المحنة والانفراج وفسحة التصرف لبريطانيا بعد انسلاخها من الاتحاد الاوربي

د. كرار حيدر الموسوي

يعد الاتحاد الأوروبي شراكة فريدة من نوعها كونها المرحلة الأخيرة في عملية التكامل الأوروبي التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، في البداية من قِبل ستة بلدان في أوروبا الغربية، لتعزيز السلام والأمن، والتنمية الاقتصادية. وكان يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي، إلى حد كبير، باعتباره حجر الزاوية للاستقرار والازدهار الأوروبيين. ولكن على مدار العقد الماضي، واجهت العديد من دول الاتحاد الأوروبي صعوبات اقتصادية كبيرة. وعلى الرغم من تحسن الوضع الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2017، فقد ساهمت الضغوط الاقتصادية والتغيرات المجتمعية في صعود الأحزاب السياسية الشعبوية، والتي يحتضن بعضها المشاعر المناهضة للاتحاد الأوروبي. هذه المشاعر ظهرت بوضوح مع بدء الحملات المنادية بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2016، والتي نجحت بفضل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في تحقيق هدفها بعد تحقيقه فوزًا ساحقًا في الانتخابات البرلمانية ديسمبر 2019 والذي اتبعه تصديق البرلمان على اتفاقية الخروج، وموافقة الاتحاد الأوروبي بعد ذلك في على الخروج دون أي وسيلة سهلة للعودة أو ضمانات بشأن ما سيحدث بعد ذلك. ومن هذا المنطلق سيتم عرض أبرز التحديات التي ستواجه بريطانيا بعد خروجها رسميًا من الاتحاد الأوروبي وبدء تجربتها الوطنية الأكثر تطرفًا في القرن الحادي والعشرين حتى الآن، وكذلك عرض التحديات التي ستواجه الاتحاد الأوروبي.
بريطانيا وأبرز محطات البريكست *بعد دعوة رئيس الوزراء آنذاك، ديفيد كاميرون، إلى إجراء استفتاء في أعقاب مفاوضاته بشأن شروط العضوية في المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي في فبراير 2016 كوسيلة لاسترضاء المحافظين، تم إجراء استفتاء في 23 يونيو 2016 صوتت فيه بريطانيا على مغادرة الاتحاد بنسبة 51.89%. تلى ذلك استقالة كاميرون من منصبه يوم 24 يونيو تاركًا لوزيرة الداخلية، تريزا ماي، أمر تحقيق الخروج بعد أن أصبحت رئيسة للوزراء في 13 يوليو 2016. وفي 13 مارس 2017 سمح البرلمان البريطاني بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تسمح بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي ما كانت الإشارة لتبدأ ماي المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي للانفصال والتي بدأت رسميًا في 19 يونيو 2017 بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية في المملكة والتي أسفرت عن خسارة المحافظين الأغلبية المطلقة. وفي ديسمبر 2017، توصل الطرفان إلى اتفاق من حيث المبدأ يغطي الجوانب الرئيسية لقضايا الانسحاب ذات الأولوية الثلاثة (الحدود الأيرلندية، وحقوق مواطني المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتسوية المالية). وفي مارس 2018، بدأت المحادثات حول علاقة المملكة المتحدة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي. وفي منتصف نوفمبر 2018، أعلن مفاوضو المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أنهم قد أبرموا مسودة اتفاقية انسحاب (تحدد شروط “الطلاق”) ومشروع إعلان سياسي (يحدد الخطوط العريضة للعلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي). تتضمن مسودة اتفاقية الانسحاب فترة انتقالية مدتها 21 شهرًا لم تعد فيها المملكة المتحدة عضوًا في الاتحاد الأوروبي ولكنها ستستمر في تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي مع استمرار المفاوضات بشأن تفاصيل العلاقة السياسية والاقتصادية المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكن لم تجر الموافقة على هذه المسودة في البرلمان حيث تم رفض الاتفاق من قبل مجلس العموم للمرة الأولى في 15 يناير 2019، وللمرة الثانية في 12 مارس، بما أدى إلى سلسلة من الاستقالات داخل حكومة ماي. وفي 13 مارس رفض النواب خيار الخروج دون اتفاق وتمخض عن ذلك التصويت لتأجيل الخروج في 14 من ذات الشهر والذي وافق عليه المجلس الأوروبي في 21 مارس، وفي اليوم 29 يتم رفض الاتفاق للمرة الثالثة بما أجبر تريزا ماي على طلب تأجيل ثاني في يوم 5 إبريل.

أعقب ذلك تقلد بوريس جونسون منصب رئيس الوزراء خلفًا لماي في 24 يوليو 2019 والذي بدأ فترته بالوعد تنفيذ الخروج بالاتفاق أو بدون اتفاق. وبعد مباحثات ومفاوضات أجراها جونسون تم إعلان التوصل لاتفاق بين المملكة والاتحاد الأوروبي في 17 أكتوبر 2019 رفضه البرلمان البريطاني وصوت لصالح إجراء انتخابات مبكرة في 29 أكتوبر، والتي عقدت في 12 ديسمبر ونتج عنها فوز جونسون وخسارة المعارضة بزعامة جيرمي كوربن. وفي 24 يناير وقع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية انسحاب بريطانيا منه.

وفي 1 فبراير 2020 خرجت بريطانيا رسميًا من الاتحاد الأوروبي بعد موافقة الأخير على اتفاقية الانسحاب والتي بموجبها دخلت بريطانيا فترة انتقالية تستمر حتى نهاية عام 2020 مما يعني أن لندن ستلتزم بمعظم قوانين الاتحاد الأوروبي خلال تلك الفترة، كما يعني أن على جونسون التصدي للتحديات الناجمة عن ذلك مثل التوصل لاتفاق تجاري وإصلاح الانقسامات الداخلية في البلاد.

تحديات أمام بريطانيا بعد الانفصال*

1. التوصل لاتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي: من الأمور الأساسية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قضية العلاقات التجارية المستقبلية مع دول الاتحاد والشكل الذي ستتخذه هذه العلاقة، حيث يوجد العديد من الخيارات التي يمكن تطبيقها مثل الأخذ بتعريفات منظمة التجارة العالمية، أو التعامل الكومنولث، النرويج، سويسرا، كوريا الجنوبية، أو هونج كونج. وفي حين أن كل خيار له فوائد إلا أن الاتحاد الأوروبي يظل هو الأهم بالنسبة لبريطانيا، والعكس صحيح حيث إن بريطانيا كانت مستورد مهم للسلع الأوروبية حيث يبيع الاتحاد لها بما قيمته 60 مليار جنية استرليني وهو أكثر مما تبيعه بريطانيا له، كما أنها كانت خامس أكبر اقتصاد في العالم. ومن المحتمل أن تحاول بريطانيا التفاوض للحفاظ على ترتيبات السوق الموحدة في حين أن الاتحاد الأوروبي لا يبدو أنه يستسيغ ذلك الخيار.

2. التوصل لاتفاق أمني: يجدر الاتفاق على الطريقة التي ستعمل بها بريطانيا مع دول الاتحاد في مجال الأمن، فقد كان يوجد تعاون كبير بين الشرطة والأمن في المملكة والاتحاد وهو ما سيواجه تحديًا بعد الخروج فعلى سبيل المثال لم تعد المملكة ممثلة في الفريق الذي يدير يوروبول، الوكالة المنوط بها تنسيق التحقيقات الرئيسية في الجريمة المنظمة على نطاق أوروبا. يضاف لذلك أنها ستفقد إمكانية استخدام أنظمة الاتحاد الأوروبي لفحص السجلات الجنائية للرعايا الأجانب، فسيقع على عاتق جونسون الوصول إلى اتفاقية تحكم تبادل البيانات مع الاتحاد الأوروبي.

3. حقوق المواطنين بعد الخروج: سيكون ضمان حقوق المواطنين –البريطانيين والأوروبيين- أمر معقد، فبالنسبة لبريطانيا سترغب في الحد من دخول مهاجرين وعمالة إليها بينما سيسعى الاتحاد إلى الوصول لاتفاق منع ارتداد العمالة والمواطنين إليه في الوقت الراهن لأنه سيسبب عبئًا على حكوماته كونه يعني مزيد من البطالة على سبيل المثال.

4. حفظ الوحدة والاستقرار الداخلي: أثبتت قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أنها مثيرة للانقسام في جميع أنحاء المجتمع البريطاني، يضاف لذلك أنها أسفرت عن إعلان الاسكتنلديون رغبتهم في إجراء استفتاء للانفصال عن المملكة، وكذلك عودة الحدود بين أيرلندا وأيرلندا الشمالية، بجانب إغفال وضع جزر القناة –جيرزي وجيرنسي- اللتان لم تحصلا على تصويت أثناء الاستفتاء بما قد يجعل لديهم إمكانية الوصول إلى السوق الموحد والاتحاد الجمركي، وكذلك جبل طارق الذي يعد تابعًا للملكة المتحدة وله برلمان خاص به، فهي لا تزال تتمتع بإمكانية الوصول للسوق الموحد وانتخاب عضو البرلمان الأوروبي –تحت ستار دائرة جنوب غرب إنجلترا.

5. الحفاظ على مكانة بريطانيا الدولية: وهي من التحديات الصعبة التي سيواجهها جونسون في ظل الاضطرابات والتوترات التي يشهدها العالم والتنافس المحتدم بين القوى الكبرى وتآكل النظام الذي كانت تحتل فيه بريطانيا مكانة كبيرة كقوة عظمى.

6. إثبات أن الخروج كان في مصلحة بريطانيا: كثيرًا ما راهن جونسون ورؤساء الوزراء من قبله على أهمية انفصال بريطانيا عن الاتحاد بما يحقق لها عديد من المزايا التي حرمت منها بسبب عضويتها فيه، بجانب تخليصها من أعباء تكبدتها بسبب العضوية، إلى حد أن وعد جونسون بالخروج دون اتفاق إن لزم الأمر متذرعًا بوجود عدة فرص أمام بريطانيا تحقق لها مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة مثل بدء علاقات تجارية مع الولايات المتحدة. وفي سبيل ذلك تصدى المحافظون لاحتجاجات عنيفة ومعارضة كبيرة من قبل العمال وغيرهم ووضعوا مصير المملكة على المحك بتمسكهم بالخروج الذي يعني استقلال اسكتلندا وانفصال أيرلندا. ومن ثم يجب على جونسون تحقيق تلك المكاسب التي أدعى أن بريطانيا ستحصل عليها، وإثبات أن الأمر يستحق ثلاث سنوات ونصف من المعاناة.

تحديات أمام الاتحاد الأوروبي* مثلما يضع خروج بريطانيا أمام حكومة جونسون عدة تحديات، يضع أمام الاتحاد الأوروبي ومنها:

1. فقدان المقدرة على التأثير: خروج دولة عضو، يمثل صدمة هائلة لصورة الاتحاد الذاتية، ومكانته العالمية، وشعوره بمتانة المشروع الأوروبي. مثلما تمكنت إحدى الدول الأعضاء من المغادرة، فبإمكان الدول الأخرى أن تفعل المثل. ولأن أزمة الهشاشة في الاتحاد الأوروبي موجودة بالفعل، لا سيما أزمة اليورو، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي الآن إلى إضعاف مصداقية الاتحاد وشرعيته وقدرته السياسية على التحرك.

2. سهولة خروج دول أخرى: وضعت مفاوضات الخروج عبئًا ماليًا إضافيًا على مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء التي تكافح مع أزمة اليورو وتدفقات الهجرة والإرهاب. وهو ما قد يؤدي إلى هجوم أوسع ضد عضوية الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو. كما أنه سيسرع من عمليات خروج دول أخرى –حال مطالبتها بذلك- تفاديًا لإنفاق أموال مماثلة للتي أنفقها في عملية خروج بريطانيا، وهو ما ينذر بانهياره .

3. تهديدات للسوق الموحد: من المحتمل أن يؤدي تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تباطؤ نمو السوق الموحد، كون مشاريع مثل اتحاد الطاقة فقدت عضوًا رئيسيًا. هناك أيضًا ارتفاع موجات القومية في أوروبا، حيث إنه مع فقدان المملكة المتحدة، قد تختفي بعض مكاسب السوق الموحد بالنسبة للباقي الدول. ومن المرجح أن تطالب الأحزاب القومية الناشئة بمزيد من الحماية للصناعات المحلية. تهديد آخر للسوق الموحد يتمثل في تدفقات ارتدادية للعمالة الأوروبية من بريطانيا، فقد كانت تستعين الأخيرة بعمال من دول الاتحاد وإذا لم تسمح مستقبلًا للعمل على أراضيها لمواطني الاتحاد سيرتدون إلى دولهم.

4. الحاجة إلى تعميق التكامل: بالإضافة إلى ضرورة تقوية منطقة اليورو، هناك مجالات أخرى محل عدم توافق بعد، ضرورية لتحقيق التكامل وضمان استمراره مثل الدفاع المشترك وحماية الحدود الخارجية. فمنطقة اليورو لم تجد بعد شكلًا يجعلها قادرة على زيادة النمو الاقتصادي وتحمل أزمة مالية جديدة في حال حدوثها مثل ارتداد العمالة. ولا تزال أوروبا تعتمد إلى حد كبير على الولايات المتحدة للدفاع عنها، فعلى الرغم من الجهود المضنية على مدار سنوات عديدة لم يتم بناء أي هيكل أوروبي لوضع إطار للدفاع المشترك. أي إن التكامل الاقتصادي –الذي قد يشهد تهديدات- فشل في تحقيق تكامل سياسي مما يزيد الانقسام بين الأعضاء. ويمكن القول إن كلا الطرفين –بريطانيا والاتحاد الأوروبي- يواجه تحديات كبيرة إزاء تحقق البريكست، وهو ما يعني ضرورة الوصول إلى اتفاقات تقلل خسائر الطرفين قد الإمكان، تفاديًا للتهديدات التي سيشهدانها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close