الأهوار تستعيد طيورها المهاجرة بعد عودة الحياة إليها

حيدر اليعقوبي

عاد سوادي نجم إلى مسكنه العائم في الأهوار، بعد ارتفاع مناسيب المياه والحياة إثر موجة أمطار غزيرة شهدها شتاء عام (2018 ) لكن شبح الجفاف والتصحّر الذي أصاب المنطقة في الأعوام المنصرمة مازال يلقي بظلاله على الجميع.

وقبل عامين تحديداً، خسر سوادي نجم (54 عاماً)، وهو من قضاء الجبايش، (95 كلم) جنوب شرق الناصرية، كل شيء تقريباً، بعد الجفاف الكبير الذي أصاب أكبر المسطحات المائية في المنطقة، ما دفعه للبحث عن حياة أخرى بعيداً عن أرض الأجداد التي ولد وترعرع فيها وهي جزء من هويته.

يقول سوادي ” لقد فقدت الأمل بأن الحياة ستعود مجدداً وأنا أرى تلك البقعة الجميلة تصير امتداداً صحراوي. فقدت الناس أعمالها وأرزاقها، إذ بدأ الأمر تدريجياً منذ 2012 وبلغ ذروته في عام 2015 فخسرت أكثر من عشر جواميس أصابهن العمى ونفقن بسبب العطش والجوع وكنت اعتمد عليهن في معيشتي، وتوقفت عن الصيد بعد انخفاض مناسيب المياه إلى معدلات غير مسبوقة، وهو ما دفعني إلى ترك قلب الأهوار واللجوء إلى مركز المدينة “.

لعبت العوامل الطبيعية دوراً كبيراً في انحسار مياه أهوار ذي قار عام 2015 لكن هناك من يعزو الأمر كذلك إلى أهمال ملف المياه في العراق على مدى عشر سنوات مضت وعدم تحديث بياناته وتطوير تقنيات إدارته، إضافة إلى استمرار التعاطي مع القوانين ذاتها وترك ملف المياه مع تركيا وإيران وسوريا مفتوحاً، وهو ما خلق مشكلة مزمنة في أهم ملف للتنمية المستدامة.

يقول وزير الموارد المائية الأسبق محسن الشمري حول تلك القضية أن “عدم استيعاب أصحاب القرار ورؤساء الكتل السياسية خطورة ملف المياه وحساسيته وانشغالهم بملفات أخرى لا قيمة لها من أبرز المعوقات التي واجهت عمل وزارته آنذاك، فالتشظي الداخلي وضياع الموقف الموحّد تجاه تركيا وإيران، فضلاً عن استخدام داعش للمياه في الحربوسيطرته على سد الطبقة في سوريا تسبب في انخفاض كبير في مناسيب مياه نهر الفرات”.

وتعد الأهوار من أقدم المستوطنات البشرية الفريدة إذ يعود ذكرها إلى عصور فجر التاريخ، لكن سكانها عانوا من التجفيف الممنهج في عهد النظام السابق الذي بلغت نسبته (96 ) بالمئة من مساحة الأهوار في 1991. مع ذلك فالمنطقة تتمتع حالياً بوفرة مائية تُقدر بـ (52) مليار متر مكعب وهي أعلى نسبة أغمار منذ عام 1988.

الطبيعة هي التي تدخلت في انقاذ الاهوار والمناطق الجنوبية إذ شهد شتاء عام 2018 أمطاراً غزيرة في العراق ودول المنبع لنهري دجلة الفرات، الأمر الذي أدى إلى زيادة الإطلاقات المائية للاهوار بنسبة( 34) ضعف ما كانت عليه قبل عشر سنوات، إذ لم تتجاوز الإطلاقات وقتذاك خمسة أمتار مكعبة في الثانية عام 2008 بينما ارتفعت في الآونة الأخيرة لتبلغ( 170 ) متراً مكعباً في الثانية.

جاسم الأسدي مدير منظمة طبيعة العراق المعنية ببيئة الأهوار في قضاء الجبايش يبين نسب أغمار الاهوار الوسطى والجنوبية قائلا أنها ” وصلت إلى أكثر من( 80% ) بينما كانت في السابق لا تتجاوز( 20% ) في أفضل الأحوال”

ويؤكد الأسدي أن مغذيات الأهوار ممتلئة تقريباً منذ الشتاء الماضي، وهناك إطلاقات مائية ممتازة من سد حديثة الذي وصل لمناسيب خزن عالية تجاوزت ( 7.5 ) مليار متر مكعب.

وبدلاً من مخاطر الجفاف يحذر الأسدي من موجة فيضانية متوقعة في موسم الشتاء المقبل استنادًا لتوقعات هطول كميات كبيرة من الأمطار لكنها في جميع الأحوال أقل من الموسم الماضي.

ويقول موضحاً” برغم ذلك فأن تأثير الموجة سيكون كبيراً لأن السدود الخزنية ممتلئة ولذلك ستنطلق المياه مباشرة إلى الأهوار، وهذا ما دفع وزارة الموارد المائية ضمن استعداداتها إلى حفر المجاري العميقة المؤدية للأهوار والأهوار الوسطى وبحيرة الثرثار تلافياً لأية أزمة محتملة”

ومع عودة مناسيب المياه شهد المستوى المعيشي لسكان الأهوار تحسناً ملحوظاً، فاستطاع معظم السكان تعويض خسائرهم بعودتهم لمناطقهم. إذ عاد مربو الجاموس لبيئتهم وازداد انتاجهم من الحليب ومشتقاته، وكذلك الأمر مع الصيادين وأصحاب المهن الذين يستخدمون نبات القصب الموجود في الأهوار في صنع الحصائر وأصحاب الزوارق والمطاعم نتيجة زيادة أعداد الزوار الوافدين للتمتع بالطبيعة الخلابة للأهوار”.

ويضيف “أصبح هناك تنوع نباتي بسبب انخفاض مستوى الملوحة، ويلاحظ عودة زنابق الماء الملونة بكثرة بعد فقدانها لسنوات طويلة، فضلاً عن عودة أنواع من الأسماك التي انقرضت وقدوم الطيور من الدول الاسكندنافية وشمال أوروبا وسيبيريا للمرة الأولى منذ سنوات طويلة” الأهوار التي انضمت إلى لائحة التراث العالمي في 2016 باتت بحاجة قصوى إلى تأهيل المناطق الساحلية فيها وتوفير الخدمات والمرافق السياحية، غير أن الحكومة السابقة توجهت لمحاربة داعش وسط ضائقة مالية وانخفاض أسعار النفط فأصبح ملف الأهوار ثانويًا.

وفي موازنة 2019 لم يصوت مجلس النواب العراقي على المبالغ المخصصة لتأهيل الأهوار ضمن بنود الموازنة العامة، ويخشى المعنيون من رفعها من لائحة التراث العالمي، ومهما كانت خطط الحكومة العراقية وما تضمره الطبيعة فأن نجم سوادي يعيش الآن في بحبوحة كما يقول ” استعدت عافيتي وأنا أشاهد الطيور والأسماك والجواميس من جديد وهي تغمر نفسها بالمياه قرب بيتي الذي أعدت بنائه مرة ثانية من القصب والبردي، كما عاد الكثير من الصيادين وأبناء عشيرتي “.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close