البهبودي وطعنه بحديث الأثني عشر نقضٌ ورد،

مروان خليفات

يكثر السلفيون والزيدية معهم، وبعض ضعاف النفوس من ترديد مقولة للبهبودي، ظنا منهم أنهم أفحموا الإثني عشرية، ونسي هؤلاء إن كل واحد ينفرد برأي ، فهو ملزمٌ له لا للطائفة، والذي يمثل رأي الطائفة هو جمهور محققيها وأعلامها.

قال البهبودي تعليقاً على إحدى روايات النص على الأئمة الإثني عشر: (على أنك قد عرفت في بحث الشذوذ عن نظام الإمامة أنّ الأحاديث المرويّة في النصوص على الأئمة جملة من خبر اللوح وغيره- كلها مصنوعة في عهد الغيبة والحيرة وقبلها بقليل، فلو كانت هذه النصوص المتوفرة موجودة عند الشيعة الإمامية لما اختلفوا في معرفة الأئمة الطاهرة هذا الاختلاف الفاضح، ولما وقعت الحيرة لأساطين المذهب وأركان الحديث سنوات عديدة، وكانوا في غنى أن يتسرّعوا إلى تأليف الكتب لإثبات الغيبة وكشف الحيرة عن قلوب الأمة بهذه الكثرة).
معرفة الحديث ص172.

إن هذا الاستنتاج الذي وصل إليه يدل على ضيق في الأفق، وهو أقرب إلى التفكير السلفي، فليس سبب اختلاف الناس بعد استشهاد الإمام العسكري ع هو عدم معرفة الأئمة الإثني عشر، ولو رجعنا للقرآن الكريم لرأينا أن الإختلاف في الأمم السابقة كان يحدث حتى مع وجود الآيات البينات وقيام الحجة على الناس وحضور الأنبياء بينهم.
نقرأ في كتاب الله آيات عديدة بهذا االشأن.

قال الله تعالى :
( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) .
الشورى، 13 و 14.

)فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ(.
البينة ، 3 و 4.

(وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
يونس، 93 .

قال الطبري : (وقوله : فما اختلفوا حتى جاءهم العلم يقول جل ثناؤه : فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل ، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبي مجمعين على نبوة محمد والاقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم ، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم ، والمؤمنون به منهم كانوا عددا قليلا ، فذلك قوله : فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيا لله)
تفسير الطبري، ج 11 – ص 216.

وقال تعالى: ( وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
الجاثية، 16 و17.

(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ) . البقرة، 213.

( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد)
البقرة، 253 .

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
آل عمران، 105.

(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) .آل عمران، 19.

قال الطبري في تفسيره، ج 2 – ص 458 – 459. : (يعني جل ثناؤه بقوله : وما اختلف فيه وما اختلف في الكتاب الذي أنزله وهو التوراة، إلا الذين أوتوه يعني بذلك اليهود من بني إسرائيل ، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها. والهاء في قوله أوتوه عائدة على الكتاب الذي أنزله الله . من بعد ما جاءتهم البينات يعني بذلك : من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أن الكتاب الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله ، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه ، ولا العمل بخلاف ما فيه . فأخبر عز ذكر عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتاب التوراة ، واختلفوا فيه على علم منهم … )

وقال ابن كثير في تفسيره ج 1 – ص 257. : (بغيا بينهم ” أي من بعد ما قامت الحجج عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض)

فبالرغم من وضوح الحجة والدليل إلا أن هؤلاء المذكورين قد اختلفوا، وسبب اختلافهم هو البغي وطلب الرياسة .

وقال الطبري : (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) يعني بذلك جل ثناؤه : وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل ، وهو الكتاب الذي ذكره الله في هذه الآية في أمر عيسى ، وافترائهم على الله فيما قالوه فيه من الأقوال التي كثر بها اختلافهم بينهم وتشتت بها كلمتهم ، وباين بها بعضهم بعضا ، حتى استحل بها بعضهم دماء بعض ، ( إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) يعني: إلا من بعد ما علموا الحق فيما اختلفوا فيه من أمره وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفرية مبطلون . فأخبر الله عباده أنهم أتوا ما أتوا من الباطل وقالوا ما قالوا من القول الذي هو كفر بالله على علم منهم بخطأ ما قالوه ، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم بخطئه ، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه الاختلاف الذي هم عليه ، تعديا من بعضهم على بعض ، وطلب الرياسات والملك والسلطان )
تفسير الطبري، ج 3 ص 289.

إن الإختلاف قد يكون بسبب اطاعة الزعماء الكبار، قال تعالى :
( قالوا ربنا انا اطعنا سادتنا و كبراءنا فاضلونا السبيلا)
الأحزاب، 69.

فالآيات القرآنية التي ذكرناها توضح بشكل جلي أن الاختلاف والتفرق قد يكون بعد وضوح الآيات والبينات، بل هو الغالب ذكره في القرآن الكريم، وسببه البغي وطلب الرياسة وضعف الإيمان .

فلماذا لا يكون اختلاف بعض أصحاب الأئمة من هذا القبيل ؟!
في آيات أخرى يعاتب الله عز وجل أهل الكتاب ويستنكر كتمانهم للحق، ومخالفتهم له، بعد قيام الآيات ووضوح الدلائل على صدق دعوة رسل الله.

قال تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) . آل عمران 70.
( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) آل عمران، 71.

وفي آيات أخرى تؤكد النتيجة التي ذكرناها، قال تعالى: ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات) .
النساء، 153.

( ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون) الأعراف، 134 و 135 .

( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم) غافر، 5.
(كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) . التوبة، 69.

( وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) الصف، 5 .

( بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) . المؤمنون، 70 .
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا) فاطر، 42.

( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم( محمد، 32.

لو جئنا لأمة الإسلام، نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر وأكد أن أمته ستتبع بني اسرائيل ولا تخالفهم في شيء.

روى البخاري ومسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن).
صحيح البخاري ، ج 4 – ص 144، صحيح مسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى

قال بدر الدين العيني: (لتتبعن سنن من قبلكم اتباعا بشبر ملتبس بشبر وذراع ملتبس بذراع ، وهذا كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي، لا في الكفر، وكذلك قوله : (لو سلكوا جحر ضب) … ووجه التخصيص: بجحر الضب، لشدة ضيقه ورداءته ، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لوافقوهم . قوله : ( اليهود ) ، يعني : قالوا : يا رسول الله ! هم اليهود والنصارى . قوله : ( قال فمن ؟ ) أي : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: فمن غيرهم ، وهذا استفهام على وجه الإنكار ، أي : ليس المراد غيرهم )
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، ج 16 ص 43 – 44.

أمثلة من التاريخ

إن الذي ينظر لحركة التاريخ بوعي يلحظ اختلاف أصحاب الأنبياء بل وردة بعضهم ورجوعهم عن الحق أثناء حياة الأنبياء أنفسهم، فهارون ع كان نبياً، استخلفه موسى ع على قومه حين ذهب لميقات ربه، وبالرغم من معرفة السامري وبني اسرائيل بمقام هارون وأنه خليفة موسى ع وأنه مرسل من عند الله، إلا أنه صنع عجلا له خوار، فعكف عليه بنو اسرائيل.

وفي عصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يحدثنا التاريخ عن ارتداد بعض أصحابه بعد ايمانهم به ومشاهدتهم معجزاته وآياته الباهرة.
قال ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى ( الم أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ) . العنكبوت، 2.

(كان أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم رجالا وحسبوا أن الأمر يخفوا فلما أوذوا في اللَّه ارتد منهم أقوام).
تفسير ابن أبي حاتم ، ج 9 – ص 3030 – 3031، وهو لا يخرج في تفسيره إلا أصح الأسانيد كما جاء في مقدمة تفسيره .

وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وله وسلم ، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ههنا ، ومرة إلى ههنا؟ وقال المسلمون فيمن مضى من إخوانهم المسلمين ، وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت ).
تفسير الطبري، ج 2 – ص 17 – 18.

(وعن قتادة … ذكر لنا أن ناسا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمسيره ، أنكروا ذلك وكذبوا له ، وعجبوا منه ، وقالوا : تحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة) . تفسير الطبري ج15 ص 139.
وقال ابن كثير: (وتقدم أن ناسا رجعوا عن دينهم بعد ما كانوا على الحق ). تفسير ابن كثير ، ج 3 – ص 52.
وفي السيرة لابن هشام : ( فارتد كثير ممن كان أسلم ) سيرة ابن هشام ،ج 2 – ص 270، تفسير القرطبي ج10 ص285.

وفي كتاب ( قراءة في الأدلة السلفية) ذكرتُ عشرين صحابيا ممن نص المؤرخون والمحدثون على ردتهم.

فهؤلاء أقوام فارقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالفوه، فلا غرابة أن يخالف بعضُ أصحاب الأئمة أئمتهم ويفارقونهم، إما لضعف إيمانهم وإما طلبا للمال والرياسة، أو لأسباب أخرى، فبعض الناس الذي آمنوا برسول الله خالفوه وادعوا النبوة كمسيلمة وغيره.

لقد اشتبه البهبودي فظن أن كل أصحاب الأئمة كانوا اتباع حق، وظن أن سبب الإختلاف لا يكون إلا واحدا، وليس الأمر كذلك، فحال شيعة الإمام الحسن العسكري ع كحال الناس في عهد موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليهم وعلى آل محمد أجمعين).

لقد كان الأنصار من الصحابة يعلمون أن الخلافة في قريش ، ومع ذلك أرادوا اختيار سعد بن عبادة خليفة للمسلمين وهو منهم، فإن جاز للأنصار وهم الذين آووا ونصروا أن يخالفوا النص ويختاروا خليفة متناسين شروط الخلافة التي يقول بها الجمهور، جاز لبعض أصحاب الأئمة مخالفة الأئمة.

لقد مر الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم بظروف قاسية، جعلت التصريح بأسمائهم على الملأ خطرا على حياتهم، فلم يكن الأئمة (عليهم السلام) يذكرون الحجة أو الحجج من بعدهم إلا للخاصة منهم.

قال الشيخ جواد التبريزي: ( إن الوضع العام الذي عاش فيه الأئمة (عليهم السّلام) خصوصاً بعد شهادة الإمام الحسين كان وضعاً ضاغطاً وعصيباً ، وقد حاول فيه الظالمون بكل جهدهم ( أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ ) فكانوا يتربصون بالأئمّة الدوائر ويبغونهم الغوائل للقضاء عليهم . وكان هؤلاء الظالمون ، في العهدين الأموي والعباسي وإن لم يكونوا يقدمون على قتلهم جهراً وعلانية كانوا يحاولون ذلك غيلة ، وشاهد ذلك ما نجده من إقدامهم على دس السم للأئمة (عليهم السّلام) ، وهذه الظروف والأوضاع غير خافية على المتتبع لأحوالهم ، والعارف بتاريخهم ، ويكفي لمعرفة ذلك ، النظر إلى كيفية نص الإمام الصادق ع على إمامة الكاظم في وصيته له ، حيث كان العباسيون ينتظرون أن يعيّن بنحو صريح الإمام بعده ليقتلوه ، فكان أن أوصى لخمسة ، فضيع عليهم هذه الفرصة ، ثم ما جرى على مولانا الكاظم ع من سجنه ثمّ قتله ، وأيضاً ما جرى من التضييق والاضطهاد للإمام الهادي ع ومن بعده ابنه الحسن العسكري ع، ومحاولتهم القبض على خليفته الإمام المهدي وقتله بزعمهم . وهكذا ما عاشه الشيعة الكرام من ظروف القمع والتقية ، بحيث كانوا لا يسلمون على عقائدهم في وقت كان يسلم فيه الكفار في بلاد الإسلام على ما كانوا عليه من ضلالة ، ولا يسلم شيعة أهل البيت بما عندهم من الهدى ! فكان الكشف في هذه الظروف عن أسماء الأئمة المعصومين ، خصوصاً من كان منهم في الفترات اللاحقة ، وتناقل النصوص المصرّحة بإمامتهم بين الرواة أمراً في غاية الخطورة على الإمام وعلى شخص الناقل أيضاً . ولكنّهم مع ذلك قد حفظوا لنا جزاهم الله خير الجزاء تلك النصوص وتناقلوها فيما بينهم بالرغم ممّا كان يكتنفها من المشاكل والضغوط حتى أوصلوها لنا ، بحيث تمّت بواسطتها الحجّة على من أنكر ، والاحتجاج بها والاستناد إليها لمن آمن . ولهذا فقد أصبحت هذه القضية من المسلَّمات العقائدية لدى شيعة أهل البيت ، والمتواترة إجمالًا ، بحيث إنّهم عرفوا حتى عند أعدائهم بتوليهم لهؤلاء الأئمّة الطاهرين ، وميّزوا بأنّهم ( الاثنا عشرية ) في إشارة إلى اعتقادهم بإمامة الأئمّة الاثني عشر . وصار الأمر عند الشيعة بحيث إنّ من كان لا يؤمن بأحدهم أو جعل غيره مكانه لا يعد من هذه الطائفة) الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية ، ص 23 – 24.

وسُئل المرجع السيد الخوئي رحمه الله : ( قد نسأل من قبل زيدية أو واقفية أو إسماعيلية مثلا ما هو دليلكم القطعي على إمامة الأئمة من بعد الإمام علي ع إلى الإمام الحجة ع هل هناك اجماع كاشف عن قول المعصوم السابق يثبت اللاحق ، فما هو طريقكم فأرشدونا ولو إلى مظانه ، وهل هناك أخبار متواترة على الإمامة؟
الخوئي : عندنا اجماع ونصوص نبوية ، وغير نبوية من أولئك الأئمة الأبرار واحدا بعد واحد أيضا مذكورة في أحاديث الأصول .

التبريزي : يضاف إلى جوابه (قدس سره): ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المروي بطريقي العامة والخاصة أن الأئمة من بعدي اثنا عشر، وهذا ينافي مذهب الزيدية والإسماعيلية والواقفية وأمثالهم. صراط النجاة ( تعليق الميرزا التبريزي ) ، ج 2 – ص 448.

إن ادعاء البعض للإمامة والاختلاف حولها ليس دليلا على بطلان قول الاثني عشرية، إذ ( لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها ، لأنا نعلم أن خلقا قد ادعاها) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، ص 106.

إن غالبية أصحاب الإمام الحسن العسكري ع وأتباعه قد قالوا بإمامة ابنه الحجة المنتظر، وبعض تلك الفرق رجعت إلى موافقة الاثني عشرية، والبقية منها انقرضت.

قال الشيخ المفيد (ت 413هـ) : ( ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد – عليهم السلام – افترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي رضي الله عنه أربع عشرة فرقة : فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتظر – ع – وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام ، واعتقدوا أن له غيبتين إحداهما أطول من الأخرى ، والأولى منهما هي القصرى ، وله فيها الأبواب والسفراء ، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أبا محمد الحسن – ع – أظهره لهم وأراهم شخصه …

وقالت فرقة أخرى إن الإمام بعد الحسن – ع – ابنه المنتظر وأنه علي بن الحسن ، وليس كما تقول القطعية ــــ أي الاثني عشرية ــــ إنه محمد بن الحسن وقالوا بعد ذلك بمقالة القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف… قال الشيخ أيده الله ـــ : وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلا الإمامية الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله () القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حَسْب ما شرحناه في ما تقدّم عنهم، وهم أكثر فرق الشيعة عدداً وعلماً، ومتكلّمون ونظار، وصالحون وعبّاد، ومتفقّهة وأصحاب حديث، وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية، ورؤساء جماعتهم، والمعتمد عليهم في الديانة) الفصول المختارة ، ص 318 – 321.

من كتاب : اضا مروان خليفاتءات مهدوية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close