الساسانيون كانوا كورداً ولم يكونوا فُرساً (2 – 2)

د. مهدي كاكه ييImage preview

في الحلقة السابقة تطرقنا الى عشرة براهين التي تؤكد على كوردية الساسانيين. في هذه الحلقة نواصل سرد المزيد من الأدلة التي تُثبت أن الساسانيين كانوا كورداً.

11. اللهجة الهَورامية الكوردية هي نفسها اللغة الپهلوية التي كانت لغة الساسانيين، حيث يذكر العلّامة مسعود محمد بأنه جاء في كتاب (المعجم في معايير اشعار العجم) لمؤلفه شمس الدين محمد بن قيس الرازي ما ترجمته من الفارسية الى العربية ما يلي: {وجدتُ أهل العراق مشغوفين بإنشاء وإنشاد الفهلوية (الپهلوية)، بل أنّه ليس من لحن لطيف جاء من القول العربي والغزل الدري (الفارسي) هزّ قلبهم وطبعهم مثل:

{لحن أورامَن (هورَمان) وبيت پهلوي}[17]. البيت الشعري (لحن أورامَن (هورَمان) و(بيت پهلوي) يُشيد بالغناء الهورَماني وأنّ لحن الغناء مرتبط بِلغته وهذا يشير بِوضوح أنّ اللهجة الهَورَمانية هي اللغة الپهلوية.

بالنسبة للفُرس، تمّ إبتكار لغة فارسية جديدة مع إختفاء الحُكم الأشكاني في سنة 226 ميلادية ومجئ الساسانيين للحُكم. هذه اللغة الجديدة المُستخدَمة في العهد الساساني، تُسمّى (اللغة الپارسیکية) للتمييز بينها وبين اللغة الفارسية القديمة والفارسية الحديثة[18]. كون اللغة الپهلوية (الكوردية) لغة الساسانيين وتكلّم الفُرس بِلغة أخرى وهي (اللغة الپارسیکية)، يؤكد على كوردية الساسانيين.

12. كان الساسانيون يقومون بِتمجيد (كاوا الحداد) الكوردي، حيث كان إسم علَم هذه الإمبراطورية هو (علَم كاويان) وكلمة (كاويان) مأخوذة من إسم (كاوه الحداد) الذي يُقال أنه قتل الملك الظالم (ضحاك) الذي جعل من صدرية حدادته علماً[d]. كان إرتفاع العلَم (12) ذراعاً وعرضه (8) ذراع وكان مصنوعاً من جلد النمر ومُرصّعاً بالياقوت واللؤلؤ والمجوهرات.

في معركة القادسية التي جرت بين العرب المسلمين والدولة الساسانية في سنة 636 ميلادية، إنتصر المسلمون العرب على الساسانيين، فإستولوا على هذا العلَم وأعطوه للخليفة (عمر بن الخطاب) مع إثنتَين من بنات الملِك الساساني (يزدكورد) اللتين تمّ أًخذهما كسبايا واللتين كان إسمَيهما (شاهژنان أو کَيبانو) و(شاربانو)، حيث أخذ محمد بن ابو بكر الصديق (شاهژنان) زوجةً له و أخذ حسين بن علي بن أبي طالب البنت (شاربانو) زوجة له وهي والدة إمام الشيعة (زين العابدين إبن الحسين). تبنّي الساسانيين لِعلَم كاوه دليل آخر على إنتماء الأسرة الساسانية الحاكمة الى الشعب الكوردي[19].

13. الكتاب المعنون (التاريخ الصغير) لِمؤلف سرياني نسطوري مجهول (ولادته كانت بعد عام 680)، يتحدث عن تاريخ الكنيسة النسطورية ويسرد أحداثاً تاريخية مهمة التي حصلت خلال القرنَين السادس والسابع الميلادي. يسرد الكاتب في صفحات 100 – 102 من هذا الكتاب معلومات مهمة عن أصول الساسانيين وعن القائد الساساني (هُرمَزدان Hormazdān) الذي كان قائداً عسكرياً لمنطقة (خوزستان). تمّ أسر هذا القائد من قِبل القوات العربية – الإسلامية الغازية في عهد عمر بن الخطاب وثمّ تمّ قتله من قِبل المسلمين بعد أسره. يقول مؤلف الكتاب أنّ (هُرمَزدان) هو إبن عم آخر ملوك الساسانيين (يزد كورد الثالث) وحفيد الملِك (أردشير پاپَگان)، حيث أنه يذكر أنّ هذا القائد الساساني ينتمي الى أسلاف الكورد الميديين. كما أنّ (Paravaneh Pourshariati ) يذكر أن (هُرمَزدان) كان من سكان ميديا[e]، أي أنه كان ينتمي الى الميديين. المصدران السابقان يشيران بوضوح الى أنّ الساسانيين كانوا ينتمون الى أسلاف الكورد الميديين وهذا دليل آخر على كوردية الحُكّام الساسانيين.

14. مقاومة سكان الإمبراطورية الساسانية للغزو الإسلامي العربي إنحصرت بشكلٍ رئيس في المناطق الكوردستانية، مثل (شارزور) و(الموصل) و(حلوان) و( نهاوند) و( جلولاء) الذين دافعوا عن الحُكم الساساني الكوردي، بينما لم تكن هناك مقاومة كبيرة ضد هذا الغزو في المناطق غير الكوردية. دفاع الكورد عن الدولة الساسانية كان دفاعاً عن دولتهم الكوردية وحكمهم الكوردي.

15. في قصيدة شعرية له كتبها قبل أكثر من (100) مائة سنة، يقول الشاعر الكوردي، حاجي قادر كۆيى (1817 – 1897 م)، أن الساسانيين هم من الكورد، حيث يذكر بالإسم الملكَين الساسانيَين، (أردشير) و (قُباد) و يتشكى فيها من إهمال تدوين تأريخ الشعب الكوردي باللغة الكوردية. أقتطف هنا من قصيدته الشعرية هذه الأبيات التي قمتُ بترجمتها من الكوردية الى العربية: إذا لم يرغب الكوردي في تعلّم لغته الأُم مِن المؤكد أنّ أُمّه عاهِرة و أباهُ زانٍ تعالَ لأُحدّثك عن أمور تجهلها! عالَم السياسة جميلٌ إذا أتقنتَ فنونه (صلاح الدين) و (نور الدين) الكورديان و (عزيزان)* ال(جزيرة) و (موش) و (وان) (مهلهل)** و (أردشير) و الأسد (ديسم)*** (قُباد) و صقور أمراء أردلان هؤلاء كلهم كورد خالصون لا شك فيه بسبب الجهل و الأمّية، إختفوا من صفحات التأريخ الكُتب و الألواح و الوثائق التأريخية لو تم تدوينها عبر التأريخ بِلُغتنا لخلّد التأريخ ملوكنا و حُكّامنا و أمراءنا و لَبقوا نجوماً متلألئة تُنير صفحات التأريخ * (عزيزان) هم أجداد (البدرخانيين)، الذين حكموا أجزاء من كوردستان (مناطق الجزيرة و موش و

وان” في زمن الخليفة عمر بن الخطاب. ** (مهلهل) هو (مهلهل شازنجاني) الذي تغلّب على السلجوقيين في مدينة (كرماشان) و أصبح يحكم مناطق كرماشان و خانقين و كفري و كركوك و شهرزور و سيروان. *** (دَيسَم) هو الحاكِم الكوردي الذي حكم أذربيجان في زمن الدولة العباسية.

هكذا فأنّ المصادر الرصينة التي نستند عليها، تؤكد على أنّ الساسانيين كانوا كورداً وأنّ معركة القادسية التي وقعت بين المسلمين العرب، بقيادة سعد بن أبي وقاص و الساسانيين في عهد آخر ملوكهم، (يزدكورد الثالث)، كانت معركة بين العرب و الكورد، إلا أن محتلي كوردستان قاموا بتزوير التأريخ و سرقة التأريخ الكوردي و إعتبروا الساسانيين من الفُرس.

أسماء الملوك الساسانيين

نذكر هنا أسماء ملوك الساسانيين الأربع و العشرين، الذين دام حكمهم لمدة أربعمائة و ستة و عشرين عاماً (224 أو 226 – 651 م) التي هي كالآتي، مرتبة حسب التسلسل الزمني لحكمهم : 1. أردشير الأول 2. شاپور الأول 3. هرمز الأول 4. بهرام الأول 5. بهرام الثاني 6. بهرام الثالث 7. نَرسي 8. هرمز الثاني 9. آزر نرسي 10. شاپور الثاني 11. أردشير الثاني 12. بهرام الرابع 13. يزدكورد الأول 14. بهرام الخامس 15. يزدكورد الثاني 16. هرمز الثالث 17. فيروز الأول (پيروز الأول) 18. بلاش (وەلكاش) 19. قُباد الأول (كوات) 20. خَسْرَو الأول (أنوشيروان العادل)

21. هرمز الرابع 22. خَسْرَو الثاني (پَرْويز) 23. قُباد الثاني 24. يزدكورد الثالث يذكر حمدالله المستوفي في كتابه “نزهة القلوب” الذي كتبه في القرن الرابع عشر الميلادي، بأن الملِك (خاسرو الأول) قام بتنظيم الضرائب و الجيش و سجلات الدولة. في عهد هذا الملِك تم جلب كتاب “دليلة و دمنة” من الهند الى بلاد الساسانيين و في عهده أيضاً بلغت المدارس الفلسفية و الأدبية أوجّها[20].

نتيجة إفتقار الشعب الكوردي لكيان سياسي يُعبّر عن هويته و يقوم بتدوين تأريخه و الحفاظ على ثقافته و لغته و تراثه و تطويرها، فأن تأريخه قد تعرض الى سرقة و طمس و إلغاء و تشويش ظالم لأن محتلي كوردستان يحاولون إستئصال اللغة و الثقافة الكوردية و إلغاء هوية الشعب الكوردي و تزوير تأريخه العريق، ليُكرّسوا إحتلالهم لكوردستان و يُلغون كوردستان من خارطة الشرق الأوسط و ليقوموا بصهر الشعب الكوردي عن طريق تتريكه و تفريسه و تعريبه.

إن للشعب الكوردي تأريخ مجيد و أنه من أقدم شعوب المنطقة و أن الحضارات السومرية و الإيلامية و الخورية – الميتانية و الهيتية و الميدية و الساسانية، تشهد على عراقة هذا الشعب و المساهمة العظيمة له في بناء الحضارة الإنسانية و تطورها و تقدمها.

إبراز الدور الحقيقي للكورد في تأسيس الحضارة البشرية و التعرّف على ثقافتهم و تأريخهم، يتطلب تأسيس مراكز علمية كوردية لإحياء الثقافة الكوردية و لتصحيح كتابة التأريخ الكوردي. على الكورد البحث عن تأريخهم في ثنايا الكتب و الوثائق وفي قاعات المتاحف و الأماكن الأثرية و عن طريق التنقيب عن الآثار في ممالك الكورد الأثرية و تفحص مراسلات و تقارير الحكومات و المسئولين من خلال القيام بدراسات علمية موضوعية للتأريخ الكوردي للعثور على الحقيقة، بالرغم من التخريب و السرقة و الطمس التي تعرض لها التأريخ الكوردي و خاصة أن الكورد يفتقرون الى كيان سياسي ليُكتب هذا التأريخ في ظله. محتلوا كوردستان قاموا بكتابة التأريخ الكوردي، فعملوا على تشويهه و سرقته و طمسه. من بين هذا التشويه و السرقة، على الكورد أن يبحثوا و يجدوا و يكتشفوا تأريخهم و يضعوه في متناول أطفال الكورد و ليدعوا العالم يعرف التأريخ الحقيقي للكورد. لا أطالب هنا بتزوير التأريخ كما قام به المقبور صدام حسين في حملته “إعادة كتابة التأريخ”، و إنما أقترح تأسيس مراكز علمية لجمع المعلومات التأريخية عن الكورد و تبويبها و تسجيلها و حفظها و مقارنة بعضها مع البعض و غربلتها و تحليلها و من ثم كتابة المعلومات الصحيحة بشكل موضوعي و علمي.

المصادر

17. مسعود محمد. لسان الكرد. 1984، صفحة 60 – 61.

18. المصدر السابق، صفحة 39.

19. ولي فولادى منصورى. تاريخ سياسى اجتماعى بزرگ ايل کلهر. المجلد الأول، صفحه 169.

20. المستوفي حمد الله القزويني. نزهة القلوب في المسالك و الممالك. ليدن، 1915.

d. https://donya-e-eqtesad.com/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%D8%B3%D8%A7%DB%8C%D8%AA-%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-62/3084203-%D9%BE%D8%B1%DA%86%D9%85-%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%B2-%D8%A2%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%AA%D8%A7%DA%A9%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%88%DB%8C%D8%B1

e. Paravaneh Pourshariati. The Parthians and the Production of the Canonical Shāhnamas : Of Pahlavi, Pahlavānī and the Pahlav. In: Henning Börn and Josef Wiesehöfer (eds.). Commutatio et Contentio Studies in the Late Roman, Sasanian, and Early Islamic Near East. 2008, p. 240.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close