الاعتراف بالخطأ فضيلة !

محمد عبد الرحمن

يبدو ان الحاجة ما زالت قائمة للتذكير بان المنتفضين لم يتحركوا بناء على طلب معين من هذا الطرف السياسي او تلك الشخصية. فهم بنات وأبناء المعاناة والقسوة والتردي الشامل وعدم التكافؤ في الفرص وحالة الاغتراب وانعدام العدالة. فضلا عن الانتهاك المتواصل للسيادة وثلم القرار الوطني العراقي المستقل.

لقد انتفضوا باحثين عن وطن صال فيه وجال الفاسدون والدجالون والفاشلون، وساعين الى إعادته الى أبنائه وبأمل بدء مرحلة جديدة بعد حوالي ١٧ عاما مرت ثقيلة وقاسية ودموية. وهم وان طالبوا بدءاً بتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل ومكافحة الفساد وحفظ سيادة الوطن وضمان أمنه واستقراره، فان انتفاضتهم تجاوزت ذلك كثيرا وأخذت تطالب بالخلاص من طغمة المحاصصة والفساد، والقيام بالإصلاح والتغيير. وبالنسبة الى القوى المتنفذة لا يعني هذا الا تهديدا لسلطتها ونظامها، الذي إقامته على مقاساتها وبما يحفظ مصالحها ونفوذها وهيمنتها ويديمها.

وقد ادرك المتنفذون الحاكمون ما افرزته الانتفاضة من حقائق، وما يمكن لها ان تحققه من بديل شعبي لمنهجية في إدارة الدولة، فقدت كل إمكانية في ان تكون نافعة في شيء. ولهذا ناصبوها العداء وتمنوا ان يستيقضوا ذات صباح ليسمعوا الخبر الذي يتمنونه ويريحهم ولو مؤقتا، اَي خبر عودة الناس الى بيوتهم خاليي الوفاض، وان يسدل الستار بذلك على قضية دماء ما يزيد على ٧٠٠ شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين.

ان الناس التي خرجت الى الشوارع متعددة المشارب والتوجهات، لكنها متفقة على ان يكون العلم العراقي بيرقا للجميع، وكانت دوافع حراكها سياسية واقتصادية واجتماعية ووطنية، وقد رفعت شعارات عامة توافق عليها المنتفضون، شعارات لا تعبر عن وجهة نظر متحزبة او مؤدلجة، او تنحى منحى عقائديا معينا، فهي مطالب عامة حظيت بتأييد واسع .

وكان واضحا منذ البداية ان الانتفاضة على ما فيها من تعدد مواقف وتطلعات ومن خصوصية في الانطلاق والمشاركة، انه يستحيل ان يفرض عليها نمط معين او تأطير يحد من سعة حراكها .

كما كان واضحا انها بسعتها وأطياف المشاركين فيها وعفوية انطلاقها في الغالب، ووجود بعض الثغرات والنواقص ومنها الافتقار الى قيادة او أداة تنسيق فاعلة ومنهج ورؤى متكاملة وبرامج على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، ومواجهتها القمع الشديد وحملات التشويه، الى جانب سخاء البعض في إغداق الوعود، وشراء الذمم والتسقيط السياسي، وطول فترة الانتفاضة النسبي، والتأثيرات الخارجية والصراع الأمريكي – الإيراني وانعكاساته على واقع بلدنا، كان واضحا انه يمكن توقع ظهور وبروز خلافات وتقاطعات بين المشاركين فيها، وهو أمر وارد وليس مستغربا في ظروف معقدة كالتي نمر بها. لكن المستغرب ان لا يدار هذا الاختلاف بالحوار البناء الحريص على الانتفاضة، وعوضا عن ذلك يتم اللجوء الى كل الأدوات التي كان البعض الى الامس القريب يقول انها مستهجنة ومدانة .

ان من يسهم بأي شكل من الاشكال في فض الاعتصامات والاحتجاجات، وفي الخروج عما وضعه المنتفضون من شعارات ورفعوه من اهداف، انما يقف شاء ام ابى، في الضفة الأخرى المعرقلة والرافضة لعملية الإصلاح والتغيير، وانما يريد إدامة الازمة وبؤس الناس وحرمانهم، فيما غالبية العراقيين يتطلعون الى شيء اخر مختلف تماما.

فهل بالإمكان المراجعة والتدقيق والاعتراف بالخطا ؟! من حيث المبدأ نعم، شرط توفر الإرادة والحؤول دون تحول الخطأ الى خطيئة، وهو بالمعنى السياسي انتحار .

ان من العبث التفكير بإخماد الانتفاضة وقمعها ووضع المعوقات والعراقيل أمامها بما يحول دون تحقيق أهدافها، فهي حتى وان أخمد أوارها اليوم وذبحت، تحت اَي عنوان ، فان أسباب قيامها باقية، وكلما تأخرت الحلول تفاقمت الازمة وأخذت ابعادا اكثر تعقيدا وفيها احتمالات شتى .

ومن المؤكد ان في انتصار الانتفاضة وتحقيق أهدافها مصلحة غالبية العراقيين، وذلك هو المطلوب والمبتغى وليس إدامة حكم أقلية فاسدة وفاشلة وجائرة، بزت الطغاة في عنفها وقسوتها. وهذه الأقلية هي من لها مصلحة في وأد الانتفاضة. فمع من يتم الاصطفاف ؟!

في المقطع الزمني الفاصل الراهن لا حياد بين الحق والباطل، بين النور والظلام. وذلك هو الحد الفاصل، الذي عنده تتعرى المواقف.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close