القضاء العراقي إلى أين ؟

د. هاتف الركابي

( التناحر القضائي مابين مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية ومجلس الدولة) ..

في سابقةٍ خطيرة لم تشهد لها المحاكم او السلطات القضائية في جميع الدول الاقليمية او العربية أو المتقدمة ، شهدها القضاء العراقي قبل يومين عندما أقام رئيس مجلس القضاء الاعلى دعوى على رئيس المحكمة الاتحادية ورئيس الجمهورية أمام القضاء العادي مما يعد ذلك كفراً بحق القضاء الدستوري والاداري ، فقد صدر قرار محكمة البداءة في الكرخ المرقم ( ٥٦٨ / ب / ٢٠٢٠ ) في ٩ / ٢ / ٢٠٢٠ متجاوزة ً اختصاصها للنظر في منازعة تقدم بها رئيس مجلس القضاء الاعلى إضافةً لوظيفته على رئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس الجمهورية إضافةً لوظيفتهما بخصوص القرار الصادر من المحكمة الاتحادية المرقم ( ٣٨ / اتحادية / ٢٠١٩ ) في ٢١ / ٥ / ٢٠١٩ الذي قضى بعدم دستورية المادة ( ٣ ) من قانون المحكمة الاتحادية التي كانت تنص على أن مجلس القضاءالاعلى هو المختص بترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية ، ومن ثم يعينون بمرسوم جمهوري ، وقد أشعر رئيس المحكمة الاتحادية مجلس النواب لإيجاد مادة بديلة عن المادة الثالثة المذكورة ، ولكن البرلمان لحد هذه اللحظة لم يشرع أي نص يعالج هذه الحالة وبذلك دخل هذا الموضوع الخطير الفراغ الدستوري والقانوني ، ومن ثم أقام رئيس مجلس القضاء الاعلى دعواه على المدعى عليهما اضافة لوظيفتهما أمام محكمة البداءة متجاوزاً هو وقاضي محكمة البداءة الاختصاصات الدستورية والقانونية الواضحة والتي تتعلق بالغاء مرسوم جمهوري بما يشكله من تدخل من السلطة القضائية في شؤون السلطة التنفيذية والاعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات، لأن المحكمة المختصة بهكذا نزاعات وفق الدستور هي ( محكمة القضاء الاداري ) التابعة لمجلس الدولة والتي تختص بالنظر في مشروعية المرسوم الجمهوري من هذه الجهة بحكم كونه قرارا اداريا.
فالقرار فيه تجاوز على اختصاصات محكمة القضاء الإداري لكون المرسوم الجمهوري هو قرار إداري وان اختلفت التسمية، فيخضع لولاية القضاء الإداري ، ومن ثم لا ولاية لمحكمة البداءة للنظر في الدعوى. فقاضي البداءة قد استرسل بذكره اسباباً استند اليها بعدم اختصاص القضاء الاداري تحت مسوغات تنم عن الخطأ بالتكييف وضعف المعلومة والحكم حول القرارات الصادرة من رئاسة الجمهورية المتعلقة باصدار المرسوم الجمهوري والتي تعد بشكل مطلق قرارات إدارية ، لذلك فأن تشبث قاضي البداءة بذلك لايقوم عليه دليل وسيكون عرضةً للنقض والطعن وسيكون بمنزلة مرتبة العدم ..
فقرار محكمة البداءة السالف الذكر الذي قضى بالغاء المرسوم الجمهوري الذي أصدره رئيس الجمهورية القاضي بتعيين القاضي المتقاعد ( محمد رجب الكبيسي ) كعضواً أصيلاً في المحكمة الاتحادية العليا قد جانب الصواب، واعتقد أن الدوافع واضحة وجلية والذي منشأه النزاع بين مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا في وقت سابق ..
ويمكن القول وبفعل خبرتنا الدستورية والتشريعية أن القاضي في محكمة البداءة لم يكن موفقاً عندما قرر النظر في هذه الدعوى ، وأجزم أنه لم يطلع حتى على التشريعات النافذة ، ولربما كان يعتقد ان محكمة القضاء الاداري هي جهة إدارية ومجلس الدولة تابعا لوزارة العدل .. والدليل على ذلك أن قرار قاضي البداءة قد ردد وحرر لاكثر من مرة عبارة ( مجلس شورى الدولة ) في حين ان التسمية قد تغيرت بموجب القانون الذي صدر من مجلس النواب رقم ( ٧١ ) لسنة ٢٠١٧ وسمي ( مجلس الدولة ) كهيأة مستقلة ، ولذلك يمكن القول ان قرار محكمة البداءة قد ابتعد عن التطورات الناشئة بشأن القضاء الاداري ، اذ يوحي القرار بأن محكمة القضاء الاداري لازالت تابعة للسلطة التنفيذية ، وهذا يؤكد أنه ليس على دراية بحدود الاعمال القضائية التي تدخل ضمن عمل القضاء او المنظمة لأموره ، فهو يعتبر كل مايصدر بأمور القضاء تعد قضائية ، وهذا يدل على عدم إلمامه لشؤون القضاء أو القضاء الدستوري حتى وإن كان قاضياً .. واستنادا لذلك فان قرار قاضي البداءة قد وقع في خطأ جسيم ، ويحاسب عليه وفق القانون.. لانه يعطي انطباع ان القضية فيها دوافع شخصية أو سياسية طرفاها المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء ، ولكن يبقى الدستور والقانون هما الخاسران ، وهذا يؤكد حالة الركاكة ويمهد لانعدام الثقة بالسلطة القضائية التي لاسلطان عليها الا القانون ، ولكنها الان هي من خرق القانون وضربه عرض الحائط .. لان القرار فقد صفة الحيادية ، ولماذا لم تقام الدعوى أمام مجلس الدولة الذي يحوي على أساتذة وعلماء كبار في فقه القانون والدستور ..
وتأسيساً لما تقدم نهيب بالسلطة التشريعية الوقوف على هذه الحالات الخطيرة والانحراف القضائي الذي ربما سيؤدي ألى مشاكل جمة وسينسحب ربما إلى نتائج مفوضية الانتخابات وما يعتريها من عقبات كؤود..
رسالتي الى قضاة العراق : إعلموا أن القضاء في الدول الاتحادية في الدول الرائدة مثل سويسرا والمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة وغيرها هي من أرست دعائم الاتحاد في الدول الفيدرالية بالثبات والاستقرار ، فلاتكونوا معولاً لتهديم النظام الفيدرالي في العراق .

الدكتور
هاتف الركابي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close