مخيال .. عالم ما بعد الشيطان…!!..

د. اكرم هواس

ليس غريبًا ان يخرج الرئيس ترامب ليطمأن “رعيته” في اركان العالم ان الشيطان قد زال و ان العالم سيكون بأمان بعد قاسم سليماني…!!..

هكذا هي الطقوس و الرئيس ترامب كونه الكاهن الأعظم في مملكة الرأسمالية لابد ان يخرج كل مرة يتم فيها القضاء على “متمرد ثائر” فيوجه النظام الأبوي ليبارك “يد العدالة” التي جلبت السلام الى الارض…

ذات الطقوس قيلت سابقًا عند القضاء على البغدادي و قبله بن لادن و الرئيس بوش قالها ايضا عن صدام و القذافي و ربما كررها رؤساءامريكا السابقون عن كاسترو و عبد الناصر و چي غيڤارا و ستالين و هتلر و وووو… هي ذات الفكرة التي قادت امريكا على اساسهاحروبها في شرق اسيا ( الفلبين و إندونيسيا و كمبوديا و لاوس و فيتنام و كوريا) لان شيطان الشيوعية كان على وشك الهيمنة على العالم ..

منذ البدايات الاولى للتطور المجتمعي فان النظام الأبوي لا يوفر فرصة حقيقةً لان تكون مختلفا عن بنيته السيكولوجية و التأويلية حتى فيداخلك … اما اذا أعلنت عن رأيك فذلك مؤشر ان الشيطان قد “مسك بضر” .. و اذا حاولت ان تغير شيئا فأنت متمرد يستحق القتل … والقتل …. كان دوما الآلية الاكثر “شرعية” في الحفاظ على النظام الأبوي… !!.. هكذا تعلمنا قيم “السماء” كما يؤلها “الراسخون” في علمالسياسة و المتحكمون بالأرض و ما عليها…!!..

لكن لماذا لا يريد الله القادر على كل شيء ازاحة الشيطان عن مملكته … سؤال لم تجد الفلسفة الدينية منذ ظهور الأديان ايجاد جواب له… ولا ندري ان كانت ثنائية “الله و الشيطان” هي ضرورة لديمومة الحياة ..؟؟!!..

في محاولة فهم متلازمة “الله و الشيطان”.. كنت قد كتبت مجموعة مقالات بالاضافة الى كتاب تتناول اشكالية الثنائيات التي تطغى كثيراًفي الحياة الاجتماعية بمختلف تقاطعاتها كونها كانت تاريخياً و ما زالت تلعب دورا جوهريا في تحديد مفاهيم البشر و تشكل “المنطلقالأساس” و ان كان بشكل غير وعيوي في مأسسة التطور الفكري و بناها الفلسفية…

جدلية العلاقة بين الله و الشيطان تحولت عبر التاريخ من بنى أسطورية الى نظريات علمية و بالتالي مؤسسات اقتصادية و سياسية … فكرةالصراع بين الانسان و الطبيعة و الصراع من اجل البقاء و كذلك فكرة بناء الدولة مقابل المجتمع و كذا سلطتها المطلقة او النسبية مقابلطاعة الشعب او مشاركته المحددة كلها نماذج لديمومة الجدلية و تمظهراتها التطورية …

التاريخ يعلمنا ان “اشكالية الثنائية” تحولت مع التطور الفكري للانسان و بالتالي التطور السياسي و الهياكل التنظيمية للمجتمع و شبكاتالعلاقات .. الى لعبة سياسية يلعبها اصحاب السلطات في العالم … و الولايات المتحدة التي اصبحت تلعب دور الإله وضعت هذه اللعبةأساس تعاملها مع شعوب الارض و دولها و كياناتها المختلفة …

و في ذاكرة العديد من شعوب الارض فان الولايات المتحدة لا تفرق بين “الحق و الباطل” كما يسميها البعض… او العدالة في التوزيع ومكافحة الفقر و التوازن البيئي … و لا يهمها ان كان الثائر يحمل افكاراً بهذا الاتجاه او تلك… ما يهمها هو ان لا يظهر من يبحث عن بديل… حتى و ان كان هذا “المتمرد” مجرد طفل يصنع خيالات من رمال على شاطئ منعزل …

قاسم سليماني … كما قلت عن تشافيز فنزويلا في مقالة سابقة … لم يكن قديسًا… لكنه كان يمثل محاولة للعب في الجغرافية الهائجة بين”الله و الشيطان” حاملًا صليب القدس … فذهبت ظنون الأمريكيين صوب بعد اخر للصراع “الحضاري” كون المدرسة الإنجيلية في الولاياتالمتحدة تؤمن بحدث كوني اسمه “نبوءة ترامب” التي ستتحقق لاحقا و يظهر للعالم بان الرئيس ترامب هو “كورش العصر” الذي سيغيرالعالم … أو المسيح الذي تنتظره الارض ان يهبط على القدس … (للمزيد انطر مقالة بعنوان “ما هي النبوءة التي يسعى ترامب لتحقيقها”.. BBC العربية)

هكذا قيل ايضا عن دور الرئيس بوش في حربه المقدسة ضد “محور الشر” و تدمير العراق… كما قيل قبل ذلك عن مغامرة الرئيس ريگانالمقدسة في تخليص العالم من “شر نورييغا” … و ربما سيقال ذلك يوماً عند القضاء على وكر كوريا الشمالية المحصن…!!..

ربما من الغباء ان نسأل اين يسكن الشيطان و من هو “اللا شيطان”… لكن لماذا لم يساهم قتل چي غيفارا في حل مشكلة ملايين الفقراء منامريكا اللاتينية في وجه جدار ترامب على الحدود المكسيكية .. و لماذا ظهر البغدادي بعد بن لادن و لماذا طغت داعش بعد صدام..؟؟..و لماذايكثر أعداد الجوعى و المشردين في العالم … هل كل هذا من “رجز الشيطان”.. ام انها لعبة “الثنائية” التي لا تنتهي ..؟؟..

الان …لا ندري ان كان ذهاب قاسم سليماني يعني اندحار “للنظام الشيطاني” في ايران و بذا ينعم اهل الارض بالسلام كما يتمنىمعارضو ” نظام الولي الفقيه” … ام ان الحضارة التي انجبت كورش التاريخي ستعيد “المستضعفين في الارض” الى حيث يشاؤون … كما يعتقد “المقاومون”..؟؟..

ما نراه ان سماء العراق حيث خرجت روح قاسم سليماني غدت تمطر نيراناً و أرضه تموج بالعيون الجاحظة بحثاً عن المزيد من القتل … لكنالمشهد الاكثر قتامة هنا و هناك في عالم اليوم ان الصراع اصبح هوية الطامحين للسلطة و الفوضى تشل حياة الناس و ان البشرية ما تزال”تتعمد” في برك الدماء…

لماذا و لماذا و كيف ووو ..؟؟؟.. انها الدوامة الفكرية و الفلسفية امام واقع لا يوفر الكثير من الوقت لندرك تقاطعاته… سنتابع.. حبي للجميع

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close