد الحياة )، لأن الآلهة قد منحته الخلود . وفي وثيقة أخرى ، كُتبت هذه القصة في القرن السادس
عشر قبل الميلاد باللغة الأكدية ، وكان بطل الرواية (أترا هاسس)، ومعناه (الحكيم جدا) “.(ص69 ).

الاستنتاج

لربما يُنسب إلى السومريين الكثير من الأساطير المثيرة لأغراض دينية بحتة ، في محاولة لإثبات الحقيقة التاريخية للكتاب
المقدّس . غير ان علماء الآثار والباحثين في القرن التاسع عشر الميلادي قد اكتشفوا ، بأن القصص التوراتية التي ذاع صيتها بين الناس باعتبارها حقائق ربّانيّة مطلقة ، ما هي إلا تفسيرات مستعارة من الأدب السومري ! .

كما لوحظ أيضاً ، ان تأثير السومريين ، ليس فقط في ظهور الديانات اللاحقة ، بل أن اكتشاف حضارة سومر ،غيّرالطريقة التي
كان يفهمها الناس عن الماضي في الوقت الحاضر ، وذلك من خلال اختراعاتهم وابتكاراتهم عندما وضعوا اللبنة الاولى من التقدم والابداع في خدمة الحياة اليومية للبشر .

كان السومريون قادرين على التفكير في أشياء لم تكن معروفة أبداً من ذي قبل ، وإذا أردنا التعبير عن مدى عبقريتهم ، نقولها
وبصوت عال ، ” هم الذين اخترعوا المستقبل ” …

————————————————

صموئيل نوح كريمر ـ التأريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.

بول كريفاشيك ـ بلاد الرافدين وميلاد الحضارة ـ سانت مارتن كرفن للطباعة ـ 2010 .

جان بوتيرو ـ الحياة اليومية في بلاد مابين النهرين القديمة ـ
مطبعة جامعة جونز هوبكنز ـ 2001 .

سوزان وايز باور ـ تأريخ العالم القديم ـ نورتون وشركاؤه للنشر ـ
2007 .

جويندولين ليك ـ بلاد الرافدين ـ بنجن للكتاب ـ 2002 .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close