بين كلمتين .. الليل

بين كلمتين .. الليل
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إن الرواية الشعرية أو الشعر الروائي لهما تاريخ فسيح منذ األساطير اليونانية ومنذ
الخالد ) شكسبير ( ، حيث تجتمع روح الشعر مع السرد الروائي وقد يتخلله أحيانا ،
فيعطي مساحة شاسعة للكلمة ويطلق العنان لخيال القاريء إلى ما هو أبعد من
الحدث الدرامي .
للمترجمة الدكتورة ) رابحة الناشيء ( إحساس شعري بالكلمة والصورة لذا إختارت
كتاب الشاعر والروائي الفرنسي ) جورج بونيه ( بين كلمتين .. الليل . وكانت
ترجمتها قد أعطت حق البعد األدبي للرواية الشعرية أو القصائد المروية ، حيث
تسلسل الشاعر في روايته لحالة حبيبته التي أصيبت بمرض شديد الصلة
) بالزهايمر ( ، فإنتقلت السيدة ) سوزان ( من مرحلة الوعي لألشياء واألحداث
والطبيعة إلى مرحلة الالوعي والالذاكرة ، لكنها بقيت الزوجة والحبيبة بالنسبة
للشاعر .
كان وصف الشاعر من خالل النقالت الشعرية أحيانا ومن خالل التسلسل الروائي
أحيان أخرى وصفا رائعا وتنقال رشيقا ما بين القصيدة والرواية ، فهو يصف جلوس
السيدة ) سوزان ( على السرير وعلى الطاولة وحركة يديها ، تنقلها ما بين الغرف
والحديقة في المصحة التي عاشت فيها في سنواتها األخيرة . كان يصف كل شيء
في المرأة وكل فعل ، مثل وضع الدبابيس في شعرها حيث أصبح كل فعل تقوم به
غامض ومعقد ، وكيف تغيرت نظرتها لألشياء شكال ومضمونا ، وتغيرت نظرتها
للحياة وللطبيعة وألجزاء جسدها . كان الشاعر الذي أحبها لعقود هو ذاكرتها وكانت
لعدم إحساسها باألمان والثقة بالنفس تطالب دائما بالعودة إلى البيت .
كان الشاعر بونيه يصور بشكل إنسيابي جميل نوع المعاناة التي يعاني منها مرضى
) الزهايمر ( والمحيطون بهم ، وكيف تنسلخ الحياة من حولهم شيئا فشيئا وتموت
األشياء واألشخاص واألسماء لديهم قبل أن يقترب الموت منهم .
يقول الشاعر : –
في قلب الحديقة تتجمع الحياة
حمام بري على العشب الذي أصبح هادئا بحلول المساء
وعلى بعد خطوات من الممر الكبير ضوضاء الحصى
كانت تحب المشي في الريف
الموسم على مدى النظر
الشمس تغزو الحديقة التي تخلت عن أيامها السيئة
هي مع ذلك بوجه عابس حتى المساء
حين كان الشاعر بونيه وهو في التسعين من عمره متمسكا بالماضي وجماله وجمال
الطبيعة وجمال الحب الذي جمعهما لسنوات طويلة .
كان الشاعر يحاول أن يستخرج ) سوزان ( من حالة الالوعي لألشياء وأن يعيد لها
ذكرياتها ، أسماء أوالدها ، ذكريات الدراسة ، ليالي الصيف الجميلة . كان كل شيء
في الماضي حلما ال نهائيا .
يصف الشاعر كيف كانت الحبيبة تستجيب للذكريات ثم تعود وتغطس بألالوعي ..
يقول الشاعر : –
نافذة الغرفة جميلة
أحدثها عن طفولتها ومدرستها اإلبتدائية
روائح حبر وطباشير تجتاح الغرفة
في القاعة المشتركة زائر األحد الوحيد مبتهج للغاية
تأتي بعد ذلك محنة الصمت
دبوسان للشعر يستغرقان بعد ظهر كامل
بليالي الصيف وتواطؤ الزهور كانت تعطس حين نسير بالحديقة
كانت الحياة تبدو حين ذاك بال نهاية
لقد إحتفظت هي بوجهها مفتوحا وسمحت إلبتسامتها بالمرور
ثم بالجفون المغلقة هي تصنع حلما لوجودها
في المسافة الطويلة للغياب
هي ترحل في إنحرافات بطيئة
إنها أخرى من نفسها
يصف الشاعر بنقالت روائية وشعرية إنتقال ) سوزان ( إلى مرحلة عدم إنتظام
اإلدراك الحسي لألشياء من حولها وبضمنها هو
يقول الشاعر : –
اليوم رمادي إنها تستسلم للصمت
كل حديث سيكون عبثا
ي تقول فجأة ليس
لد غير يد واحدة
وتكون قلقة حين يكشف عن يدها األخرى ، قائلة ال أعرف أين أضعها اآلن
هي ال تعرف ال اليوم وال الشهر وال السنة التي نحن فيها
ساعتها لم تفارق درج طاولة سريرها ، فالوقت ليس له أهمية
نالحظ هنا أن الشاعر يتنقل ما بين النفس الشعري والنفس القصصي . ومن خالل
أبياته الشعرية يصف كيف أن محبوبته قد بدأت تفقد الصلة به ، وكيف أن الشاعر لم
ييأس من إنتشالها من الدهليز المعتم الذي تمر به المرأة . ورغم إنطفاء جذوة العقل
والروح إال أن شيئا من الحنان ال زال باقيا يعطي للشاعر األمل بالعودة إلى الوراء .
يقول الشاعر : –
لحظات من الحنان ما زالت باقية
قلت لها بأني أحبها أجابت أنا كذلك
سنجد السماء من جديد
وبعض اإلرتعاشات دون زمن بمساعدة الحديقة
الملل ال وجود له
ال تشعر بالندم وليس لها آمال
اللحظة تتم من ال شيء
هي تقول لنصمت اآلن
تنسحب بجفون مغلقة مبتسمة لليلها
هي تخرج من نومها
وتطرح حقيقة يبدو أنها إقتنعت بها
أنا أخفي شيخوختنا تحت الكلمات
كيف يمكن اإلنضمام إليها
كيث يمكن إجتياز المعبر
يستمر الشاعر في آماله في حين تسقط الحبيبة في هوة عميقة من الالزمان
والالمكان
يقول الشاعر .. الجدار المقابل لعينيها
ماذا يخبيء لحد اآلن
أحاديثي تصل فجأة إلى حد إبتسامتها
أ أنا كلماتي بوضوح محياها ُعدل
لقد كانت تتوقع لحظة
وإنه القلب الذي يتذكر
أيادينا تفهم بعضنا البعض
اليد تستمع لليد
أ في عالم على مقاسها بكلمات من أجل اإلحتفاظ بها ُرافقها
بكلمات تولد تحت اليد
هي لم تعد هي
وأخشى أن ال أكون أنا
أتأملها أنا كما هي
وفي سنها من خالل تلك التي كانت
ينظر الشاعر إلى نهايات محبوبته القديمة ويستمع إليها حتى حينما تصبح كلماتها
متقاطعة أو كتطريز مشوش
يقول الشاعر .. هي تعيش بال شواطيء
إنها تقول كلمات بال نتيجة مثل تطريز مشوش
ليس عليها تقديم الشكر لجسدها الذي يتركها بسالم
هي تفتح يدها
أرى في كفها التوت األسود
الذي جمعته على طول طريق مجوف لكي تقدمه لي
نفهم في نهاية المطاف
ما يمنعنا من فهم ما يحدث
إنها ترتعب في حلمها
الشمس على أشجار الورد
النسيم على وجهها
والجنون المفاجيء بيديها
على الزر األخير من سترتها
تظل جامدة في مكانها
بال سالح وبال دموع
لقد فقد الحنان قدرته
لقد رضخ الشاعر في النهاية بأن الذكريات قد إنتهت وأنهما كانا في الماضي واحد
وأنهما اآلن مختلفان وأن كل شيء يتجهم في رأس محبوبته .
يقول الشاعر .. كل ماهو معروض عليها ليس إال شيئا عابرا
لم يكن هناك صمت حين كنا واحد ا
لم يعد هناك زمن لتصبح األشياء مألوفة
كل شيء يتجهم في رأسها
حين يقارب الموت من ) سوزان ( يطرح الشاعر إحساسه بالموت فيفقد اإلحساس
بالزمان والمكان والحدث ، لكنه يظل الراوية بما يحدث ، فيروي كيف تمر محبوبته
بنفق طويل نهايته الصمت والموت
يقول الشاعر .. مثلما يفعل الليل
هي تبقى صامته مسحوبة نحو الحائط
ماضينا من جديد ، لكن الموتى اليستأنفون دائما حياة ثانية
لم يحدث شيء وال شيء سيحدث بعد اآلن
ال شيء يبتدي وال شيء ينتهي
الزمن منسي
الجسد مكور لم تعد تخاف
اليوم رمادي ، هناك مطر على النوافذ
وهو المطر نفسه منذ األزل
لقد وصف الشاعر فحوى الموت لحبيبته وكأنه موته هو ، ولقد أعطى للتسلسل
الروائي مساحة أقل من التسلسل الشعري ، وكأن القصيدة هنا قد أحتلت الفكرة
وأوفت بمصداقيتها فتسلسلت القصائد مع تفاقم حالة المرض لدى حبيبة الشاعر .
ولم يشعرنا الشاعر بأنه يصف حالة مرضية بل حالة إنسانية تتكون من الحب
والذاكرة والنسيان ، والنسيان مؤلم للذاكرة كما هو مؤلم للشاعر الذي وصف
مشاعره وكأنه شاب في العشرينات . ولم يشعر القاريء بهامشية الذكريات ، بل
كانت ذكريات أديب عاش عاشقا ومات بموت محبوبته مع ذكرياتهما . كان تسلسل
درامي ق د رفع الستار أمام القارىء برؤية أسلوب الحياة الرتيب والمؤلم لمرضى
) الزهايمر ( .
فهو يصف كلما يخص الحياة الرتيبة لهؤالء من نوم وطعام ورعاية صحية ثم االلم
الخريفي الذي يسيطر على هذا المنتجع الطبي ، فال يرى فيه القاريء أشعة الشمس
إال من خالل الذكريات .
ال يخرج القاريء هنا بإحساس الملل من السرد القصصي والدرامي الذي قام به
الشاعر ) جورج بونيه ( ، بل يخرج القاريء بإحساس جميل وهو أن الحب ال يقتله
موت العقل بل يبقى مع آخر نبض . ويذكرنا هنا الشاعر بالشاعر الفرنسي
) بودلير ( ، شاعر القرن التاسع عشر بمواله القصصي و ) بأزهار الشر ( . وكانت
ترجمة الدكتورة ) رابحة الناشيء ( عمال جميال ومشرفا وإستنباطا حيا ، وإنتقاء
جيد للمادة األدبية . كذلك نقل اإلحساس الشعري ما بين اللغتين العربية والفرنسية
والذي لم يكن سهال ألن الصورة الشعرية في الشعر العربي سلسة ومعقدة في آن
واحد ، بينما يتسم الشعر الفرنسي برؤي فلسفية شاسعة مستمدة من عمق الحياة
اإلجتماعية ورقتها وجمالها ، حتى وإن كانت الصورة حزينة وقاتمة . إن إستنباط
روح الشعر وطرحه بكلمات عربية كان هو اإلبداع بعينه للمترجمة الدكتورة رابحة
الناشيء .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close