الاغتراب إذ يعزز الهوية الأصلية

حميد الكفائي
كاتب وأكاديمي عراقي
ملايين العرب هاجروا إلى البلدان الغربية منذ بداية القرن 19

اختار ملايين العرب العيش في البلدان الغربية منذ بداية القرن التاسع عشر، وكان اللبنانيون والسوريون من أوائل المهاجرين العرب إلى البلدان الغربية، ثم تبعهم العرب من غرب العالم العربي وشرقه.

 أسباب الهجرة كثيرة، أهمها اقتصادية، ومنها ما يتعلق بظروف البلدان الأصلية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تضطر بعض السكان إلى الهجرة.

وعلى الرغم من أن هؤلاء العرب قد هاجروا إلى الغرب، وانسجموا مع نمط الحياة الغربية، كليا أو جزئيا، اعتمادا على خلفية الفرد الثقافية والدينية، فإن معظمهم ظلوا متعلقين ببلدانهم الأصلية ومتواصلين مع أقاربهم وأصدقائهم هناك، ومازال كثيرون منهم متمسكين بثقافاتهم الأصلية ولغتهم الأم ومهتمين بشؤون بلدانهم الأولى، ربما أكثر من المتبناة عند بعضهم، لذلك تجدهم يتابعون أخبارها ويتفاعلون مع أحداثها ويزورونها ويتبرعون لأهلها بالمال أو يعملون متطوعين في خدمتها، ويستثمرون فيها حتى وإن كانت عوائد الاستثمار أقل مما يحصلون عليه في بلدان أخرى.

إذاً، هؤلاء المواطنون العرب لم تخسرْهم شعوبُهم وبلدانُهم الأصلية بل ربما أصبحوا أكثر فائدةً لها بوجودهم في الغرب حيث العلوم المتطورة والأعمال والوظائف المجزية والخدمات الممتازة التي يكتسبون منها الخبرة والمال وينقلونهما كليا أو جزئيا إلى بلادهم الأصلية.

كثيرون عادوا واستثمروا في بلدانهم الأصلية وفتحوا المرافق الخدمية والانتاجية كالعيادات والمستشفيات والجامعات والمدارس والمعاهد والمراكز البحثية والمصانع ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية وغيرها من المرافق المهمة لأبناء بلدانهم. بينما خصص بعضهم، كالأطباء والأكاديميين، أوقات عطلهم للعودة إلى بلدانهم الأصلية والعمل فيها مجانا ونقل خبراتهم إلى أهلها.

كما إن وجود المهاجرين في بلدان غربية مؤثرة على السياسة الدولية، كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، قد يساعد على التقريب بين هذه البلدان وبلدانهم الأصلية، بل وربما التأثير على سياسات تلك البلدان لصالح البلدان العربية. وقد شكل بعضهم، خصوصا العرب الأمريكيين، جماعات ضغط توضح للسياسيين والمسؤولين والرأي العام، القضايا العربية وفرص الانتفاع من اتخاذ قرارات تخدم مصالح البلدان العربية، ومكامن الضرر عند اتخاذ قرارات مضرة بالبلدان العربية.

وفي الأزمات الاقتصادية، وقف المهاجرون العرب إلى جانب أهلهم وبلدانهم عبر إرسال المساعدات المادية والعينية، كالأدوية والكتب والمجلات والأجهزة العلمية والطبية وغيرها من الحاجات الأساسية لهذه البلدان. وتعتبر تحويلات المهاجرين في بلدان عربية كلبنان ومصر والعراق وسوريا والمغرب واليمن وتونس والجزائر، مساهمات مهمة في الاقتصاد الوطني لتلك البلدان.

لذلك أصبح ضروريا لحكومات الدول العربية، خصوصا تلك التي لديها مواطنون مهاجرون، الالتفات إلى أهمية هؤلاء المواطنين، الذين زادتهم الهجرة تمسكا ببلدانهم الأصلية، والتفاعل معهم وتسهيل مهماتهم ونشاطاتهم وإنشاء المراكز الثقافية والاجتماعية، التي تشجعهم على التواصل مع بلادهم وتطْلِعُهم على التطورات الحاصلة فيها، وإقامة مؤسسات ومنظمات تُسهِّل مساهماتهم في رفد الاقتصادات الوطنية بالطاقات والخبرات والأموال.

ويأتي لبنان في مقدمة الدول العربية التي اهتمت بالمهاجرين اللبنانيين وساوت بينهم وبين مواطني الداخل، بل ربما اهتم البلد أكثر بالمهاجرين وتسهيل اندماجهم بالمجتمع اللبناني، لما لهم من أهمية كبرى في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقد أشارت تقديرات إلى أن عدد المهاجرين اللبنانيين في العالم، والذين مازال أكثرهم يحمل الجنسية اللبنانية، يصل إلى 15 مليونا، بينما يبلغ تعداد نفوس لبنان 4 ملايين فقط. ولم يشترط الدستور اللبناني، كما هي حال دساتير الدول المتقدمة، أن يكون المسؤولون من حملة الجنسية اللبنانية فقط، فرئيس الوزراء اللبناني الحالي يحمل ثلاث جنسيات، وربما أربع، باعتبار أن والدته عراقية وتمنحه حق اكتساب الجنسية العراقية، ولم تنتقص هذه الوثائق من لبنانيته أو تفانيه في خدمة لبنان.

أما المهاجرون العراقيون الذين يعيشون في البلدان الغربية، فيقدر عددهم بحوالي 4-5 ملايين، يتركزون في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا والسويد والنرويج والدنمارك وهولندا وإيطاليا وفرنسا. وقد شكل هؤلاء، ومازالوا، قوة اقتصادية وسياسية كبيرة داعمة للعراق ومتفاعلة معه، وساهموا مساهمة فعالة في تخفيف معاناة العراقيين أثناء الحصار الدولي في الفترة (1990-2003) وأثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) عبر تحويلاتهم المالية لأقاربهم وإرسالهم الأدوية والكتب والمجلات والأجهزة العلمية لمحتاجيها وتسهيل سفر المرضى إلى الخارج وما إلى ذلك من نشاطات وخدمات نافعة وضرورية. كما لعبوا دورا كبيرا في كشف انتهاكات حقوق الإنسان في العراق ووقفوا دائما مع أبناء شعبهم، سواء أيام النظام السابق أم اللاحق، وقد تعرضوا لحملات الإساءة سابقا وحاليا.

أتباع النظام الإيراني في العراق يشنون حملات مسعورة ضد عراقيي الخارج لأنهم يساندون انتفاضة الشعب العراقي الحالية ويفضحون أساليب القمع والقتل والخطف التي تقوم بها المليشيات الطائفية المدعومة إيرانيا، وهو موقف مماثل لموقف النظام السابق من أهل الخارج، حينما وصفهم بأقذع الأوصاف بسبب معارضتهم لأساليبه القمعية وانتهاكه حقوق الإنسان. لذلك سعى النظامان، السابق واللاحق، إلى تهميش دور المهاجرين العراقيين عبر تشريع قوانين تشكك بولائهم وتمنعهم من تولي المناصب العليا والاضطلاع بنشاطات تخدم البلد. هناك مساع حثيثة يقوم بها البعض في العراق لتجريد هذه الشريحة المهمة والمؤثرة من خدمة بلدها، لأن هذا (البعض) لا تهمه مصلحة العراق، بل يسعى للهيمنة على مقدرات البلد، خدمة لأجندات خارجية.

لكن معظم أبناء العراق يعرفون أن محاولات هؤلاء تهدف إلى إضعاف العراق ونظامه الديمقراطي وتنتهك حقوق الإنسان وتزعزع استقرار البلد سياسيا واقتصاديا وتجعله دائما تابعا لإيران. لذلك نرى أن العراقيين المنتفضين دائما يخاطبون عراقيي الخارج ويحثونهم على شرح قضاياهم للمجتمع الدولي، وآخر نداء كان الذي أطلقه الدكتور علاء الركابي من الناصرية الذي طالب العراقيين في الخارج بالاحتجاج أمام سفارات العراق للفت انتباه العالم للجرائم التي ترتكب ضد المحتجين.

كل الدول تسعى للتواصل مع المهاجرين حتى بعد مرور قرون على مغادرتهم. البريطانيون مازالوا يقيمون أفضل العلاقات مع أستراليا وكندا والولايات المتحدة، كون سكانها جاءوا أساسا من الجزر البريطانية ويتحدثون اللغة الإنجليزية. والأمريكيون من ذوي الأصول الأيرلندية مازالوا متمسكين بأيرلندا ويتبرعون لكل قضاياها ومشاريعها، حتى العسكرية منها إذ دعموا حتى الجيش الجمهوري الأيرلندي بالمال، وكان الساسة البريطانيون يذهبون إلى أمريكا لإقناع الممولين بالتوقف عن تقديم الدعم لأنه يشجع العنف. والمهاجرون الصينيون والهنود والباكستانيون والبنغاليون والإيرانيون والأفغان لم يفكوا ارتباطهم ببلدانهم، بينما تسعى حكومات تلك البلدان إلى توثيق علاقات المهاجرين بشعوبهم الأصلية والاستفادة من خبراتهم ومساهماتهم العلمية والمادية والثقافية.

أن يحمل المرء جنسية أخرى لا يعني أنه تخلى عن هويته الأصلية، القومية أو الوطنية، أو عن مشاعره وحبه لموطنه الأصلي، وليس بإمكان أي مؤثر أن ينتزع منه حبَّ وطنه أو يمنعه من السعي لخدمته. الهوية الوطنية والقومية صفة متأصلة، ولا يمكن خلطها مع أمور أخرى كالعقيدة والفكر.

الدين إيمان وعقيدة شخصية ، والفكر والأيديولوجية قناعة ومعرفة، ولا تدخل عادة في تشكيل هوية الأفراد. الأفكار والقناعات تتغير، بينما الهوية الوطنية والقومية راسخة. لم يتخلَ أدوارد سعيد عن هويته العربية الفلسطينية عندما أصبح أمريكيا يتحدث بلهجة أمريكية، بل كرس حياته كلها لها، وظل يخدمها بأبحاثه وكتاباته وآرائه ونفوذه الثقافي العالمي، وقد ذهب إلى لبنان لتعلم اللغة العربية، متفرغا لعدة سنوات لهذه المَهَمَّة، وأتذكر أنه كان يغتنم كل فرصة للتحدث بالعربية، كما كان يترجم مقالاته لتنشر في صحف عربية، ويزور فلسطين ويكتب في قضاياها، وكان خصما عنيدا لإسرائيل وقد تمكن من إحداث تغيير كبير في الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية.

كما ظل البروفيسور مجدي يعقوب ملتصقا بمصر وقد عاد الآن إليها لنقل خبرته إلى أطبائها كجراح برع عالميا في علاج أمراض القلب. وبقيت عالمة الأثار والحضارات القديمة، لمياء الكيلاني، التي تمر علينا بعد أيام ذكرى رحيلها الأولى، وفية للعراق وحضاراته، وظلت تخدمه حتى يومها الأخير إذ داهمها الموت وهي في الطريق إلى بغداد. بينما رفع زين الدين زيدان ومحمد صلاح ونسيم حميد أسماء بلدانهم عاليا بتحقيقهم إنجازات رياضية عظيمة.
لم يتخلَ جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة عن هوياتهم العربية بل ظلوا عربا، ثقافيا وكتبوا أشعارهم باللغتين العربية والإنجليزية، وما زال أدبهم يدرس في مختلف دول العالم.

الروائي جوزيف كونراد، كتب باللغة الإنجليزية رواية (قلب الظلام)، وهي من أهم الروايات العالمية، لكنه ظل بولندي الانتماء. الكاتب الأفغاني خالد حسيني، كتب روايته الشهيرة (عدّاء الطائرة الورقية) باللغة الإنجليزية، وكان موضوعها أفغانستان، وقد نالت جوائز عدة وبيع منها مليون نسخة في الطبعة الأولى، ثم تحولت إلى فلم ساهم في وضع أفغانستان على المسرح العالمي. وهناك مئات الشخصيات العربية والأجنبية التي تمسكت بهوياتها القومية والوطنية وخدمت بلدانها الأصلية خدمة جليلة.

المهاجرون العرب قوة فاعلة لصالح العالم العربي ويمكن البلدان العربية الاستفادة منهم عبر توطيد العلاقة بهم والتواصل معهم من أجل توثيق علاقاتهم بأوطانهم وتسهيل نشاطاتهم في مختلف المجالات، خدمةً للشعوب العربية وتوطيدا للعلاقات المثمرة مع دول العالم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close