بين الماضي والمستقبل ” لو كنت ترغب أن يكون الحاضر مختلف عن الماضي ، ادرس الماضي”

سبينوزا

عندما ننظر الى الوراء، نظرة تأمل، وهي من أولويّات المعرفة، ومن المهام الرئيسية التي ينبغي على كل مثقف ان يوليها الأهتمام الأكبر ،وأن يكون على اطلاع دقيق على التأريخ برؤية واضحة لا ضبابيّة فيها ، ولا يشوبها غبار، ولا حساسية تعتريها. فالتأريخ مهم لكل إنسان وطالب علم يريد ان يعرف ماضي امته وتأريخها ، أمّا بالنسبة للمثقف فأهمية التأريخ له ، بكل أبعاده وعمقه المادي والمعنوي، أكبر وأهم من غيره من الآخرين . فأهمية التأريخ كأهمية الماء والغذاء بالنسبة للأنسان والكائنات الحية بشكل عام . ومثلما حاجة الأنسان للماء النقي والغذاء الغير فاسد، وغير الملوث ، ليُشْبِعَ بطنه ، وليطفأ ظمأه ويروي غليله ، وليغذي به كيانه العضوي ويعيش سالما معافى ، كذلك حاجة المثقف وطالب العلم للتأريخ ليغذي به عقله وروحه بالمعرفة ، والحقائق البيّنة والنيّرة الساطعة ، وليس التأريخ السطحي ، أو التأريخ الذي يشوبه التحريف والدجل والأكاذيب ، وكحدٍّ أدنى لنا من المعرفة كمثقفين ، ما نحتاجه هو معرفة تأريخنا المعاصر الذي يرتبط بحاضرنا وما تجري من مستجدات على الساحة العراقية، ذات العلاقة والصلة المباشرة بالتآمر الدولي المحموم والطامع بخيراتنا وحيا تنا وعيشنا وكل ما يتعلق بكرامتنا ومستقبلنا ، وفي الوقت نفسه يجب معرفة أسباب هذا التآمر الدولي على العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأمتنا بشكل عام ، الذي هو مرتبط بالقضية الفلسطينية ، ولا ينفصل عنها ، وسعي قوى الشر العالمي ، المتمثلة بأمريكا وحلفائها، من أجل بقاء ودعم الكيان الصهيوني الغاصب.

فالتأريخ هو الأرث الحضاري الغني بالدروس والعِبَر للحاضر والمستقبل، والأطلاع على التأريخ لمعرفة الوقائع التي حصلت أنذاك، إيجابيّاتها وسلبيّاتها لكي يُستفاد منها ، وحتى لا تتكرر الهفوات والأخطاء التي مرّوا بها من سبقونا ، وان لا نقع في مصايد المتصيدين من الأعداء، والضياع في متاهات ملتوية، ومفاهيم خاطئة ومزيفة ، وان لا تنطلي علينا محاولات الأقلام المأجورة التي كانت تكتب التأريخ على مقاسات أسيادها وأولياء نعمتها، انطلاقا من عبوديتها للدرهم والدينار ، واليوم للدولار ، أخذت تلك الأقلام المأجورة بالأكثار من خربشات حروفها وخُزَعْبلاتها ، كي تُبعِد الحقيقة عما يجري في قصور السلاطين من فساد وموبقات وبالوعات دم نتنة ، ظنّاً منها أنّ هذه الخربشات ستكون تأريخاً يخدع الأجيال القادمة ، وتحجب الحقيقة عنه .

فكل واع منّا يعرف جيداً التأريخ المعاصر بعد انتهاء الدولة العثمانية والأحتلال الغاشم للعراق من قِبَل الجيوش البريطانية الغازية ، وكيف نشأت حينذاك الحركة الوطنية المناهضة للأستعمار ، والنضال من أجل التحرر من الهيمنة الأستعمارية والتبعية ، وكما هو معلوم أن المستعمرين دائما لا يكتفون بجيوشهم الغازية ، بل يجدون من البلدان التي يستعمرونها أو تلك التي يريدون إستعمارها ، ثلة من شذاذ الآفاق والضمائر الميتة، ومن أشباه الرجال وأنصاف المثقفين، ويرسموا لهم خططأ وتشكيلات وتنظيمات على شكل عصابات أو أحزاب والى غير ذلك من التسميات ، ليعطوها الطابع الشرعي ، ويمولوها بالمال الحرام ، ودسّهم في المجتمع ، ليكونوا الجبهة المضادة لحركة التحرر الوطني ، والوطنيين الذين لا يرضون أن يكونوا عبيدا لقوى الشر والعدوان . وهذا ما سجله التأريخ المعاصر عن الدور القذر الذي لعبته عصابات البعث في الخمسينات وكيف كانت تخلق البلبلة والأضطرابات في الشارع العراقي قبل ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة 1958،وبعد انتصارها ، ومن ثم التآمر عليها وأجهاضها ، بأكبر جريمة شهدها تأريخ العراق المعاصر حين جيئ بهم بقطار انجلو- أمريكي، وباعتراف قائد من قياداتهم ( علي صالح السعدي ) ، في الثامن من شباط الأسود 1963 ، وتصفية رموزها الأبطال وعلى رأسهم

الشهيد البطل عبد الكريم قاسم ورفاقه الأبطال . وبعد أن نبذهم الشارع العراقي عندما تلطخت أياديهم بدماء الشرفاء وبوضح النهار ، أطاح بهم رفيق جريمتهم النكراء عبد السلام محمد عارف، ليس بدافع الأستنكار ورفض مافعلوه من جرائم يندى لها جبين الأنسانية ، وإنّما خوفاً على عرشه المنتصب على الجريمة والغدر والخيانة . وكما هو معروف سلوك العصابات في كل زمان ومكان في القتل وارتكاب الجرائم بحق الآخرين ، وكذلك في ما بينهم من غدر وتصفيات . فتلك العصابة التي صنعتها الأجهزة الخفية في دوائر قوى الشر ، وأعطتها أسم حزب البعث ، عادت الى الحكم مرة ثانية بأغتيال رفيق تآمرهم على ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ، عبد السلام عارف بقتله في الجو بتفجير مروحيته في 13نيسان 1966، ومن ثم قيامهم بعزل أخيه عبد الرحمن عارف ونفيه الى الخارج في السابع عشر من تموز 1968 المشؤوم . وبدأت جرائمهم بفصل مسرحي جديد وسيناريو آخر ، لا يختلف عن نهجهم الأجرامي الدموي السابق المتأصل في نفوسهم اللئيمة إلاّ بالمظهر ، وبأساليب خادعة وماكرة . والكل يعرف كيف كانت بدايتهم بأغتيالات غامضة، معروفة للوطنيين والشرفاء من الشيوعيين والأحزاب الأخرى وكذلك رجال الدين، وفي ذات الوقت تجري تصفية الحسابات في ما بين بعضهم البعض من البعثيين ، والعصابة المتسلطة الحاكمة نفسها ، حتى انفجر هذا الصراع وظهر للعلن حين قام احد اكبر مجرميهم المقبور ناظم كزار بمخطط لأستلام السلطة، بتصفية أحمد حسن البكر وصدام حسين. وهكذا استمر القتل والأجرام في اغتيال كل عراقي شريف ، وكذلك تصفية عناصرهم (العصاببعثية ) بقيادة صدام ، حتى وصل الى رئاسة الدولة وعزل البكر ومن ثم تسميمه والتخلص منه نهائيّاً . وعندما قفز صدام على قمة العصابة والتحكم بزمام الأمور كاملة بدأ الفصل المسرحي الدموي المسمى ( مجزرة قاعة الخلد ) بأعدام أقرب رفاقه 1979، والكل يعرف كيف نصب صدام فخّا لرفاق دربه ، بإجتماع الدم والموت الذي ما كان يخطر على بال أحد منهم ، وما سيلاقوا حتفهم المخبّأ لهم في تلك المسرحية الدموية الغادرة . ولم يكتف ذلك المجرم الأرعن بتصفية كل رفاقه وهيمنته على قمة العصابة

المسماة حزبا ، والأستحواذ على السلطة في العراق بكل مرافقها، كل ذلك لم يشبع نهمه وشراهته المريضة ، بل دفعته نفسه اللئيمة وعدوانيته ، بتوسيع رقعة شره وجرائمه ، فبدأ بشنه الحرب على الثورة الفتية في إيران التي اعلنت وقوفها الى جانب القضية الفلسطينية في ايلول 1980 وانتهت في آب 1988، وما خلّفت تلك الحرب من دمار شامل على كل المستويات، الأقتصادية والسياسية والأجتماعية والبيئية ، وأبادة نحو مليون ضحية من شباب العراق في محرقة حربه المجنونة، وخسارة 400 مليار دولار حينها ، ولمدة ثمان سنوات من الخراب والدمار ، بعدها استسلم ، واعترف بتنفيذه مؤامرة دفعته اليها قوى خارجية ، و بعد كل ذلك الخراب والدمار ،تنازل الى ايران من حيث بدأ عدوانه عليها ، وتلك القوى الأقليمية والدولية التي اشار اليها صدام ، هي نفسها التي تتآمر اليوم على العراق ارضا وشعبا وسيادة . وكما بيّنت ان المستعمرين والطامعين لا تغمض لهم عين ولا يغفو لهم جفن . فهم دائما وأبدا يصنعون أدوات لهم بمختلف الوجوه والتسميات ، ووضع سيناريوهات لهم وخلق مناخات لأعطائهم تبريرات مقنعة خادعة لقيامهم بتنفيذ جرائمهم وتآمرهم على أوطانهم وشعوبهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، مقابل اموال السحت ، اضافة الى التغطية الأعلامية المكثفة . وهؤلاء الذين ينفذون المؤامرات ويرتكبون الجرائم تلو الجرائم على مدى تأريخ العراق المعاصر الذين عرفهم القاصي والداني هم عصابة ما يسمى بحزب البعث الصدامي وأيتامه المنبوذين ، وهم المطايا الرخيصة الأيجار للقوى المعادية للشعوب وللأحرار . فبعد أن أندحر سيدهم الجرذ بتلك الأيادي التي أتت بهم وبعصابة البعث بشكل عام وبالجرذ المقبوربشكل خاص ، فها هم اليوم مرة أخرى أداة قتل وذبح وخراب ودمار وكل ما يجري على الساحة العراقية وخارجها هم وراء كل ما يجري من قتل وسفك دم ، وفي كل يوم بمسرحية دموية ولباس وأقنعة ، وكما بالأمس البستهم قوى التآمر والعدوان الخارجي اللباس الأسود واللحى الوسخة الطويلة ، واعطتهم الراية السوداء كوجوههم ، وشحنتهم بالطائفية البغيضة ، فتصدى ابناء العراق الغيارى لهم ولكل البهائم الضالة ومن خلفها ، بجهود خيرة وأرادة فولاذية ، وبتكاتف كل الخيرين بحشد شعبي بطل يشبه الأساطير بملاحمه البطولية ، تلبية لفتوى المرجعية الرشيدة ، والشخصية المقدسة ،

الأمام السيستاني حفظه الله ورعاه ، فأفشلت المؤامرة الكبرى على العراق والعراقيين ، وبهذا اندحرت قوى الشر البهيمية المسماة داعش . ولكن يا ترى هل انتهت مؤامرات قوى الشر والعدوان على العراق بعد فشلهم باستخدام أيتام الجرذ المقبور التي البستهم غطاء مذهبياً وشحنتهم بالحقد الطائفي المسموم؟ كلا العدو الخارجي الطامع بخيرات الشعوب ، والخبير بممارسات الغدر والتآمر والعدوان والخديعة بكل الأساليب الحديثة والمتطورة ، لا يتوقف عن التآمر بتحريك المجرمين والقتلة واللصوص وكل شذاذ الآفاق المنبوذة والضالة مهما كلف الأمر، فهم يستخدمون كل الأساليب القذرة الى جانب غسيل الأدمغة باساليب متطورة، فيقع فيها بعض المغفلين الذين يبحثون عن خلاص من معاناتهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة من السلطة الحاكمة بالفساد ، وعدم الشعور بالمسؤولية اتجاه الشعب ، والذين انتخبوهم واعطوهم الثقة في تلبية حاجات المواطن ، وبناء الوطن والتقدم بالبلاد للامام ، وللأسف خيبوا آمال المواطنين الذين نفذ صبرهم ، فخرجوا للشارع مطالبين بحقوقهم المشروعة ، وهنا يعرف أعداء الوطن في الداخل والخارج الذين ينتهزون الفرص لتنفيذ مؤامراتهم وبث سمومهم بين الشباب المنتفض من اجل حقوقه ، فيقع في مصيدة المجرمين القتلة من أذناب البعث ، وبتوجيه اسيادهم المتربصين بالشر للعراق شعبا وأرضا ، بحلفهم ( الصهيو- خليجي – أمريكي ) وبشن حملات اعلام الخنازير الألكترونية لتحرف انتفاضة الشباب السلمية الى حرب وقتال الأخوة وسفك الدماء ، وبهذا يكون الشعب والوطن والشباب ، الجميع ضحية ، والرابح من كل هذا أعداء العراق المتآمرين ، الذين لا يريدون للعراق خيرا . وهذا الذي نراه كل يوم من قتل وخراب ودمار، بشحن الشباب بالحقد والضغينة ودفعهم للجريمة والقتل ، بواسطة الخنازير الألكترونية الصهيو- خليجية- أمريكية ، ومَنْ وراءها ، مِنْ عصابات البعث الأجرامية التي يدفعم الحقد والضغينة والحلم بالعودة الى قصور ملذاتهم واشباع نفوسهم الظمأى للدم من شدة لهاثهم وفرارهم من قبضة المظلومين وذوي الشهداء والضحايا من ابناء الشعب العراقي .

الدكتور ابراهيم الخزعلي

26.01.2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close