العام 2019.. أحداث وعبر

السبت 28 كانون الاول 2019

لقمان عبد الرحيم الفيلي

مع قرب حلول العقد الثالث من الألفية الثالثة للتأريخ البشري المعاصر، يخطر على بال المراقب مجموعة من الأحداث التي حصلت في العام المنصرم والتي تستحق المراجعةوالتعلم منها كعبر. ادناه احد عشر حدثاً وعبرة:

١ – الشعبوية تتمدد:

اخيراً حُسم القرار البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي بعد ثلاثة أعوام من نقاش حامٍ مروراً بثلاث انتخابات واستبدال ثلاثة رؤساء وزراء. نرى على المنوال نفسهحوار داخلي وتنامٍ ملحوظ للشعبوية في عواصم عربية وأوروبية واسيوية وفي القارتين الامريكيتين. بعضهم يصفها بالشعور الجديد بالوطنية عند الشعوب بعد عواصفالعولمة والقفزات التكنولوجية، والبعض الأخر يعتبرها إنعكاس لإنفتاح الحدود لبلدان تلك الشعوب من دون قيود كافية والتداخل بين الأمور المجتمعية والتي ولدت عند الكثيرشعور بغياب الهوية الوطنية. ان تمدد الشعبوية كحركة عالمية جديدة ستولد معها حراك ساخن سيعبر الحدود الوطنية باتجاه صراع غير نبيل بين الأمم وبين الأمموحكامها، غير متناسين تعرض العديد من الشعوب في كثير من الدول لمزيج من عدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية او الاقتصادية، مما أدى إلى خروج الملايين إلىالشوارع والمطالبة بتغيير سياسي في بلدانهم. مع دخولنا للعقد الثالث سنرى المزيد من التحديات والحراك المجتمعي الساخن.

٢ – دورة الحياة تتجدد وتنمو في الدول المستقرة:

بعمر الـ84 عاماً، تنحى رسمياً إمبراطور اليابان الـ125 أكيهيتو عن العرش في أول تنازل منذ أكثر من قرنين من الزمان في أقدم أسرة إمبراطورية في العالم. بعد تخليهعن العرش، أصبح الامبراطور أكيهيتو يحمل لقب الإمبراطور الفخري لليابان، وفي اليوم التالي تسلم ابنه الأكبر، ولي العهد الأمير ناروهيتو، عرش الأقحوان في هذا البلد. ومع كل التحديات السياسية (دخول وخروج من حروب عالمية) والطبيعية (براكين، زلازل، تسوناميات) التي تواجه اليابان نراها تتعاطى مع تحدياتها بكل ثقة وطمأنينة، هذهالخصلة لا تأتي من فراغ بل محصلة صيرورة مرهقة تراجع فيها مثل هذه الأمم أدائها بعيداً عن العنف والتسقيط.

٣ – الديموقراطية تستمر بالنمو:

مع ازدياد التعقيدات الكونية وتداخلها، نرى صعود مستمر للديموقراطية كمنهج مفضل للحكم في العالم، من الانتخابات العامة الهندية والتي تعتبر الأكثر كثافة في العالممن حيث السكان، الى برلمان أوروبي جديد في جميع أنحاء أوروبا (باستثناء بريطانيا)..الخ. الديموقراطية ليست منظومة محتكرة من قبل شعب ولا تنمو من دون رعايةومتابعة ومثابرة مجتمعية، فهي منظومة فيها أخطاء وعيوب ولكنها في محصلتها تساعد كثيراً على نمو مجتمعاتها باطمئنان ورُقي.

٤ – غزو الفضاء يترجم مرة أخرى الى واقع:

ألمح علماء الفلك بصورة مباشرة في هذا العام، ولأول مرة على الإطلاق، إلى سواد الثقب الأسود والتي اعتبرت عن الصورة الأكثر تميزاً لعام 2019، متزامنة مع مرورالذكرى الخمسين لانزال أبولو على القمر. اذ تستمر الاستكشافات الفضائية كهدف مهم في جداول أعمال وكالات الفضاء المتعاونة والمتنافسة المختلفة. فهناك منافسةصينية، هندية، يابانية، أمريكية، فرنسية وغيرها من الدول، وبعضها مرتبط بإرسال بعثات إلى المريخ، وبعضها حول القمر وأخرى حول المجموعة الشمسية عموماً. ويعكسما يحصل من تعاون وتنافس في هذا المجال مدى سعي وطموح البشرية في الانطلاق خارج حدود كوكبها، هذا الطموح يغذي التطور التكنولوجي ويعطي البشريةفيتامينات خيال وجهد كبير. بالمختصر المفيد، رسالتهم للعالم هي ان حدودنا تحددها خيالنا وارادتنا.

٥ – سباق العقل والالة:

في تشرين الأول من هذا العام، توصل الفيزيائيون وعلماء الحاسوب، إلى مرحلة متقدمة، وطال انتظارها، في مجال الحوسبة الكمومية (Quantum). وأبلغ فريق من شركةغوغل مجلة الطبيعة (Nature) عن أنهم استخدموا جهاز حاسوب كمي لإجراء عملية حسابية مستحيلة عملياً بالنسبة للحاسوب التقليدي او حتى جهاز كمبيوتر فائقالتطور. ويعتبر هذا الانجاز خطوة مهمة نحو التطبيقات المستقبلية لأجهزة الكمبيوتر الكمومية، والتي تتراوح من تصميم مواد جديدة إلى اقتحام الشفرات.

كما أظهر مركز الذكاء الاصطناعي (AI) في غوغل أن برامجه أتقنت لعبة فيديو StarCraft II متعددة اللاعبين عبر شبكة الإنترنت. وللمرة الأولى، تغلب روبوت الذكاءالاصطناعي على أبطال البشرية في لعبة البوكر متعددة اللاعبين. ويعتبر الكثيرون في هذا المجال أن ألعاب اللاعبين المتعددين تمثل نظائر أفضل لتحديات الحياة الواقعيةللتعلم الآلي، مثل اكتشاف الاحتيال أو قيادة السيارات لنفسها. هذا السباق بين العقل والالة تعكس أهمية إيجاد منظومات أخلاقية تحدد اطر التطور وتفتح افاق جديدةللاستخدامات البشرية المفيدة.

٦ – العالم من قرية كونية الى غرفة كونية:

في حزيران من هذا العام، فازت شركة سيسكو للتكنولوجيا العملاقة ببراءة اختراع توضح بالتفصيل كيف يمكنها الاستفادة من تكنولوجيا (5G) وتقنيات سلسلة الكتل(blockchain) لتأمين البيانات في شبكات اتصالات. اذ تهدف هذه التقنيات إلى إدارة جلسات البيانات بين مستخدم الجهاز، مثل الهاتف أو الكمبيوتر المحمول، والشبكةالافتراضية. بمعنى آخر، يمكن للتقنية الجديدة إدارة جزء من عمليات تبادل البيانات بين الشبكة وجهاز متصل اخر. والتي تعني السماح لعدة شبكات افتراضية مستقلةبالعمل في البنية التحتية (المادية نفسها) بشكل أكثر كفاءة. اثر هذا التطور سيكون ملحوظ على خلق بيئات ستمكّن من تمكين العصر التالي من الابتكار التكنولوجيوالمنتجات والخدمات – مثل إنترنت المركبات (IoV) و المدن الذكية، التصنيع الذكي، سحابة VR / AR، والمركبات الجوية بدون طيار (UAVs).

٧ – المناخ في خطر:

استضافت العاصمة الإسبانية مدريد في الشهر الأخير من هذا العام مؤتمراً عالمياً معني بتغير المناخ – COP25، اذ اجتمع خبراء والمعنيون بالمناخ في العديد من دولالعالم للنظر في سبل تعزيز تنفيذ اتفاق باريس للمناخ (2015) وفي وقت تظهر فيه بيانات جديدة أن حالة المناخ تزداد سوءًا يوميًا، وتؤثر على حياة الناس في كل مكان،سواء كان ذلك بسبب الحرارة الشديدة أو تلوث الهواء أو حرائق الغابات أو الفيضانات المكثفة أو الجفاف. العراق ليس ببعيد عن هذا الموضوع او عن تداعياته، فإدارة البيئةوالموارد الطبيعة مهمة تعني كل مواطن منا، فضلاً عن ان الدولة ملزمة بتثقيف وتهيئة الأجواء لمساعد مواطنيها في تنقية البيئة وحسن استثمارها.

٨ – حدود الانسان طموحه:

نشهد كل عام ارقاماً قياسية عالمية جديدة تتحطم في الرياضة، والتي تعكس سعي الانسان لكماله، وجهوده ليكون الأعلى او الأسرع او الاقوى او الأفضل، ألا توجد نهايةلما يمكن للبشر فعله؟ اذ شاهدنا كيف ان السباحة الامريكية سارة توماس (37 عاماً) عبرت القناة الإنجليزية أربع مرات متتالية، 134 ميلاً (215 كم) خلال 54 ساعة. كماتتبعنا أخبار تمكن العداء الماراثوني الكيني إليود كيبتشوج (35 عاماً) من اكمال السباق المارثوني 26 ميلاً (42.2 كم) في فيينا باقل من ساعتين. من جانب اخر شاهدنا. علق كيبتشوج “أنا أسعد رجل في العالم ليكون أول إنسان يركض أقل من ساعتين وأستطيع أن أقول للناس إنه لا يوجد إنسان محدود”. يا ترى هل هو على حق؟ وأينهي حدود القدرة البشرية؟ وما مدى قربنا من الوصول الى حدودنا؟

٩ – العراق يرتقي في صعود انتاجه النفطي:

سجل العراق أرقام إنتاج قياسية في آب من هذا العام بإنتاج 4.88 مليون برميل من النفط يومياً، واصبح ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، فهو موطن 12٪ مناحتياطي النفط المؤكد في العالم، ويشهد تحسنا مستمراً وكبيرا في إنتاج النفط الخام في العقد الأخير. من جانب اخر هناك مساعي دول أوبك لخفض الإنتاج. ثروةالنفط هي نعمة لنا وعليه ان نحسن استثمارها وان لا نحولها الى نقمة.

١٠ – صراع ايران والولايات المتحدة يزداد حدة:

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران والأطراف الخمسة الأخرى في منتصف 2018، شهدنا هذا العام تصعيداً كبيراً بين البلدين. هذا التصعيد ترجمالى تشابك بين البلدين في الجو والبر والبحر، وان كان بحدود مسيطر عليها او في نطاق محدود او عن طريق اطراف ثالثة. ولم تظهر في الافاق بعد مؤشرات مفاوضات اوآليات الوصول الى نتيجة مرضية لطرفي الصراع (او حتى بين ايران والسعودية او الامارات) ما يعني استمرار التوتر في منطقتنا وبالتالي ضعف الوصول الى استقرارنسبي. من المفيد ان نذكر ان الاستقرار في العراق لن يستدام ما لم يحصل توافق إيراني اميركي وعليه قد نكون الدولة الأولى المعنية بهذا الصراع. وبخصوص علاقتنا معالبلدين نرى ان العراق يسعى لإتقان فن التوازنات بين البلدين المتحاربين، ولكنه يجده صعباً، بل بات السعي لإيجاد توازن في العلاقة ما بين ايران واميركا شبه مستحيل،وذلك لان معادلة التناسب العكسي هي الحاكمة والمرجوة من الطرفين، فعقيدة “أما معي او ضدي” هي التي تتمتع بأكبر قدر من السعة.

الخيارات امامنا هي إما ان نختار الجارة جغرافياً او الانضمام لمنظومة الولايات المتحدة وحلفائها؟ هل يوجد خيار ثالث وما هي مستلزمات تبنيه وضريبته؟ ضروري اننبحث عن هذا الخيار الثالث لأهميته مع ادراكنا ان المنهج العراقي الحالي غير مجدٍ ويزيد من وقوعنا في مستنقع الصراع. ولعل ازدياد الفجوة سياسياً بين العراقوالولايات المتحدة لهو مؤشر خطير يستدعي المراجعة الجدية. لكي نبادر وندير مخاطر هذا الصراع جيداً، يتبادر الى الذهن سؤال مهم وهو ما هي مستلزمات الدبلوماسيةالناعمة لننجح؟ هنا تأتي أهمية بناء مؤسسات الدولة المعنية بإدارة شؤوننا الخارجية مثل وزارة الخارجية ومؤسسات الامن الوطني. هذا البناء يحتاج الى استراتيجيةواضحة وخطوات مدروسة تؤدي الى اتقان فن إدارة الازمات.

11- معالم حرب باردة صينية – أمريكية في الافق:

يستمر نظام التحالفات العالمية في تدهور، على الساحة الدولية، وتقوم الصين ببناء بنية تنافسية بشكل متزايد لتلك التي أنشأتها الولايات المتحدة والتي يركز فيهاالامريكيون على عقيدة “أميركا أولاً”. نرى هذا أكثر وضوحا في جنوب شرق آسيا، ثم أفريقيا (جنوب الصحراء)، وجنوب وشرق أوروبا، وأميركا الجنوبية. نعم لم يظهر ذلكبعد بوضوح على حركة أكبر مع الحلفاء الأساسيين لأميركا، لكنه يدل على أن المنافسة العالمية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية في العالم أعمق وأطول عمراً مما توقعهالجميع. وبالمثل لا توجد قناعة بأنه بعد رحيل الرئيس ترامب يمكن للنظام العالمي أن يعود إلى ما كان عليه. أصبحت بكين الآن قادرة على العمل بفعالية داخل المناطق التيلا تنتشر فيها القوات الاميركية بوضوح. ومع ذلك، فإن أكبر التحديات في إكمال رؤية الصين التصاعدية للفوز وان تكون القطب الثاني بدل الاتحاد السوفيتي السابق هوقدرتها على المناورة أو الطعن أو كسر قوة الدول الكبرى الأخرى، وخاصة الولايات المتحدة.

في الوقت الذي تلعب فيه كل من روسيا والهند واليابان أدواراً مهمة في مناطقهم – وستواصل القيام بذلك في المستقبل- يتمثل التحدي الأساسي للصين في سلب القوةبعيداً عن أميركا، القوة العظمى الحاكمة، دون إثارة رد من شأنه أن يعرقل أنشطة الصين وبرنامجها الطموح. من ناحية أخرى، تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا هائلة منحيث القوة الاقتصادية والعسكرية، ونظام تحالف عالمي، وقيادة في عدد لا يحصى من المؤسسات التي بنيت في ظل برنامج باكس أميركانا. ولكن من الضروري ان نذكركذلك ان الولايات المتحدة تفتقر في الوقت الحالي الى التركيز الاستراتيجي لدولة صاعدة مثل الصين. وبالتالي، فإن القيادة الصينية قادرة على العمل على حدود القوةالأميركية، وبناء وجودها العالمي الخاص.

من المرجح أن تمضي الصين قدما في محاولات لتجاوز التحالفات والشراكات الأميركية، وإبعاد الدول تدريجياً عن النظام الأميركي وإلى المدار الاقتصادي الصيني منخلال التجارة والاستثمار والحوافز التجارية التي لا تستطيع او تقدر أميركا على توفيرها.

على المدى الطويل (عقود)، مع ضعف الوجود الأميركي في آسيا وتكامل أوروبا والقارات الرئيسة الأخرى في “الحزام والطريق”، ستكون الصين حرة في تعزيز سلطتهافي نظام عابر للقارات تلعب فيه أميركا دوراً اقل قوة من الان. سيؤدي هذا، في أسوأ الأحوال، إلى تحويل الولايات المتحدة إلى قارة جزرية منعزلة منفصلة عن نظامجغرافي ضخم، حيث تقع الصين في مركزها كقوة عسكرية واقتصادية مهيمنة. وهنا يأتي السؤال عن ما هو الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرىفي العالم الذي تقوده الصين؟ ما الذي يعنيه ذلك للنهاية الفعلية للتفوق الأمريكي في الشؤون العالمية؟

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close