تعقيبات وردود 2،

مروان خليفات

كالعادة جاء منشوره الثاني مليئا بالانشائيات والمغالطات والشبهات.

ولو انصفت في حكمها أم مالك *** إذن لرأت تلك المساوي محاسنا

لقد حاول اثبات ان أئمة الاثني عشرية أخذوا عن سائر الأمة ، وهو بهذا يريد القول إن حال أئمتكم كحال أئمتنا ، وسنبين اخفاقه وغلطه في هذا القياس.

أورد الرجل روايات من كتب الامامية والزيدية والسنة للدلالة على تعلم أئمتنا عند غيرهم، وهذا من عدم انصافه، وإنما فعل ذلك للتكثير وخداع القارىء، أما العبد الفقير فلم أحتج إلا بمرويات وكتب الزيدية،وكان فيها الكفاية لاثبات ما أردتُ.
أما روايات الزيدية والسنة التي ذكرها، فليست حجة علينا ولا يجوز الاحتجاج بها على الآخر.

فردي سيكون مقتصرا على تلك الروايات التي جاء بها من كتبنا.
قال : ( فهذا الإمام الباقر –عليه السلام- يتعلّمُ في مكان الكُتّاب –مدرسَة لغلمان المدينة يتعلّمون فيها القراءة والقرآن – ، في الرّواية عند الكليني ، فيروي بإسناده ، عن أبي عبدالله –عليه السلام- ، رواية منها : ((فَبَيْنَا جَابِرٌ يَتَرَدَّدُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِذْ مَرَّ بِطَرِيقٍ ، وفِي ذَاكَ الطَّرِيقِ كُتَّابٌ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليهما‌السلام ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ، قَالَ : يَا غُلَامُ ، أَقْبِلْ ، فَأَقْبَلَ ؛ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ ، فَأَدْبَرَ ؛ ثُمَّ قَالَ: شَمَائِلُ رَسُولِ اللهِ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)) [الكافي:522] ،

أقول : كان ينبغي عليه أن يذكر سند الرواية ويثبت حجيتها لو كان منصفا ، ولكنه لم يفعل ولن يفعل، لعلمه بضعفها، فسندها كالتالي : ( عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن أبان بن تغلب …)

وفي السند هذا محمد بن سنان، قال الشيخ النجاشي فيه : ( وهو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه ولا يلتفت إلى ما تفرد به )
وقال الشيخ : (قال أبو محمد الفضل بن شاذان : لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان . وذكر أيضا أنه وجد بخط أبي عبد الله الشاذاني أنى سمعت العاصمي يقول : إن عبد الله بن محمد بن عيسى الملقب ببنان قال : كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل إذ دخل علينا محمد بن سنان فقال صفوان : إن هذا ابن سنان لقد هم أن يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معنا ، وهذا يدل على اضطراب كان وزال )
فهرست أسماء مصنفي الشيعة، ص 328

وقال الشيخ الطوسي في رجال الطوسي ص 364 : ( ضعيف) وقال في تهذيب الأحكام ، ج 7 – ص 361 : ( فأول ما في هذا الخبر انه لم يروه غير محمد بن سنان عن المفضل بن عمر ، ومحمد بن سنان مطعون عليه ضعيف جدا ، وما يستبد بروايته ولا يشركه فيه غيره لا يعمل عليه )

أما ابن الغضائري الذي يستدل بأقواله الزيدي كثيرا فقد قال في حق هذا الراوي : (مُحَمَّدُ بن سِنان ، أبُو جَعْفَر ، الهَمْدانيّ ، مولاهم – هذا أصحّ ما يَنْتَسِبُ إليه – . ضَعِيْفٌ ، غال ، يَضَعُ ( الحديثَ ) لا يُلْتَفَتُ إليه )
رجال ابن الغضائري – أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي البغدادي – ص 92

وقال ابن شهرآشوب : ( وقد طعن عليه) معالم العلماء، ص 137

وقال السيد الخوئي في معجم رجال الحديث ، ج 17 – ص 169
: ( ولولا أن ابن عقدة ، والنجاشي ، والشيخ ، والشيخ المفيد ، وابن الغضائري ضعفوه ، وأن الفضل بن شاذان عده من الكذابين ، لتعين العمل برواياته ، ولكن تضعيف هؤلاء الاعلام يسدنا عن الاعتماد عليه ، والعمل برواياته)

ثم إن الرجل قد جعل عبارة ـــ يتعلم في مكان الكتاب ـــ وهي ليست في نص الرواية، وإنما هذا فهمه، ليدلس على المتابعين، فالرواية قالت : (وفِي ذَاكَ الطَّرِيقِ كُتَّابٌ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليهما‌السلام )

اضافة لهذا فالرواية بالرغم من ضعفها لا تدل على مطلوبه، فليس في الرواية دلالة على أنه كان يتعلم، فربما كان يعلم أطفال ذاك الزمان، وهذا ليس ببعيد بعد قول علي ع كما في المصدر الزيدي المذكور سابقا: ( إنا أعلم الناس صغار …) وحتى يثبت الأخ ما يريد فعليه اثبات صحة الرواية وهذا متعذر. فسقط احتجاجه الاول وبان تدليسه باخفائه ضعف السند، ولو كان هذا السند لرواية امامية تثبت عقيدة لهم، لانقلبت الصورة ولقام بالطعن بها لمكان ابن سنان !

قال : (وما رواه البَرقي ، بإسناده ، عَن أبي جَعفر -عليه السلام- ، قال: قَال ابن عبّاس: ((مَا ندمتُ عَلى شَيءٍ نَدَمِي على أن لم أحجّ مَاشياً ؛ لأنّي سَمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله- يقول: ((مَن حَجّ بَيت الله مَاشياً كَتب الله له سبعة ألف حَسنة مِن حَسنات الحرم ، قِيل: يا رسول الله وما حَسنات الحرم؟ – قال: حَسنةٌ ألف ألف حَسنة ، وقال: فَضل المشاة في الحج كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم)) ، وكَان الحسين بن علي عليهما السلام يَمشى إلى الحج ودَابّته تُقاد ورَاءَه)) [المحاسن:1/70)

أقول : لم يذكر السند كعادته ويبين اعتباره وحجيته، ربما لعلمه بضعفه، والسند هو : (عن محمد بن بكر ، عن زكريا بن محمد ، عن عيسى بن سوادة ، عن ابن المنكدر…)
وعيسى بن سوادة وزكريا بن محمد كلاهما مجهولان، فالنص ضعيف.
ذكر الزيدي : قال : ( ورى الحرّ العامليّ ، قال : ((عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) [وسائل الشيعة:8/185 )

هذه الرواية مروية عن الصادق ع عن رسول الله دون ذكر ابن عباس، كما في الكافي ج4 ص 246 ، أي أن الإمام رواها عن آبائه، فلا حاجة حينها لرواية ابن عباس، وقد يكون الامام ذكرها عن ابن عباس لأصحاب المدارس ، فبعضهم من تلاميذه .
ثم ذكر روايتين عن كتاب قرب الاسناد للحميري أحدهما عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبدالله، والأخرى عن جعفر عن أبيه عن ابن عباس، وكلاهما من السنن
وذكر روايتين عن أبي عبدالله سئل ابن عباس…
وعن جعفر بن محمد عن عبدالله بن أبي رافع أن أمير المؤمنين …

وفي الجواب أقول بعد التجاوزعما قيل في الكتاب وهو ما لم يذكره لآنه ليس في صالحه ! :

أولا : لقد ثبت في بحوث سابقة وصية النبي بحق عترته قرناء القرآن وقوله خاصة : ( لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) وثبت قول علي ع مشيرا للعترة الطاهرة : (إنا أعلم الناس صغارا وكبارا )

فعلى هذا، لا يكون للمرويات التي ذكرها أي اعتبار، وتؤول بما يتفق مع هذين النصين، وهذا لا يمكن أن يكون بحق أئمة الزيدية لأن بعضهم تتلمذ شهورا وسنين على أيدي المعتزلة!

ثانيا : لقد ذكرت أمثلة كثيرة واثباتات على تتلمذ أئمة الزيدية على يد المعتزلة وغيرهم من الإمامية، والأخ الزيدي لم يأتي برواية واحدة تثبت أن أئمة الاثني عشرية تتلمذوا على يد أحد من الفرق الأخرى، أما مجرد رواية بعض الأحاديث عن شيعة أمير المؤمنين ع من الصحابة، فهذا لا يعد تتلمذا، وليس هو من الدراسة ، على أنهم عليهم السلام لا يحتاجون تلك الروايات كما صرحوا في أحاديث عديدة من أن عندهم كل حلال وحرام حتى أرش الخدش، فهذا يبين أن رواياتهم تلك المعدودة كانت لأهداف هم أعلم بها.

قال الشيخ المجلسي في شرح رواية لقاء جابر بالباقرع وكونه في الكتاب ـــ وقد بينا ضعفها ـــ : (وكونه عليه السلام فيه لم يكن للتعلم بل لغرض آخر ، إذ لم ينقل منهم عليه السلام التعلم من أحد سوى الإمام الذي قبله )
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول – العلامة المجلسي – ج 6 – شرح ص 17

جاء في رواية الكافي التي استدل بها ولم يكملها : ( فكان محمد بن علي يأتيه ـــ أي جابر ــ على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله قال : فجلس عليه السلام يحدثهم عن الله تبارك وتعالى ، فقال أهل المدينة : ما رأينا أحدا أجرأ من هذا ، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أهل المدينة : ما رأينا أحدا قط أكذب من هذا يحدثنا عمن لم يره ، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله ، قال فصدقوه وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلم منه )
إذن سبب حديثه عن جابر هو تحدث الباقر عن رسول الله مباشرة، فكذبه أهل المدينة، لعدم رؤية الباقر للنبي ، فصار يتحدث عن جابر عن النبي حتى صدقونه ولا يتهمونه تلك التهم ، وهذا يحل رواية تحدث الباقر ع عن جابرعليه الرضوان.
ثالثا : إن هذه مرويات قليلة جدا، وهي عن شيعة علي ع، وقد بينتُ سبب مرويات جابر، كما في الرواية التي احتج بها علينا وبترها! ولا عبرة بما ذكره عن الزيدية والسنة من مرويات لا تلزمنا.

ومقارنته فاسدة، فمرويات أئمة الزيدية عن الناصبة وخاذلي علي ع والكذبة فكثيرة في كتبهم لو تتبعها المتتبع. وبنوا عليها أحكاما كما سيأتي عن احمد الهاروني، فالشجري الزيدي يروي عن :

ـــ معاوية بن أبي سفيان. الأمالي الخميسية، ج2 ص83 الحديث السابع عشر.
ويروي عن :
ـــ عمرو بن العاص ص 156
ـــ عبدالله بن عمر ص 53 و 86
ــ أبو هريرة ص 56 و 105 و 158 و 202
ــ الزهري الأموي ص 56 و 193 و 206 و 222
ــ الزبير بن بكار ص 77
ـــ ثور بن يزيد الناصبي. ص 171

أما كتاب (تيسيرالمطالب) ، فوقوع مشاهير رواة السنة وفيهم أعداء للعترة وكذابون فيه فهو مذكور مسطور في هذا الكتاب. من هؤلاء :

ـــ أبو هريرة، الذي كذبه الإمام علي ع. ص : 218 و 241 و 251 و 440
ـــ عبدالله بن عمر، أحد الخاذلين للإمام علي ع. روى عنه أكثر من عشرين مرة ، انظر صفحة : 233 و 236 و 237 و 239 و 245 و 320 و 338 و 346 و 423 و438 و 447 و 455 و 459 و473 و 490 و510 و 516 …
ــ سمرة بن جندب، ص 389
وهو قاتل مفسد من أهل النار، انظر كتاب الرسالة المنقذة من الغواية ، ص45 ـــ51
ـــ عبدالله بن عمرو بن العاص. ص 226 و 451 و 524
ــ أنس بن مالك، أحد الذين كتموا خبر الغدير فاصابته دعوة الإمام علي ع . ص 308 و 312 و 316 و318 و 323 و 339 و 343 و 344 و 461 و464 و 466 و 471 و 479 و 522
ــ عبد الرحمن بن عوف، 483
يحيى بن معين ، الذي يتهم ابا خالد الواسطي بالكذب والوضع. ص 454

فهو يروي عن خاذلي علي ع وخصومه، ولا يقال إنه روى عنهم احتجاجا على العامة، فهو لم يذكر هذا في كتابه، ولا يصح الاستدلال بما ذكر بشرح البالغ المدرك، فذاك خاص بذاك الكتاب وموارده عشرة كما أشرت سابقا وفصلته.

حين الرجوع لكتابه شرح التجريد، الذي شرح فيه أحمد الهاروني كتاب الأحكام ليحيى بن الحسين. نجده كتاب فقه استدلالي سني حنفي، حيث استند إلى مرويات السنة في أغلب تقريرات أدلته، فروى كثيرا عن أبي بكر المقرىء عن الطحاوي صاحب ( شرح معاني الآثار) و (شرح مشكل الآثار) والرواية عنه كثيرة جدا، غص بها كتابه، حتى أنه روى عنه أربع روايات في صفحة واحدة . ج2 ص 325 وروى عنه ثلاث مرات في أكثر من صفحة : ج2 ص 93 و و150 و206
وروى عن أبي بكر المقرىء عن الطحاوي ، ثم روى عن سنن أبي داود مرتين ومرة عن ابن أبي شيبة ، كل ذلك في صفحة واحدة . ج2 ص 217
وقد امتلأ كتابه بالرواية عن أعلام السنة أمثال: أبو بكر الجصاص، وابن أبي شيبة وابي داود صاحب السنن، حتى أنه روى أحيانا مرتين عن ابن أبي شيبة ومرة عن أبي داود في صفحة واحدة . ج2 ص 190و وانظر :ج1 ص 457 و ج2 ص119 و 213 و 120 و124، واستقصاء كل تلك الموارد وصفحاتها يطول جدا ، وما ذكرته إنما هي أمثلة بسيطة.

ثم روى احمد الهاروني عن أبي هريرة في موارد كثيرة، ج1 ص 8 و 32 و 33 و 36 و 38 و 44
وهو يروي عن أبي العباس الحسني، فيظن القارىء أن سنده زيدي، في حين يصطدم أحيانا برواية شيخه الحسني عن ابن أبي حاتم المحدث السني، أو برواية الحسني عن أبي هريرة في موارد عديدة .
انظر : ج2 ص47 و164 و 235 و 264 و 493
ومما قال : ( وقد نص عليه في الأحكام، ووجهه حديث أبي هريرة وأبي سعيد…) ج2 ص 196
حيث جعل هنا حديث أبي هريرة أحد الأدلة !
وقال في موضع آخر : ( وحديث ابن سيرين عن أبي هريرة… فهذه الأخبار كلها نصوص
تصرح بما ذهبنا إليه ) ج3 ص 46

ملاحظة : إن قيل إن ما ذكره عن هؤلاء هو من باب الاحتجاج، أقول : ينقض كلامه أنه جعل أحاديثهم من الأدلة التي يستند إليها كما في هذين المثالين.
وروى عن أبي العباس الحسني بسنده إلى عائشة . ج2 ص 279، وجعل حديثها أحد أدلته، ومما قاله : ( والعمدة فيه ما أخبرنا ابو العباس الحسسني … عن عائشة)
وروى عن عكرمة البربري المشهور بنصبه أكثر من مرة، ج1 ص17 و ج2 ص 257
وتارة يروي عن أبي عبدالله محمد بن عثمان النقاش، شرح التجريد، ج1 ص 46 أو عن أبي
بكر المقرىء عن ابي جعفر الطحاوي الحنفي، ج1 ص 46
وتارة يستشهد بما رواه أبو داود في سننه. ج2 ص 13
والجصاص الحنفي. ج2 ص 14
ويروي أحمد الهاروني عن أبي هريرة مرتين في اماليه وست مرات عن أنس بن مالك !!

أما الجامع الكافي فيروي عن : أبي هريرة وابن عمر وعائشة التي حاربت الأمير.
هذه بعض كتب أئمتهم وفيها الرواية عن النواصب وخصوم اهل البيت ع، وهو ما لم يفعله ائمة الإثني عشرية ، فلاحظ الفرق !

ملاحظة : من المعيب مقارنة رواية أئمة الزيدية بما رواه الصدوق والطوسي والكليني مثلا عن الآخرين من غير الإمامية، لأنه سيكون قياسا مع الفارق، فالمطلوب من الاخر اثبات رواية أئمة الاثني عشرية عن النواصب وعن أعداء الآل وعن الكذبة وهو ما فعله أئمة الزيدية كما في الأمثلة التي عرضتها.

فهل بعد هذا يمكن مقارنة روايتين او ثلاثة رواهما الائمة عن ابن عباس بما رواه هؤلاء من مئات الروايات عن السنة ـــ وفيهم أعداء للعترة ـــ ؟!!
فهل بعد هذا يمكن مقارنة روايتين او ثلاثة رواهما الائمة عن ابن عباس بما رواه هؤلاء من مئات الروايات عن الرافضة أمثال القميين والحسين بن هارون الحسني الإمامي ؟!

رابعا : لقد أثبت في حلقتي الأولى دراسة وتتلمذ ائمة الزيدية على يد المعتزلة، وهو ما لم يستطع اثباته بحق أئمة الإثني عشرية أو بحق واحد منهم، وسأضرب مثالين ا للتذكير فقط، ليرى المتابع الفارق بين استدلالي وبين نقضه.

الداعي محمد بن الحسن بن القاسم (ت 360هـ)

قال يحيى الهاروني في الإفادة ص118 عنه : ( وكان يختلف إلى أبي الحسن الكرخي ـــ شيخ الحنفية بالعراق ــ في أيامه ويلزم مجلسه ويدرس عليه فقه أبي حنيفة، فبلغ في حفظ مسائل العراقيين المبلغ الذي يضرب المثل به )
وفي ص 119 قال يحيى الهاروني : ( ثم اختلف رضي الله عنه إلى شيخنا أبي عبدالله ـــ البصري المعتزلي ـــ وكان يواظب على حضور مجلسه، وقرأ عليه أكثر كتب أصحابنا في الكلام وعلق )
وفي ص 119 وكان ( يبكر ويركب إلى مجلس أبي عبدالله البصري ويعود قريبا من نصف النهار !!)
قال يحيى الهاروني 🙁 وحدثني شيخنا أبو عبد الله البصري، قال : كنت أملي ( نقض الموجز ) لأبن ابي بشر الأشعري، فكان رضي الله عنه يستملي ذلك بنفسه ويكتبه مع سائر أصحابنا، وكان يحتاج إلى أن يكتب كل يوم نحو من ثلاثين ورقة … وقد كان قرأ على أبي عمر غلام ثعلب كثيرا من الأدب ، ورأيت في كتبه رضي الله عنه سماعاته منه.
وكان أبو عبدالله البصري يحضر داره كثيرا ويبيت فيها ويلقنه المسائل، وربما يملي عليه التعاليق، ويكرر ما جرى له من الدرس … !!)
وقال يحيى الهاروني في الإفادة ص 121 : ( من ذلك ما كان يقوله ـــ أبو عبدالله البصري ـــ لي حين وردت عليه من أن الشريف ابا عبدالله ـــ الداعي محمد بن الحسن بن القاسم رضي الله عنه ـــ ورد بغداد وهو لا يحسن من الكلام عشر ما تحسنه أنت الآن !!)

الفرق واضح فهذا الامام كرس وقته للدراسة عند البصري المعتزلي، على خلاف ما ذكر الكاظم الزيدي عن الباقر والصادق في روايتهما عن ابن عباس وجابر بعض المستحبات لغرض هم أعلم به على افتراض ثبوت تلك الروايات !

المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني (ت 411هـ)

أثبت سابقا تتلمذه على يد البصري المعتزلي، لكن المثير بالرغم من كونه امام زمانه وحجة الله في أرضه إلا أنه صعبت عليه مسألة في رد الدهرية ، فقصد القاضي عبد الجبار المعتزلي، ليعينه على حلها كما في سيرة الإمام الناطق بالحق للمرشد الشجري، ص 154

خامسا : إن علوم ائمة أهل البيت ع جاءتهم بالوراثة عن رسول الله، وبتحديث الملائكة والإلهام، وأحاديثهم حول وراثتهم العلم عن آبائهم عن رسول الله متواترة معنى بل هي فوق التواتر، فهناك أكثر من 300 رواية تنص على توارثهم لذاك العلم النبوي، وردت في الكتب الحديثية المختلفة، أمثال بصائر الدرجات للصفار والخصال للصدوق والاختصاص والارشاد كلاهما للمفيد …

وقد جعل الشيخ الكليني ( ت 329هـ) في كتابه الكافي عنوانا : (أن الائمة عليهم السلام ورثة العلم، يرث بعضهم بعضا العلم) وفيه اثنا عشر حديثا، هذا فضلا عن الأحاديث الأخرى في الكافي التي تبين هذا المعنى .

من هذه الروايات ما رواه الشيخ الصدوق بسند صحيح، قال : (حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، قالا: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: لم يترك الله عز وجل الأرض بغير عالم يحتاج الناس إليه، ولا يحتاج إليهم بعلم الحلال والحرام. قلت: جعلت فداك؛ بماذا يعلم؟ قال: بوراثة من رسول الله ومن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما )

كمال الدين ، ص224
وروى محمد بن الحسن الصّفار في كتابه بصائر الدرجات صفحة 284 بسند صحيح عن الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : (إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكنّها آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وأصول علم نتوارثها كابر عن كابر ، نكتنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم)

هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز 300 رواية، فيها الصحيح وغيره، ومع تواترها فلا حاجة لدراسة سندها، لأن التواتر يغني عن ذلك وهو أمر متفق عليه بين الطوائف، حتى أن يحيى الهاروني ذكر ذلك في أحد كتبه.

إن من مصاديق وراثة الأئمة لعلم رسول الله عليهم جميعا الصلاة والسلام تصريحهم أكثر من مرة بأن لديهم الجامعة أو كتاب علي ع والجفر ومصحف فاطمة ع ، وهو كتاب وليس قرآنا.
قال الامام جعفر الصادق عليه السلام لأحد أصحابه وهو أبو بصير: ( يا أبا محمد وإنّ عندنا (الجامعة) وما يدريهم ما الجامعة ! قال: قلت جعلت فداك، وما الجامعة ؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإملائه من فلق فيه، وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج إليه الناس حتّى الارش في الخدش )
بصائر الدرجات للصفار، ص 163

يغلب على ظني أن هذا الكتاب هو ما اشار إليه الطبري الزيدي، حين قال : ( فكلما لقن جبريل محمدا من كتاب الله وسنته شيئا، أملى محمدُ عليا كل ذلك ، فكتبه عليٌ بخطه)
كتاب المنير للطبري ص 24

هذا الكتاب تناقله أئمة الإثني عشرية وتحدثوا منه بكثرة، وقد جمع مادته محمد أمين الاميني في كتاب أسماه: ( المروي من كتاب علي ) و كتاب علي ع ، أو الصحيفة التي ذكرتها الروايات لم يكن لدى ائمة الزيدية يتوارثونه واحدا بعد واحد ، حتى اضطرهم الأمر للرواية عن معاوية وابي هريرة وابن عمر وعائشة والامامية، مما يدلك على أنهم ليسوا هم الورثة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن عذافر الصيرفي، قال: ( كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر ــ الباقر ــ (عليه السلام) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر (عليه السلام) له مكرماً، فاختلفا في شيء فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا بني قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه، وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة
فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خط علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمه وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل ع )
رجال النجاشي، ص360

وقد جاء في مصادر الجمهور ما يؤكد هذا الأمر، ولو بشكل مقتضب كما هي عادتهم . قال سعيد بن أبي مريم : قيل لأبي بكر بن عياش : ( مالك لم تسمع من جعفر – الصادق ـ عليه السلام وقد أدركته ؟ قال : سألناه عما يتحدث به من الأحاديث ، أشئ سمعته ؟ قال : لا ولكنها رواية رويناها عن آبائنا)
تهذيب التهذيب : 2ج ص 88
و(سئل مرة سمعت هذه الأحاديث من أبيك فقال نعم وسئل مرة فقال إنما وجدتها في كتبه)
تهذيب التهذيب، ج 2 – ص 89

نلاحظ أن ابن أبي عياش علل سبب عدم روايته عن الصادق ع بأنه يروي عن آبائه، والمفهوم من سؤال ابن أبي عياش أن الصادق ع كان يتحدث دون ذكر سنده لرسول الله، مما دعاه لأن يستفسر من الإمام عن سند كلامه، فبين له أنه عن آبائه، ولو كان الصادق ع يذكر سند كلامه لفهمه ابن أبي عياش ولما اضطر لسؤاله، فدل هذا على طريقة الأئمة ع ومنهجهم في التحدث .
ثم بين الصادق ع في سؤال أحدهم له أنه وجد تلك الأحاديث في كتب أبيه، وهو عين ما تقوله الإمامية.

ورد ذكر كتاب علي ع بسند صحيح في رواية أخرجها الصنعاني في المصنف، قال : ( … عن جعفر بن محمد عن أبيه ـ الباقرـ قال: في كتاب علي (ع) : الجراد …)
المصنف ج4 ص 532

ــ لقد صرح الأئمة ع أنهم يروون عن آبائهم في حالة عدم ذكرهم السند. روي في الكافي بسند معتبر : ( عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عز وجل)
الكافي، ج1 حديث رقم 14 من باب رواية الكتب والحديث.

يشهد لهذه الرواية ما روي في الكافي بسند صحيح : (عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ الْكُوفِي …‏ ــــ بعد جواب الكاظم ع على أسئلته ـــ (قال خلف : فاستحفني الفرح فبكيت فلما سكن بكائي قال : ما أبكاك ؟ قلت : جعلت فداك من كان يحسن هذا غيرك ؟ قال : فرفع يده إلى السماء وقال : والله إني ما أخبرك إلا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله عز وجل )
الكافي ، ج3 ص 94

فهل من ورث علم النبي وعلم علي يحتاج إلى مرويات جابر وابن عباس ؟! هل من تحدثه الملائكة يحتاج إلى مرويات الصحابة كما حاول المحاور جاهدا أن يثبته ؟!
لقد ظهر الحق واضحا جليا مع الإمامية، وبان عدم انطباق حديث الثقلين على أئمة الزيدية لدراستهم علم الكلام والفقه على يد المعتزلة والاحناف وهو ما لم يفعله أئمة الإثني عشرية.

ملاحظة : تركت الكثير مما كتبه في منشوره هذا حيث ذهب بعيدا يتكلم عن العصمة والاختلاف والاجتهاد مما لا علاقة له بحلقاتي حول تفضيل نهج الامامية، ونقضُ ما طرحه وأطال فيه فله شأن آخر .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close