لهذه الأسباب غضبوا على “عادل إمام” وأقعدوه في البيت!

محمد ثابت
كاتب مصري

لقرابة العام يستمر جلوس عادل إمام أحد أكبر الفنانين المصريين سنًا وأكثرهم شهرة في البيت؛ ربما ليتذكر عادل إمام دور بهجت الأباصيري الذي أداه في مسرحية “مدرسة المشاغبين” وصراخه الساخر: “هي عادت فيه مدارس يا جدع.. فين أيام رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك؟!”.

و”مدرسة المشاغبين”المسرحية الأبرز في مسيرة إمام الشاب (حينها) بدأ تقديمها في 24 من أكتوبر/تشرين الأول 1973م؛ ولم يكن يعرف أن ظهوره على خشبة مسرح “فرقة الفنانين المتحدين” للتمثيل مع نخبة صارت من ألمع فناني مصر من بعض جهد وتأثير الراحلين الطهطاوي وعلي مبارك وغيرهما من أعضاء البعثات التي أرسلها محمد علي باشا للخارج في بدايات القرن التاسع عشر لتتسبب في نهضة علمية ثقافية إبداعية شاملة لمصر بعد عودتها؛ ولم يخطر لإمام على بال أنه سيعاني في نهايات حياته الفنية من طيش عبد الفتاح السيسي والعسكريين أعداء المدنية وبالتالي النهضة!

غاب عن زعيم التمثيل بالعرف الفني المصري، أن عودة البعثات المصرية من دول أوربا أظهر قبل بداية القرن العشرين وبعده مجموعة من أرقى الذين عرفتهم الكنانة؛ بل لا يعرف إمام الذي ولد في عام 1940م أنه (ولو بشكل غير مباشر) من نتاج نفس فترة الازدهار المصري الشامل، وأن الراحلينِ “الطهطاوي وعلي مبارك” وغيرهما ساهما في نهضة مدنية باسقة أثمرت حياة مدنية كانت واعدة بالنهضة والتقدم لو قُدِرَ لها الاستمرار.

مرارات العسكر:

ولإن العرب المُجربينَ القدامي قالوا: “بضدها تُعرفُ الأشياء”؛ فكان ضروريًا أن يذوق إمام مرارات العسكر الذين أجادوا استغلاله عقب نضجه فنيًا، فكانت “مدرسة المشاغبين” للمداراة على الالتفاف الصهيوني/الأمريكي على حرب أكتوبر المجيدة؛ إذ بدأ عرض المسرحية في توقيت غريب بعد تراجع من الرئيس الراحل أنور السادات عن إتمام العمليات العسكرية، وخلافات عارمة مع الفريق رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق سعد الشاذلي وغيره، بل إن الرئيس السادات نفسه لم يجد إلا المسرحية نفسها ليعرضها في 18، 19 من يناير/كانون الثاني 1977م لمواجهة انتفاضة الشعب المصري العارمة ضد غلاء الأسعار؛ وحاول بها سحب الجماهير من الشوارع بالبث المفاجئ للمسرحية في ذروة النهار.

لكن إمام وغيره من الفنانين المصريين خانهم ذكاؤهم إذ ناصروا مصلحتهم الخاصة والانقلاب العسكري ضد أول رئيس مصري مُنتخب؛ وتوالت النتائج فحينما ذهب إمام ليدلي بصوته في الانتخابات الصورية لترشيح السيسي لحكم مصر لفترة ثانية في 2018م وجد اللجنة الانتخابية فارغة فهمس للفتاة المشرفة: “هي الدنيا فاضية كده ليه.. هو ما حدش جه غيري ولا إيه؟”، فلما استفسرتْ المشرفة البدينة منه عما يقول لم يستطع تكرار كلماته، وإنما علق على سمّنة الفتاة متسائلًا عن السبب ومقررًا أنه “أكل المكرونة” وغيرها.

وتغيير إمام لحديثه الاستفساري عن مقاطعة المصريين اللجان الانتخابية للحديث عن “المكرونة” (خوفًا من بطش العسكر) طال حتى ليصاحبه لشهور بمجالات فنية وإعلامية مختلفة ليست خاصة بالنشويات وما شابهها (ولو من باب السخرية التي تعودها منذ دور الأباصيري بالمشاغبين)، ففي العام الماضي اختلف مع شركة “إعلام المصريين” المخابراتية المسيطرة على الدراما ورئيسها تامر مرسي حول أجره؛ فأوقف مسلسل “فالنتيو” الذي كان من المقرر أن يقدمه في رمضان الماضي؛ بل تم منع كتابة الصحف الحكومية والخاصة من تناول أخباره؛ وصُودِرتْ أعداد من جريدة “الوطن” الأقرب للانقلاب لأنه صار “كودًا” أو ممنوعًا من النشر عنه بحسب العرف الإعلامي/المخابراتي؛ وفي المقابل قال إمام في برنامج “العاشرة مساء” على شاشة دريم في يوليو/تموز الماضي؛ وفي مرة نادرة تقبل محطة استضافته بعد شجاره المخابراتي، وهو الذي كان يرفض من قبل الظهور الإعلامي و”يتعزز”، ليقول: إن الفن في مصر يعاني من “فاشية”.

الزعيم الفاشي

لم يكن “الزعيم الفني” يتوقع أو يتخيل أن “الزعيم الفاشي” يصل به الأمر لإن يصرح في مؤتمر للشباب مؤخرًا بتدخل الدولة في الفن وأنه ازدهار (برأيه) لأنها “قدمت للدراما عناصر بناء إيجابي، ولم تسع إلى المكسب فقط”؛ وقال محللون ومتابعون إن السيسي كان يعني إمامًا بالتحديد!

والحقيقة أن حكم العسكر المباشر منذ يوليو/تموز 1952م أسفر عن أزَوْرار كامل وغصة بجميع المناحي الثقافية والإبداعية المصرية، ليعاني المصريون من اضمحلال العلم والإبداع ويستعيدون عهد الثقافة والإبداع الأول ويسمونه “الزمن الجميل” الذي أضاء للأمة كلها؛ بل لا يكادون يجدون علماء حقيقيين ولا أدباء ولا فنانين .. فالأحرار الذين يستطيعون التفكير والإبداع إما شهداء أو مصابون أو مسجونون أو مُلاحقون مُطاردون.

رد العسكريون المعروف بإجلاس “الزعيم الفني” في البيت يعاني ويتحدث أحيانًا عن المكرونة وأشباهها، وامتدت الظاهرة لتشمل آخرين مثل: يسرا، وغادة عبد الرازق وآخرين؛ مع تحويل عدد كبير من الفنانيين والإعلاميين الذين كانوا يُمثلون ظواهر صوتية إلى خدام لهم يقولون فُتات الكلام ويتقاضون عظائم الأجور بشرط ألا يحيدوا أو يجهروا بكلمة حق وإلا أَزَوْرهم العسكر؛ وتلك عقوبة واجبة على الفن والفنانين لما يستسلمون لحكم وتحكمات الطغاة!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close