محطة رقم 3 الفرزة الرابعة

وفي بيت جدي الحاج حمادي يقرر والدي ختان ولديه نافع وعطا وكان المقترح أن يكون في مدينة

سامراء عند الامام علي الهادي عليه السلام سافرنا الى بغداد ومن بغداد الى سامراء بالقطار وكان المسافرون

والدي ووالدتي وجـدّتي خمـيـسـه أم والـدتي وعـمـتي خمـيـسه أم صادق زوجـة عـمي عـساف وعـنـد نزولنا من

القطار تـلـقّى أبي أحـدُ الـسامـرّائـيـين مـمن يـسـتـقـبـلون الـزوار لـيُـأجّـرَ لهم مسكنًا من المساكن المخصصة للزوار

إمّا تكون حجراتٍ أو غُـرفًا في المسكن يعود ملكها للمؤجر وافقه أبي فذهـبـنا الى بـيـت واسـع مقـسـوم بـناءُهُ

الى قسمين براني وفوقه غرف وجواني وفيه حجرات أخـذنا الغُـرفةَ في الـبراني وبـتـنا تلكَ الليةَ وفي الصباح خرج

الجميع لزيارة الامام وبقـيـتُ وحدي أتطلع الى الشارع من الشباك وامامي بيت يقف في بابه صبي بعمري تقريبًا

بدأني هذا الصبي بكلمات نابـيةٍ وخادشـةٍ للحـياء فأعـدتُ عـليه كلامَـهُ تطورت المناوشـةُ الكلاميةُ الى التحدي

والعراك فـنزلتُ له وضربـتُـه ، دخل الصبي الـسامرائي بـيـتهم باكياً وعُـدتُ الى مكاني في الغرفـة اتطلع من الشباك

وما هي إلّا سـاعـة ويأتي والد الصبي مهدداً ومـتوعـداً فـيـتـدخـل صاحـبـنا المؤجر الـسامرائي ويـنـتهـي الموضوع بأن

نـدخل الى البيت الجواني لنسكن احدى الحـجر وبعد يومين ودون سابق انذار أحضر أبي المأذون بالختان وفي

مصطلحنا العامّي الزعرتي أحضرهُ عـند الضحى وما أن حضر حتى بـدأ أخـي نافع بالصراخ فـأمـسكوا به وكان

صُراخُـه عـاملَ ضَعفٍ عنـدي أدخل الرعب الى نفسي حيث جعلني أمـسـك حديدَ الـشُبّاكِ الذي بجانبي صارخًا

بالرفض حين جاء دوري وبـعـد جُـهـدٍ سحبوني وأبي يرتعش ولما سُـوئل عن سـبب إرتعـاشـه قال تـذكرتُ طهوري

فضحـكَ الحاضرون وإنـتهى الخـتان لكن أخي نافع بـقيَ في حالة ألـمٍ تـسـبب في سـقوطه لـيلـتها مـن الـسُـلّم لأنـنا

نمـنا في سـطح الـدار ويروي أخي فيقول : عـندما سـقطتُ مُـتـدحـرجًـا من دركات الـسُـلّم أمـسك به رجل

يرتدي لباساً أسوداً وصعـد بـي الى سطح الدار وقـد غاب عني بعد ان تـنـبه أبي وأمي ، صحونا فـزعين إلّا أننا

وجدناه سـليماً مُعافى لم يُصبْ بأي ضرر ويُعـزي أخي سـبب سلامته للرجـل الـذي ساعده .

إنتهى موضوع الختان وعزمنا العـودة الى بغداد بالقطار وبـيـنما نحن بـانتظار القطار في إحـدى المقاهي القريبـة

من المحطة طلب أبي قـدحين من الـشاي واحـدًا له والآخـر الى نافع ولـسـوء الحـظ يـسـقـط قـدح الـشـاي من يـد

الـسـاقي أو من يـد نافع لا ادري بالضبط على سـاق نـافع فـتحترق مما اضطررنا للمبـيت لـيلةً أخـرى .

وفي سـامراء أُتـيـحَ لـي مـشـاهدة جـامعِ الـمعـتـصم ومـنارتِـهُ الـملـوية وكانـت قـبـل عملية الخـتـان حيث جربتُ أن

أصعـدَ لأبلغ قمتها فـلم أتـمكن إلّا لطـبقـتـين فرجعـتُ أدراجي خائـفـاً من قوة الـريـاح الـتي كانـت تـهـبُّ كـذلك نـافـع

وصـل الى الـثـالـثـة ثـم تـراجـع ونـزل وبهـذا تـنـتهي مـحـنة الخـتـان وهو آخر عهدٍ في مشاهدتي سامراء المعتصم .

وبعد عـودتنا كان عـلينا أن نُنْهي موضوع المسامير أوالخيـوط التي حصلت جَــرّاء الـخـتـان وذلك يقتضي بأن

نذهب الـى الـنهـر ، ذهـبـتُ مع نـافـع يرافقنا إبـنـا عمـي صـادق وسـعـيـد الى نهـر دجلـة والـوقـتُ عـصراً دخـلـنا

الـنهـر فأوقـفـني إبـن عـمي صــادق بـاتـجـاه الـتـيـار في مـنطقـةٍ قـريـبـةٍ للجُــرف وحـذّرني مـن الـتحـرك يـمـيناً أو

شـمالاً خـوفـاً أن أقـع في إحـدى الـجِـنَـبْ وهـي حـفـرة عـمـيقـةٌ داخـل الـنهـر وقـال لي إني ســأعـبـر الـى الجـزرة ثـم

تـركـني وغـادر مع رفـيـقـهِ الى الجـزرة التي تـقع في منـتصف الـنهر وبعـد أن إبـتـعـدا عـني مـسـافةً إلـتـفـتُ الـى نـافـع

وســعـيـد وكانـا خـلفي فتحركت روح المغامرة بـأن أنـتـقـل إلـيـهـما ولـيس بـيـني وبـيـنهما إلّا مـسـافـة لا تـزيـدُ عن أمـتـار

ومـا هـي إلّا خـطـوةً و الـثـانـيـة واذا بي اسقط فـي الـجنـبـة وهـنــا تغير الـمـشـهـد فأخـي وابـن عـمي بـدلاً مـن أن يُناديا

على صادق أو يطلبا النجدة من الموجودين على الشاطيء أخـذا بالـضحك وكأنهما يُشاهدان فلمًا هـزلـياً لولا أن

هيأ الله واحـداً ممّـنْ كان على الـشاطئ فأخـذ يـنـادي على إبـن عـمي صادق الـذي صار على مقـربةٍ من الجزرة أمّـا

أنـا فكـنـتُ في كـل غـطـسـةٍ أنـزل بهـا الـى الـقـعــر تــأتي عـلى بـالـي أمّـي ومـا سـيـكون عـشـاءُنـا في هـذه اللـيـلة ثـم أعودُ

الى سـطـح الـماء لأرى نــافـع وســعـيـد وهمايـضحكان وما أن ســمع الـنـداء صــادق ورفـيـقُـهُ حـتّى عـــــادا مُـســرعـيـن

وأخـرجاني مـن الـماء وبـذلكَ أكون قـد نجوتُ من الموت للمـرّة الـرابعة بعـد الملاريا وغرقي بحوض الماء

والصعقة الكهربائية .

إنـتقـلنا من بيت جـدّي الحاج حمادي الى بيت أم إبراهيم في أوآخرعام 1950 وهـو بـيـتٌ قـديـمٌ بـابـه خـشـبيٌّ

مـطـليٌّ بـلون الـبـويـة الازرق وهـو مـنخـفض عن جادّة الـزقـاق لـذلك وُضِـعَتْ للـبـاب عَـتَـبَـةً لـلـدخـول الـى الـبـيتْ

وللخروج ومـجـاز يـنتـهي بـمـدخل الـى الـبـيـت من الجهـة الـيُـمـنى يُـفـضي الى صحـنـهِ ومن الجـهـة الـيـمـنى حجرة

لـها شُـبّاك يـطلُّ على الـزقـاق وحُـجرة أخـرى ملاسـقة لـها بـابها يـشرف على صـحـن الـدار ثـم مـطبـخ إصـطبـغـت

جدرانُـهُ بـالـدُخـان وحُـجرةٌ ثـالـثـةٌ لـم أدخـلها مُـطلـقـاً تـتـقـدمُـها طـارمـة أمّـا من الـجهـة الـيُـسـرى تـأتي باب الـدرج أو

الـسُـلّـم وعـنـد صعـود درجـتـين يـقـع بـيـت الـخَـلوة أو الـمُـسـتـراح على الـيـسـار والـسُـلّـم عـلى الجهـة اليـمـيـن حيث

الـسـطح محاط جانبه المشرف على صحن الدار بسياج وبـجـانـب بـاب الـسُـلّم حـوض الـمـاء لغـسـل الاواني

وعـلـيـه نُـصِـبتْ حـنـفـيةُ الـماء أمّا أرضـيـة الـبـيـتْ فمن حجارة الفرشي وهو الطـين المـفـخـور محليًّا والـبـيـت بـهـيـأتـهِ

وبـنـائـهِ قـديم لا يأتي بمستوى بيت جدي لـكن حصلت الـقـناعة لـدى والدتي بأن نسكنه فألقينا عصا التنقل

وفي هذا البيت أخذ الخط البياني لوضعنا المالي بالهبوط مما دفع بوالدتي التفكير في مُـسـاعـدة أبي بمصروف

البـيت بعـد أن سـاءت بسبب خيانة ابن خالته وعديله الحاج حسون الثقة وتحايل المحامي علي السلبي الذي

سلب آخر ما عند ابي على دعاوى فاشلة يعرفها مُسبَقًا وصلت الى اثنتي عشرة دعوى كما ذكرها أمامي الحاج

حسون في احدى زياراتي له في ثمانينات القرن الماضي ولا انسى موقف ابي وهو يأخذ من معصم والدتي آخر

قطعة ذهبية وهي سوار يُسمى بالدبابه كنتُ أحيانًا ألبسُهُ في يدي فوالدتي تسحبُ يدها وابي يسحبها و يقول

هذي المرّه مصوكره يقول المحامي وهي تقول له اشترِ لنا دارًا أحسن ما يروحن مثل ما راحن السابقات

ومعنى مصوكره اي مضمونه ميه بالميه والغريب أن والدي لم يُفكر بعمل آخر غير التجارة بالحبوب ولو فتح

دكانًا بالمبالغ المتبقية وبالذهب المباع لحقق موردًا يكفينا وقد يزيد لكن آخـر ما فعـله أبي هو إنـفاق آخـر مـا

تـبـقى لـديـه من مال وهـو مائـتـا ديـنـار في تزويج اخيه الاصغـر الـمـعـلم عـبـود مـن خـالـتي فـطـومـه مُـعـتـمـداً عـلى

الـقـول الـمـأثـور إصـرف مـا بـالـجـيـب يـأتي مـا في الـغـيـب وكان بامكان أبي أن يـشـتري بـالمئتي دينار مـنـزلاً أفضل

واكبر من مـنـزل أم إبـراهـيم في ذلكَ الـزمن ولكن حُبَّ أبي لأخيه وإيـمـانـه بـالـحـكـمة الـتي يُـرددهـا على مـسـامـع أمّي

أن بيت العنكبوت كافٍ على مَنْ يموت كل هـذه العوامل إنسحبت على وضعنا المعاشي فـلجـأتْ امّـي

الى خـوض معـترك الـحـيـاة من أجـل زيـادة مـدخول البيت فـقـررتْ شـراء ماكـنة خـيـاطـةٍ بـما إدخـرتـه خفيةً

عن ابي مـن نـقـود مع مساعدة من والدتها جدتي خميسة .

كان الوكيل الوحيـد لبـيع ماكنات الخياطـة في الكوت هوعـبـد سـنجـر وسـنجـر لـقـب أخـذه من علامة ماكنة

الخياطة الانكليزية سنجر وهو من الاكراد الـفـيليـة ومن سـكـنة الكوت بـعـد الحرب الـعالمية الاولى ولـه أولاد

نـوريـه وهي أكبـر أولاده معـلمـة تزوجها المعـلم نعـيم فـرحان وهـو من الـفـيـلـيـة أيضاً من قضاء الحي وقد سـكن

الكـوت مع أخوته الثلاثة أتذكر منهم طـعـمه ورحـيـم وهما معلمان أمّا أخـوهم الـثالث فلا أعرف اسـمهُ وهو

معلم ســكـنـوا الـكـوت بـداية سـتـيـنـات الـقـرن الـعشـرين ورحـيـم كان شـاعـراً شـيـوعـيًّا ثـم صـار بعـثـيًّـا وكـذلك

إخـوتُـهُ كانو شيوعيين إنـتهـت حـيـاتُـهُ بحـادث إصطـدام سـيارتهِ على طريق الـحـي الكوت وهـو في حالة سُكر

وقد كان موقوفًا معي في سجن الكوت عام 1963 .

ومن أولاد عـبـد سـنجـر بعد إبـنـتـه نـوريـه يـأتي نــوري وكان موظفًا في شركة نِـفـط البصرة مـسـؤولاً إداريًّـا

والآن في بـرلـيـن بالمانيا وهـو مـديـر مـوقع الاخـبـار وأخـوه مـحـمـدعـلي زامـلـني في الصف الرابع والخامس اعـدادي

تخـرج مدرسًا يـسـكن كركوك مع عـائـلـته نـقـلاً عن أخـيـه نــوري وآخـرهم أنـعـم سـكن ألـمانيا في عام 1972

ووافـاه الاجـل في تـسـعـينات القـرن نـفـسـه ، أعـودُ الى مـوضوعي فـأقـول : خرجتُ مع أمّـي ووالـدتِـها مـتـوجهـيـن الى

محـل عـبـد سـنجـر الواقع في بـدايـة محـلة المـشـروع والمجاور الى بـيت أول صاحب مـحـل للدراجات في الكوت

وهو صـالح مـشـريه وبيتُهُ يـقابل باب المـشـرحة لمـسـتـشـفى الكوت والـمُـسـتـشـفى بـالـحـقـيقـة من إنـجازات الـعـهـد

الـمـلكي بُنيت هي والمحافظة عام 1954ولـكن في الـعراق يـتغـير كلُّ شـيئٍ بـعـد أن يـتـغـير الـنـظام وهـذا عـيبٌ

أخلاقي وتأريـخي مـازال قـائـمـاً في عقول الـحُكام والـشعب الـعراقي .

وصالح مـشريه هذا هو أول مَنْ إتـخـذ من الـدراجات أي الـبايسكلات مهـنةً يـرتـزق منها في تـأجـيـره لـها واحـتسـاب

ألـمبـلغ عـلى الوقت فالـدقـيقـةُ بـفـلـسٍ واحـدٍ والضرر محـسـوب عـلى المـسـتأجـر وأتذكـر هيأتَه فهو طـويـلُ الـقامةِ

محني الظهر قـلـيـلاً لِـكِـبَـرِ سِـنّـهِ مُـصاب في عـيـنـيه ويديه بأكزمه يقول عنها الناس أنها مرض الـسـفـلـس وهـذا

الـقـول لا اعتمدهُ لأن مَـرضَ الـسـفـلسِ مـرضٌ مُـعـدٍ وزوجتُـهُ التي كانـتْ معـهُ تـتـمَـتّـعُ بـصحـةٍ جـيـدةٍ وعلى هذا

الظن المغلوط تحاشى الناس ركوب دراجـاته وأنـا من جُـملـتهم وليس له اولاد وأتذكرُ أني لعبتُ مَـرّةً بإحدى

البشّات أو البطات اللـواتـي كُـنَّ يـسـبحن في حوض الماء الآسـن أمام منـزلهم وإذا بزوجتهِ تـمـسـكُـني مـن

اُذنـي وتقرصني قرصةً لـم أعـاود بعـدها اللعـب ببطاتها.

أعــودُ الى موضوع مـاكـنة الخياطة حيث شاهدت والـدتي مجـمـوعـةَ الـمكائـن فرســا الاخـتـيـار عـلى اختيار

إحـداهُـنَّ بـمـبلغ 40 ديناراً وكان هذا المبلغ كبيراً وباهظاً لكن الامر يتطلب المجـازفة والامـل بالله قـويٌّ

على أن يـتم الـتعويض بالعـمل .

وصلـت الماكـنة المهـيوبـةُ واتـفـقـتْ والـدتي مع إبن حَماها أو سِـلـفها حـسـن كاظـم منصور الـذي يـتـعـاملُ

بـبـيع الـقـماش وأخـذ يـرسـلُ الـقـماش وهي تُـخـيط لـه حـسب طـلـبـهِ من الـدشـاديـش أو بـمعنى آخـر الجلابيات

واسـتمر العمل حتى تَجَمّعَ لها بـذمـتـهِ مـبـلغ خمـسـة دنانـيـر فـأرسـلـتـني والـدتي بطـلـب الـمـبـلغ لأن أم إبـراهـيـم

جـاءت لـتـأخـذ الايـجــار الـشـهـري فــمـا كـان مـن إبـن عـمـي حـسـن إلّا أن يَـنْـكُـرَ عـلـيـها الـمـبـلغ بالكامل ولـم تجد

والـدتي غـيـر ربِّ الـعـالـمـيـن كي يـنـتصرَ لـهـا فـتوجهت بـالـدعاء عـلى ظـالـمها وكان هـذا هـو أول وآخـر عـمل للـخـيـاطة

بـعـد خـيـانـة الـثـقـة من قِـبـل ابن عمي حـسـن كـاظم وبـقـي اسـتخـدام الـمـاكـنة لأعـمال الـبـيـتِ حَـصـراً .

الدنمارك / كولنهاجن

الاحد في 16 / شباط / 2020

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close