ما هي العواقب الدنيوية للحكم بغير ما أنزل الله تعالى ؟

د. علي محمد محمد الصلابي

إنَّ للحكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ آثاراً دنيويةً وأخروية سيئةً، تبدو على الحياةِ في وجهتها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تصيبُ بشررِها محاسنَها، وتشوِّه معالمَها، وبذلك تتحوّل الحياةُ إلى فتنةٍ في الدنيا والآخرة، فالله عزَّ وجلَّ حذّرنا من مخالفة الأوامرِ الشرعيّة في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [النور :63] أي: فليحذرْ وليخشَ من خالفَ شريعةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم باطناً أو ظاهراً أي: في قلوبهم من كفرٍ أو نفاقٍ أو بدعةٍ أي: في الدنيا {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *}، أو حَدٍّ، أو حبسٍ، أو نحو ذلك.

إن المجتمعاتِ والشعوبَ التي تُسلِمُ قيادتها للحكام الذي يحكمونها بغير شريعةِ اللهِ تدفعُ ضريبةَ التخلِّي عن

الحكم بما أنزل الله من أموالِها وأعراضِها وعقولِ أبنائها، وغير ذلك من ثرواتها الأدبيّةِ والماديّةِ، ذلك إلى جانب ما يجرُّه التَّخلِّي عن الحكمِ بما أنزل الله من الجوع والخوفِ وضنكِ العيش، وغضبِ اللهِ في الدنيا والآخرة.

وهذه بعض الآثار المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله في الحياة الدنيا:

1 ـ غيابُ الأمن وانتشارُ الفوضى:

قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *} [العلق :6 ـ 7] والطغيانُ هو الصفةُ السائدةُ في الإنسانِ عندما يكونُ في معزلٍ عن شرع الرحمن، ولو تأمّلنا وصفَ القرآن الكريم للإنسان بمعزلٍ عن الإيمان، لوجدناه عجباً، فهو ضعيفٌ أمام المغريات، ونسيٌّ للإحسان، وظلومٌ في الحقوق، وكَفَّارٌ للنعم، ومجادِلٌ بالحق أو الباطل، وعجولٌ متسرِّعٌ، وناكرٌ للفضلِ، وبخيلٌ بما عنده، وشديدٌ في الخصومةِ، وشَرِهٌ في جلبِ الخير لنفسِه، وقنوطٌ إذا عجزَ عن جلبِ هذا الخير، وهَلِعٌ جَزِعٌ إذا أصيبَ بضُرٍّ، أو ألمَّ به شَرٌّ، وهو ضانٌّ بالخيرِ إذا تحصّل عليه، ولا يمكن أن تواجه وتعالج وتهذَّب طباعُ هذا المخلوقِ إلا بشريعةٍ مِنْ عندِ خالقِهِ: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [الملك :14] وكيف نتخيَّلُ مجتمعنا يُتْرَكُ فيه الإنسانُ كالوحش الضاري، أو السَّبعِ الكاسر، دونما شريعةٍ تطهِّر قلبه وجوارحه.

إنَّ تحقيقَ الأمنِ في المجتمعاتِ مرتبطٌ بتطبيق شرع لله، فقد خَصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ مَنْ طبّقَ شرعَهُ، وحقَّقَ شريعتَه بالأمن، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *} [الانعام :82] والمتأمِّلُ في حالِ المجتمعاتِ غير المحكومة بحكمة الشريعة، وضبطها للأمور يرى كثرةَ القتلِ والاغتصابِ، واستباحةَ الأموالِ بكلِّ الطرق والأشكالِ، وانتشارَ الفواحشِ والزنا والفجورِ والخَنا، والإدمانِ، واللصوصيةِ، والجاسوسيّةِ، والتحاسدِ، والشُّحِّ، والبخلِ، والجهلِ، والظُّلمِ، وهذا كلُّه من مظاهر غياب الأمن المرتبط بتحكيم شرع الله.

2 ـ انتشارُ العداوةِ والبغضاءِ:

قال تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة :64] .

فاليهودُ لمّا خالفوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وكذَّبوه، ولم ينقادوا لشريعته، أخبر الله عزّ وجلّ أنَّ قلوبهم لا تجتمع، بل العداوةُ واقعةٌ بينهم دائماً، لأنهم خالفوا شريعةَ الحق.

والنصارى بتركهم بعضَ ما ذُكِّروا به من شريعتهم، ثم تكبُّرِهم عن اتّباع النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت عاقبتُهم كعاقبةِ إخوانهم اليهود، قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *} [المائدة :14] .

والأمةُ الإسلامية وعظها الله تعالى بالعداوةِ المُلقاةِ فيما بين طوائف اليهود والنصارى، حتّى لا تقعَ فيما وقعوا فيه، فالرعيةُ تُلقى بينهم العداوات إذا رغبتْ عن شرعِ اللهِ، فمتى تركَ الناسُ بعضَ ما أمرهم الله به، وقعتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ، وإذا تفرّقَ القومُ فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا.

وإذا خرجَ ولاةُ الأمورِ عن الحكمِ بين الناس بالكتاب والسنة، فقد حكموا بغير ما أنزلَ الله، ووقع بأسهم بينهم، وهذا مِنْ أعظمِ أسباب تغيير الدول.

وقد تعوّذَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مغبةِ تركِ الحكم ما أنزل الله، وعدَّ ذلك من أعظم أسـبابِ وقـوعِ العداوةِ والبغضـاءِ بين المسلمين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قـال: أقبل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقـال: «يا معشرَ المهـاجريـن، خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ وأعوذُ بالله أن تُدركوهنَّ … وما لم تحكم أئمتُهم بكتابِ الله ويتخيّروا مِما أنزلَ الله، إلا جعلَ الله بأسهم بينهم».

3 ـ الحرمانُ من النصر والتمكين:

قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *} [ ال عمران: 160] وليس شيءٌ أدعى للخذلانِ والحرمانِ من النصر والتمكين مثل هجر التحاكم إلى شريعة الله تعالى، وعدم نصرِها في الأرض، ويُعتبر ذلك إخلالاً بشرط النصر المنصوص عليه في آيات كثيرة من كتاب الله، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *} [محمد :7] والمعنى: إنْ تنصروا دينَ اللهِ وشريعتهَ بالعملِ بها وتعظيِمها ينصرْكُمُ الله على أنفسكم، وعلى أعدائكم من شياطين الجنّ والإنس، فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل.

وقد نصَّ القرآن الكريم على كيفية نصر الدين والشريعة في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ *} [الحج :41] والآية الكريمةُ تدلُّ على أنَّ الذين لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعدٌ مِنَ اللهِ بالنصرِ البتةَ… فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممّن يتسمّون باسم المسلمين، ثم يقولون: (إن الله سينصرنا) مغرورون، لأنّهم ليسوا من حزبِ اللهِ، الموعودين بنصره. ومعنى نصرُ المؤمنين لله، نصرُهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادُهم في أن تكونَ

كلمتُه هي العليا، وأن تقامَ حدودُه في أرضه، وتُمْتَثَلَ أوامرُه، وتُجْتَنَبَ نواهيه، ويُحْكَمَ في عبادِه بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن الأمة الإسلامية إذا أرادت العزة والرفعة في الدنيا، وطمحت إلى حياة آمنة تحت ظل سلطان عادل، كان حقاً عليها أن تقبل بتحكيم شرع الله فيها، وأن تنصر هذا الشرع وتطبقه في جميع نواحي حياتها وعلى كافة الصعد. وبدون ذلك فليس لها من العزة والنعمة شيء، فمن كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، وما كان الله لينصر ويعز قوماً إلا بعد أن ينصروه فيحكموا الأرض بما أنزل الله، ويقوموا بأعباء الخلافة التي كلفهم الله بها، فيعبدوه سبحانه ويعمروا الأرض بما يرضيه ويحكموا شريعته فيها.

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي، الإيمان بالله جل جلاله، دار المعرفة، بيروت، ط1، (2011)، صفحة 175:161.

* عبدالعزيز مصطفى كامل، الحكم والتحاكم في خطاب الوحي، صفحة 2/710،705.

* محمود بن أحمد الدوسري، هجر القرآن العظيم أنواعه وأحكامه، صفحة 656،653،642

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close