طريق آلحياة

فلسفة آلأخــلاق: مقدمة عن آلجّذور و آلأسباب
ألفيلسوف الكوني عزيز الخزرجي
رافق آلأنسان عبر التأريخ ثلاث فلسفات أطّرتْ سلوكه و وضعه الأجتماعي – ألسياسي – ألأقتصادي – ألتربوي – ألسّلوكي, و قد كلّفهُ الكثير من الجهود و آلزّمن, كان أمرّها تلك التي كسبها بآلتجربة و أسهلها عن طريق التقليد و أسماها عن طريق الفكر, و تتحدّد تلك الفلسفات(1) بآلتالي:
ألأولى: كانت ما قبل آلتأريخ, حين نشأ في الطبيعة نشأةً بشريّة حيوانية, و كان فكره – إن صحّ التعبير – مقتصراً بتلبية حاجاته المادية, من أكل و شرب و لباس و مأوى دون أن يكون واعياً تماماً بما يطلب, و كان وضعه شبيهاً بآلطفل أو الحيون, و لم يرتق إلى حالة الوعي لذاته إلّا بعد تجربة طويلة, هذا الوعي بآلذات شكّل نقطة ألتّحول ألجّذريّة في حياة الأنسان ليدخل مرحلة جديدة أخرى.

ألثانية: و هي مرحلة وعي الذّات, و آلأرتقاء ألفكري, بإعتبار ألفكر هو آلاساس ألمُحرّك للانسان, له حاجات تضاهي و تفوق حاجات آلجسد ألماديّة كآلحاجات الرّوحيّة و آلمعرفيّة و آلأدراكيّة, إلغاء الحيرة و آلقلق, إثبات ألذّات, ألتّخلص من آلدهشة و آلتناقض, و لهذا يقول أرسطو و من قبله افلاطون إنّ الدهشة منطلق الفلسفة, و ما كان الأنسان ليكون إنساناً لولا ألمعرفة, و لولا الوعي ما كانت المعرفة, لذلك كانت فلسفة هذه المرحلة هي البحث عن الحقيقة كحاجة روحية يطلبها الوعي.

و إستمرت العلوم و آلفلسفات تتطور بفعل التطور الفكري للأنسان حتى دخل عصراً جديداً نعيشه اليوم بكل تفصيل و ختمناه بآلفلسفة الكونية كختام للفلسفة.

ألثالثة: و هي الفلسفة المعاصرة, حيث لم يعد فيه الأنسان يبحث عن الغذاء المادي أو حتّى الروحي فقط .. بل اصبح مشاكساً لهذا العالم و طموحاً حدّ ألتّجاوز و بشكلٍ غير عادل و معقول, حتى بات يقف ندّاً لهذا العالم!

لقد وصل الانسان المعاصر بعد هذا حدّاً خطيراً و هو يتساءَل؛

هل تستحق الحياة أنْ نحياها؟

سؤآلٌ يَنمّ عن آلترفع على هذا العالم!

معتقداً أنّه هو الذي يُشرّف الحياة بوجوده و ليس العكس!

لذلك لا بُدّ أن يخضع وجوده لقراره, بعد ما أيقن بأن العالم لم يعد طوع يديه لسيطرة مجموعة هم أبعد ما يكونوا عن القيم والمثل و الأخلاق يتحكمون برقاب ألناس!

نداء الفلاسفة:

إستغربتُ كثيراً لنداء بعض الليبراليين ألفرنسيين خلال العقدين الماضين بآلدعوة لحذف فرع الفلسفة كأختصاص من الجامعات الفرنسية و الغربية عموماً لأنتفاء دورهم في الحياة الاجتماعية الحديثة بحسب إعتقادهم و الحال أن كل ما توصل إليه الغرب هو بسبب الفلسفة, و أن تلك الدعوة بمثابة صرخة ضد ذلك القليل الذي تبقى من قيم ألعدالة و آلأخلاق ألأنسانية التي وحدها تُحصّن المجتمع من الانحراف, و لولا آراء الفلاسفة و نظرياتهم لكان الأنسان ما زال يعيش في فترة القرون الوسطى!

لقد أطّر الفيلسوف شوبنهاور نظريته من هذا المنطلق بعد ما تصور ان الأنسان يدور في حلقة مفرغة, و هو في الحقيقة إتهام لنظام العالم, و نفي لارادة الحياة و تشريع مناقض لها, إنها فلسفة الأدانة ألتي أدت به للتشاؤم!

و الواقع إنّه قد يكون مُحقّاً في ذلك فلن يتفاءل إلا شخص ساذج لم يدرك حقيقة الوضع الأنساني و خفاياه و اسراره!

و لما جاء “نيتشه” وجد باب التطاول مفتوحاً أمامه لادانه نظام العالم, فصرخ كآلمجنون منادياً” إنّ الله قد مات”!

و ” هبّوا لتلبية غرائزكم و إستمتعوا بما لذّ و طاب .. لقد مات الحارس او الجلاد أو آلرّقيب(ألأله), هذه الفلسفة هي فلسفة غير مقبولة في العصر الراهن لدى العقلاء, و أن فلسفة شوبنهاور التي مهدّت الارضية لفلسفة نيتشيه هي ثورة روحية فكرية متشائمة مهزومة و عاجزة عن التاقلم مع الواقع, لذلك حاول نيتشيه أن يأتي بحلٍ للموضوع.

و كان حلّه هو تلبية صوت الطبيعة في الوجود الانساني, صحيح أن جذور فلسفة شوبنهاور هو بحث في الغزائز وآللذة و لكن هدفه كان سامياً و هو الظفر بآلسّكينة, و واضح أن هذا الهدف هو هدف روحيّ, و أن الهدف الذي شخّصه “نيتشه” لا يتلاءم مع جذور المشكل لكونه عاد بآلانسان إلى المرحلة الحيوانيّة و كأنّه ردّ فعل سلبيّ ضد حرمانٍ طال أمده .. أو كإنتقام ضدّ آلجّلاد(ألأله) تعالى عما يصفون, و بذلك حذف “نيتشه” و معاصريه جميع آلقيم ألسّماوية و أعتبروها خطيئة و سلاحاً للضعفاء!

بَيْدَ أنّهُ لا خلاف على دور ألأخلاق ألسّماويّة(ألقرآنيّة) بإعتبارها تختزن ألمعايير ألأمثل و آلقيم ألأنسانيّة ألعليا للأرتقاء في طريق ألحقّ .. لتحقيق ألتكامل ألأنسانيّ ألذي معه يُحقّق(ألآدميّة) في وجودنا آلبشريّ بعد آلأنتقال من آلحالة ألأنسانيّة كمقدمة لتحقيق السعادة في آلمُجتمع ألأنساني.

ذلك أنّ آلأخلاق ألآدميّة – و ليستْ ألأنسانيّة (2) – وحدها تُحقق ألعدالة و بالتالي المحبة والتواضع والذوبان في الحق كغاية تتطلّع إليها آلبشريّة في كدحها بعد مشوارها الطويل من آلمآسي و الدّمار و آلأستغلال و آلحروب بسبب تسلط أصحاب آلمال و الشركات على مُقدّرات العالم!

ألعدالة هي آلرّمز ألأخلاقيّ, ألأسمى لمؤشر ألسّعادة في آلمجتمع, و من مصاديقها ألأساسيّة:

1ـ ألمُساواة في آلمعاملة ألأنسانيّة(كتعامل ألرّسول”ص” مع آلرّعيّة)-

2- ألمُساواة أمام آلقانون(كحكومة عليّ”ع” في آلكوفة).

3- ألمُساواة في آلحقوق ألطبيعيّة(كمعايير مثلث ماسلو).

4- ألمُساواة في آلحياة ألآخرة(كموازين وردت في ألقرآن ألكريم).

أنّ آلعدالة مع وضوح تعاريفها و معاييرها كما أشرنا؛ قد تعرّضتْ للتشويه منذ بدء ألتأريخ بسبب مكنونات ألنفس و آلغرائز ألأنسانيّة ألتي حاولت تسيسها دائماً, ذلك التسيس الذي يأخذ بُعداً خطيراً إذا لم يُهذب طبقاً للمعايير الأخلاقية المطلقة!

لعلّ آلأنحراف ألأساسي ألأول بدأ بموقف ألشّيطان ألذي لم يعدل في قراره أمام عظمة ألباري و إرادته, حين حكّم عقلهُ و كبريائه و حسده أمام عدالة الباري تعالى و رفض آلسّجود لآدم(ع) ألذي كان يُريد أن يقول: [لو تدري يا شيطان بآلنار ألذي يكوي وجودي لسجدّتَ لي ألف مرّة و مرّة], هذا مع وجود إشارات قرآنية إلى أنّ مُقدمات الأنحراف ألأخلاقي سبقت موقف الشيطان في سلالات سَبَقَتْ سلسلة أبينا آدم(ع) في هذا آلوجود كما تُؤكد ذلك بعض الآيات القرآنية و بدلالة قصّة ألمَلَكَين “هاروتَ و ماروتَ” و هبوطهم في أرض بابل(راجع ألتفسير ألعرفاني للشيخ ألانصاري – ألجزء الأول)!

و توالت ألحوادث على أبناء آدم(ع) بعد هبوطه إلى آلأرض كفرصة لترميم الأوضاع من جديد و ظلّتْ ألعلوم و آلفلسفات تتطور كناتج لتطور الفكر الانساني كما بيّنا مراحله فيما مضى .. إلّا أنّ مشكلة آلأنسان ما زالت مستعصية و لم يستطع ألعبور إلى مرحلة الآدميّة رغم نجاحاته على آلمستوى النّظري في ذلك إلى حدّ مّا!

و رغم نجاح آدم(ع) في آلأمتحان ألنّظري حين تَعَلّم آلأسماء من آلخالق ألعظيم كانت ألملائكة تجهلها .. ثمّ نبوءته بها و بمكنوناتها و أسراها للملائكة .. لكنه – أيّ آدم(ع) – سقط في آلأمتحان ألعمليّ حين تعرّض لهُ بأكْلِهِ من آلشّجرة ألممنوعة و ما برء آلشّيطان يُوسوس لهُ لأغوائه, و لم يستطع ألسّيطرة على نفسه, و تلكَ هي آلحقيقة ألمرّة لأصل الشّر ألمُتجذّر في آلبشريّة ألمحكومة آليوم بآلمآسي و بآلسّياسات ألماديّة عبر آلشركات و آلبنوك و آلمؤسسات ألكبرى و بين آلمُثل ألأخلاقيّة ألسّماوية ألمُهملة آلتي أنزلها الله و آلتي لم تدركها آلقلوب ألتي تاهتْ و سط ذلك آلضجيج ألدّيمقراطي ألعولمي – ألغربي بآلذات!

إنّ ألمشروعيّة ألسّايكلوجية للأخلاق ألطيبة تهدف إلى آلهيمنة على آلنزعات ألنفسية ألمنحرفة و آلشذوذ ألّلاإنساني من خلال منظومة تُسيّر ألأنسان نحو خلق كمالاته و وضعه بآلاتجاه ألسليم, و بتحقيق هذا الأمر تكون آلنتيجة إيجابية لصالح ألمجتمع ككل, ذلك أنّ القانون ألوضعي ألمُتمثل بآلحقوق و آلواجبات و آلمحاسبة و آلتأنيب – مهما تسامى – لا يفي هذه الأمور من خلال عدم وقوعه تحت هذه آلسلطة, هذا بغض النظر عن مدى فاعلية القانون و قدرته على فرض قوّته ألذّاتية ألّتي تفقدها بآلأساس لعدم إرتباطها بآلغيب, و لهذا نرى أنّ تلك آلمجتمتعات ألتي تفقد ألسّلطة ألقانونيّة تتحوّل إلى شبه غاب تعمّ فيها آلفوضى و آلدمار لكونها تعودت على آلرّقيب ألحسّي ألمُتمثّل بآلقانون و لم تتّصف بآلرّقيب ألذاتي ألمُتمثل بآلأخلاق لفقدان ألرّقيب ألغيبي, و من هنا تبرز ألحاجة ألأساسية لتطبيق ألقانون ألأخلاقيّ كدافع تحمله آلنفس للحدّ من وقوع ألانحراف و تجاوز ألسّياسات ألأستكبارية ألظالمة.
جذور آلأنحرافات ألأخلاقيّة لدى آلبشر:

ليس من آلسّهل أن يُسخّر الأنسان ذاته لغيره, لذلك كثيراً ما تحصل ألتقاطعات و آلظلامات و تضارب ألمصالح بين بني آلبشر كأفراد و كيانات! و صمام الأمان في درء هذا الأنحراف ألخطير هي تحكيم ألرّقابة ألألهية عبر نظام ألهيّ رقابيّ, فآلله تعالى وحده ألضامن لما قد يخسره الأنسان سهواً أو عمداً في علاقاته و تشابك مصالحه مع آلناس في هذا آلعالم ألمعقد جدّاً, لذلك فآلمؤمن ألذي يعمل آلصّالحات لا يخاف ظُلماً و لا هظماً بوجود
آلرقابة ألالهيّة, و من هنا فقط يتعمّم آلصلاح و آلخير و آلأمن في آلمجتمع ألأنساني.

محنة ألرّسالات ألسّماويّة؛

بغضّ ألنّظر عن أصل الشّر ألمُتجذّر في وجود ألبشر كغريزة طبيعية؛ أعتقد أنّ جذور الأنحرافات آلأخلاقية كنظام مُتأصّل في البشر .. بدأتْ و أمتدّتْ كمنظومات عقائدية و أجتماعية مع مسألة “خلق آلقرآن” و كانتْ من إبتكارات ألمُعتزلة (3) نهاية القرن الاول الهجري, و هي آلقضية ألتي وصمتهم بآلضّلال و آلأبتداع .. مع ملاحظة أنّ ليسَ كلّ ألمعتزلة إعتقدوا بذلك!كما سبقتْ محنة القرآن محنة آلرّسالة ألمسيحيّة إبان آلقرون ألوسطى حين إستغل ألقساوسة الأمة بإسم آلمسيح(ع), و كذا الحال مع الديانة اليهودية حين تمّ تزوير ألكثير من آلاسس و المبادئ ألأخلاقية و آلأنسانية والأجتماعية فيه.

و خلق آلقرآن في مصطلحهم يعني أنّه حادثٌ و ليس بقديم, و كونه كلام الله أوحاه إلى عبده ألمصطفى ألذي جسّدهُ عبر آلآيات و آلسّور بحسب آلحوادث و ألوقائع التي كانت تقع, و لم يكن في علم الله محفوظ!

لقد إعتقد ألمعتزلة بأنّ آلحوادث كانتْ لها دورٌ في هذا آلأمر حتّى قال أحدهم :
“ألقرآن منبعٌ ثقافي مثلهُ كآلرّواية و ديوان آلشعر”.

و قد ردّ ألأشاعرة و آلماتريدية و آلأثنا عشرية هذا آلمنطق ألذي يُفترض صدقهُ .. جهل الله تعالى عمّا يصفون بما يكون من شأن عباده.

إنّ آلغرض ألمكنون من وراء كلّ ذلك هو سوء آلنية, لأنّ إفتراض خلق ألقرآن يعني عدم ثبات أحكامه و بآلتالي عدم وجوبها و لزومها .. بمعنى لا حلال و لا حرام و لا أحكام شرعية مطلقة و ثابتة بهذا المنطلق, و لو قلت مخلوق فهو كسائر مخلوقات آلله تعالى ربّما يخطئ و يصيب؛ و بآلتالي ألقول بإعجاز القرآن يكون غير واقعياً, لأنّ آلمخلوقات فاقدة لآليات ألأعجاز.

هذا آلنمط ألأخلاقي ألّذي تبنّته ألحكومة الأموية كسياسة عامة قد مهّدَتْ سُبل ألتّسلط على آلنّاس عبر آلتلاعب بأصل آلفكر ألأسلامي لأبعاد ألأمّة عن آلأخلاق و لإحكام قبضتهم على آلسلطة عبر ضرب ألأسس ألأخلاقيّة الثابتة من آلجذور مُعتمدين بذلك على نصوص ألمعتزلة في نفي صفات ألذات ألألهية حيث أبطلوا أن تُشاركه في آلقدم, و من هذا آلنفي إعتبروا آلقرآن مخلوقاً .. أيّ مُحدثاً, و هكذا تزامنتْ محنة ألأخلاق مع محنة خلق القرآن بتأريخ 218هـ / 833م بشكلٍ رسميّ و شرعيّ, و كانت بداية خلافة ألمأمون ألعباسي ألمؤشر ألأوضح ألذي حاول من خلال ترويج تلك آلنّظرية؛ إثبات سيطرته على آلسّلطة ألدّينية و آلقانونية معاً على آلمدى ألفقهي و آلثّقافي, و كانتْ تلك آلمحنة أيضاً من أبرز أسباب فرض ولاية ألعهد على الأمام آلرضا(ع) وصيّ رسول الله بآلحق و الأمام ألثامن في سلسلة ألخلفاء ألأثني عشر ألصالحين من بعد آلرّسول(ص).

تأثير ألجذور على آلنّظريات ألأخْلاقيّة ألحَديثة:

ذَهَبَ بعض آلفلاسفة أمثال “جان بول سارتر” و “إنجلز” من أنّ آلمشروعيّة ألأخلاقية جهة يطغى عليها آلطابع ألنسبي و آلألتزام بها يُعتبر أمراُ مُخالفاً لمتطلبات ألواقع, فآلمنظومة ألأجتماعية ألأخلاقية في دول أمريكا آلجنوبية تختلف عن منظومة ألمجتمع ألأوربي, و من هنا لا تكمن أيّة ضرورة في بناء ألنفس ألأخلاقي!

أمّا “عمانوئيل كانت” فقد قدّم مفهوماً سامياً لذلك, حيث آمن بأن الأخلاق صفة .. تكوينها يُوجب العمل دون تفضل, و هذا ما يطلق عليه بمفهوم الواجب, فأنّ عمل الخير عند “كانت” واجب على آلنفس و ليس تفضلاً منها, و على الأنسان أن يتّسم بهذه الصفة كموضوع ذاتي يُرافق آلنفس اينما حلّتْ, كما يرى “كانت” أن آلتفاخر بآلعمل ألأخلاقي ليس من آلأخلاق, و قد لاقت هذه النظرية إستخفافاً من جانب الأطراف العلمانية, حيث إتّهم البعض هذه النظرية بأنّها مثالية النزعة و تمثل ألأتجاه الديني المسيحي في بعض جوانبه, و يرى آخرون إستحالة تطبيق هذا المشروع ألنفسي لعدم إتفاقه مع الواقع الموضوعي, ما دامت النسبية تحيط بهذا الجانب.

إنّ رفض القيم الأخلاقية العامة للكثير من المتبنيات السياسية ألمرتبطة بآلتوجه الليبرالي العلماني بآلأضافة إلى الفلسفة الألحادية, لذلك فأن المفهوم الأخلاقي يقف بوجه الكثير من النظريات الفلسفية الخاطئة كآلمذهب ألتجريبي و الحسي بآلأضافة إلى الوجودي, ذلك أنّ المتبنيات السياسية نتاج للأفكار الفلسفية!

يقول “جان بول سارتر” في كتابه (ألوجودية ص60) في معرض جوابه لسؤآل أحد مريديه؛ [أنتَ حرّ في الأختيار فإختر بنفسك, أن أية نظرية أخلاقية شاملة لا تستطيع ان تهديك لعدم وجود علائم و بشائر في الحياة توضح الطريق إلى سواء السبيل]!

و هذا التصريح ألذي أقرّه سارتر يصور مدى التنافي العلمي بين نظريته ألوجودية و المفهوم ألأخلاقي, فتجريد الحياة من هذا المحتوى ليس إلا دعماً لشريعة الغاب إلّا أنّه لم يجدْ سبيلاً ثانياً للأخذ به كبديل عن هذا آلأتجاه, و لو إعتقد سارتر ببعض ألمفاهيم ألأخلاقية لأنهارتْ نظريته ألوجودية برمتها كونها تنطلق من الجانب الأحادي للانسان و لا تؤمن بآلمبدء ألتعميمي ألشامل, لذلك كتب يقول كما جاء في كتاب(الوجودية صفحة89):

[ألوجودية ليست إلا جهداً لأعتماد ألألحاد مبدءاً ننطلق منه لنخلص إلى جميع النتائج ألممكنة].

إن تعارض ألأتجاه ألفلسفيّ مع آلأخلاق يُجسّد ألدّعوى آلتي أطلقتها ألاتجاهات الماديّة في فهم آلحياة بطبيعة مخالفة للسياق ألمعتبر, و في آلواقع أنّ هناك خلافاً أعمق من آلذي أوردناه, و هو تنافي ألدّين مع آلمُتّجه ألفلسفيّ ألمطروح, فقد حاول آلبعض دحض ألمسألة ألدينيّة لدرجة وقوعه في آلمبالغة من خلال إنكار ألأخلاق, و هذا آلتصور مبني على أسس خاطئة, و هي تفهّم ألاخلاق من آلمنظور ألديني ألرّاديكالي و ليس آلأنساني!

فإقتران ألدين مع الأخلاق لا يعني فقدانها للحس ألأنساني .. و إرتباطها بآلمفاهيم الكنائسية و دور ألرّهبان لا يعني تنقيصاً لشأنها, بل إنّ آلعقل البشري يملك آلقابلية الكاملة في تهذيب آلنفس و ترويضها و تقبيح ألضرر و إختيار ألأصوب, فهناك ألكثير من القبائل المتخلفة ألتي تجهل ألفكر ألسّماوي و آلعقائد ألدينيّة و لكن أفرادها لا يقترفون ذنباً تجاه آلآخرين .. حتّى إنّ بعضهم يتخوّف من أنْ يطأ برجله أرض شخصٍ يكنّ لهُ الأحترام, و من هنا قد لا نرى أيّة تبعاتٍ يُمكن أنْ تتحمّلها ألمفاهيم ألأخلاقيّة جرّاء ألصراع ألسّياسي بين آلفكر و آلكنيسة!

يقول “نيتشه” في كتابه “فلسفة الأخلاق” ص184:

[لقد فهمت أن أخلاق الشفقة ألسائدة و التي إستولتْ حتى على عقول الفلاسفة قد جعلتهم مرضى], و أضاف ايضاً:

[ألشفقة خطيئة يجب تجنبها, و يكمن الخطر الأعظم في الشفقة].

قد يكون هذا الكلام خير تحصيل على فهم الخلاف السياسي بين المشروعية الدينية و فلسفة هذا الأخير, و انكار الشفقة التي تمثل الرحمة الانسانية و أسّ آلأساسات في تحقيق الآدميّة كما أسلفنا في الوجود الانساني – ما هو إلّا إفرازات الفكر العدائي ألمتحصل بين هذه الجهات, و من هنا لا يمكن لنا أن نعمل بهذه النظريات كونها غير مبنيّة على أساس علميّ صلب, لذا يُصَنّف كمُتّجه فلسفيّ أعلن المعارضة والرّفض لأسبابٍ سياسيةٍ.

و يمكننا تصنيف ألسّياسة ألغربية اليوم بكونها نتاج فلسفة “كانت” و “نيتشه” و ميكافيللي مضافاً له تقريرات المتأخرين أمثال “هيوم” و “فوكوياما” و “آدم سمث” و آلّتي جلّها منبثقة من آلمقدمات ألتي جاء بها “شوبنهاور” و “أسبينوزا” أو بعض من سبقهم من آلفلاسفة آلأغريق كأرضيّة لفلسفة “نيتشه” و أمثاله!

أن تأكيد “كانت” على أن ما يكون مقبولا أخلاقياً هو ما يكون مقبولا للجميع؛ هو زيف و خطأ؛ لأنّه بآلنسبة لنيتشه, لا يمكن أن تُوجد أخلاق مطلقة إلّا إذا كان البشر من طبيعة واحدة, و هذا شيئ غير صحيح!

و الحقيقة أنه وراء الأمر المطلق تختبئي في نظر نيتشه “ديكتاتورية أخلاقية” و تختبئي رغبة “كانت” في تحويل البشر إلى قطيع و تدجينهم ضمن الاوامر المطلقة المتبعة في الانظمة العسكريةو و “كانت” لا يبحث من خلاله إلا على ممارسة قوته و خياله المبدع على حساب ألنظرية الاخلاقية النسبية و التي سنبيّها تفصيلاً بعد تقديم شرح للرقابة الغيبية و دوره في إحياء الانسان.

دور ألرّقابة ألغيبيّة في آلسّياسة و آلأخلاق:

ألأخلاق قاعدة حصينة لحماية المجتمعات من آلأنهيار و آلتّصحر ألفكري و آلثقافي كما أشرنا لذلك سابقاً , كونها تُمثّل ألرّكيزة ألصّلبة ألتي تقف عليها إدارة ألمجتمع في جميع مجالاته, و لا يمكن لهذا آلأخير أن يتزود بآلفكر ألأنسانيّ التقدميّ دون مراعاة ألتّشريعات الأخلاقيّة؛ سواءاً كانت سماويّة أو أرضيّة, لذلك فانّ آلتّقدم ألأجتماعيّ من آلناحيّة ألأخلاقيّة يضمن سلامة ألمسيرة نحو آلوصول إلى مواجهة مُتطلبات ألواقع, فآلمجتمع بطبيعته مُتعرّض للتغيّر من خلال طرق عدّة؛ أشدّها وطأةً؛ ألأرتكاس و آلأنتكاس, و آلأخلاق تُمثل ألذخيرة ألذهنية لمعالجة القضايا و آلمحن ألطارئة, و فيما لو إنعدمتْ ألأخلاق فلا يُمكن لأيّ مجتمع أن يُعالج أيّة أخطار أو محنٍ قد يُواجهها.

ففي زمن ألنظام ألبائد شاعت كلّ آلوسائل أللّاأخلاقية وسط الأمة, و قد لاحظنا إمتدادات تلك الأنحرافات العميقة حتى بعد عام 2003م و كيف أنها إتّخذتْ مجراها بعد ما حلّتْ ألفوضى و آلانفلات ألأمني بسبب تصارع ألقوى آلسّياسية على كراسي الحكم بعيداً عن المثل الاخلاقية التي لم يبق منها شيئاً حتى أسمائها, ليصل الأمر بآلأمة لئن تتحكم بآلقوانين العشائرية بدل الأسلامية و كأننا رجعنا إلى زمن الجاهلية الأولى, لتكون آلية رخيصة لكسب المال الحرام ألسهل المنال و التي أصبحت صفة عامة لعموم الشعب العراقي, و آلغريب أنّ آلسّلطات ألحكوميّة و الكيانات الأجتماعية هي آلتي شجّعت بدورها على ذلك أيضاً لكونها إمتدادات للثقافة آلعشائرية في المجتمع العربي عموماً و ليس العراقي فقط!

و تجذر ألاشارة إلى عدم جدوى و فاعلية الأحكام ألفقهيّة الجافة و آلتي تتلخص بـ (العبادات و المعاملات) في تعميم و نشر المبادئ ألإسلاميّة, حيث بقى الفقه النجفي المتحجر عاجزاً أمام تطورات الواقع و على جواب أسئلة ألشارع العراقي و حتى آلأسلامي ناهيك عن المجتمع الأنساني .. ممّا ولّد فراغاً كبيراً إسْتغله آلأعداء فأوقعوا خسائر كبيرة في الأمة على جميع آلمستويات خصوصاً في الجانب الأخلاقي بل وصل الأمر لأن يتّهموا الفكر الأسلامي بآلأرهاب و التخلف و الفساد, و قد إمتدت أخطار تلك الأمراض إلى ما بعد 2003م, فآلأحكام ألفقهية باتتْ لا تتناسب مع أوضاع العصر الحديث .. هكذا تيّقن أكثر الناس, كذلك كان لفقدانها – أي الأحكام العبادية المجردة – للبعد العرفاني و عدم تناغمها مع روح العصر و تطور الفكر الأنساني أكبر الأكثر في تحجيم الأسلام و حشره في أروقة الحوزة التقليدية!من هنا يبرز أهمية و دور ألعامل الغيبي بمخافة الله تعالى و مشروعيّة القوانين السّماوية في نشر العدالة, حيث إنّ تناول الجهة ألأخلاقية كمشروع بناء للذات لا يحمل ألأداة ألكافية للقضاء على الدوافع الشاذة ما لم يتم تفعيل الضمير الغيبي ألذي ينبع من خشية الجزاء ألألهي للعمل السيئ لانه يمثل ألارادة الفكرية ألتي ترافق الأنسان و تجنبه الوقوع في الأزمات, و يتلخص هذا الأخير من خلال كلمتين؛ إفعل و لا تفعل, بمعنى النهي و الارشاد!

إن المنظومة الالهية تجسد أرقى أداة لتحصيل القيم ألانسانيّة كونها حياديّة ألمنهج و تنطلق من مبادئ سامية, و معرفة أولية متكاملة خاضعة لسلطة الخالق, لا سلطة ألأنسان, و من خلال هذه الأطروحة نكون قد رفعنا الشبهة الفلسفية ألمتعلقة بآلنسبيّة ألأخلاقية ضمن حدود شرعية مقبولة لا تخرجنا من دائرة المحذور, و في ذات الوقت تخلصنا من الشوائب الوضعيّة ألتي تحول دون الوصول إلى تحقيق المعايير المطلقة ألثبوتية في الأخلاق.

سايكولوجيا ألمعايير ألنسبيّة و آلمطلقة في آلأخلاق:

إنّ بحث ألمعايير ألمتعلقة بما يجب أنْ نفعله و ألّا نفعله؛ يُسمّى بفلسفة الأخلاق, تلك آلمعايير إذْ تُحدّد و تُقوّم تصرّفنا كقوى فاعلة تتّخذ لا محالة شكل علمٍ معياري, و لا بد لفلسفة ألأخلاق كذلك من أن تدرس ما يمكن أن تفعله لتلبية مطالب الألتزام, أي أنها معنية أساساً بآلمسؤولية ألأنسانية و ليست المسؤولية بتبسيط العبارة نتيجة للحرية, بل آلعكس؛ فأن يكون المرء مسؤولاُ عن الآخرين و عن نفسه هو المعيار الأساس لما ندعوهُ بـ “الحرية” بآلمعنى الأخلاقي!

إنّ أكبر تحدّيين تُواجههما فلسفة ألأخلاق أليوم هما :

تبني ألمعايير المطلقة في السياسة,

أو تبني ألمعايير ألنسبيّة فيها,

فآلأول: يرتبط جذوره و كما أشرنا سابقاً بتقريرات ألمعتزلة أو قبلهم من الذين شذّوا عن آلمسلمين وعن ولاية ألأمام عليّ(ع) كخليفة للمسلمين من بعد الرسول(ص), و إعتقدوا بأنّ الصفات ألألهيّة حادثة و لذلك فهي قابلة للتّغيير و على هذا الأساس فانّه لا قيم مطلقة في آلأخلاق تماماً, و أنما محاولة للتخلص من آلقيود و آلأملاآت ألّتي تُفرضها ألمعايير ألمطلقة تحت ولاية الصالحين من أئمة ألهُدى!

رغم أنّ البعض كما أشرنا فيما مضى يرون بأنّ فرض آلمعايير ألمطلقة من شأنه تحديد إنسانية آلأنسان وتحجيم عقله و صهره ضمن بوتقة واحدة .. و آلحال أنّ هذا بنظرهم يتناقض مع آلنزعة ألانسانيّة من شخص لآخر او كيان لآخر.

و آلثاني: هو آلأساس ألذي يُمكن من خلاله تحديد ألمعايير المطلوبة عن طريق تفعييل العقل للتعامل مع الوقائع و الأحداث و المستجدات بحسب معطيات الواقع و متطلبات المرحلة للحفاظ على أصل النظام و مصالح الطبقة الحاكمة, و هذا آلمعيار ألفلسفي ألمتغيير في آلأخلاق يقترب كثيراً من آلمعايير ألأخلاقيّة ألميكافيلّية ألعلمانيّة ألمُتّبعة اليوم في الغرب و عموم العالم!

إنّ المعايير ألمطلقة هي المنطلق و آلأساس ألذي من خلاله يُمكننا آلتقدم بسلامة و أمان نحو تحقيق العدالة و آلمساواة في المجتمع لو آمنا بأن المبادئ ألأخلاقيّة ألثابتة أنّما تُؤدي إلى تعميم محاسن ألأخلاق و آلتي هي مُقدمة لتحقيق مكارم ألأخلاق, ذلك أن قضاياها ألأخلاقية صحيحة قطعياً و ابدياً و لا تسمح بإعادة ألنظر و تسويغها و التلاعب بها.

قد يستشكل البعض على”ألمطلقية” بكونها هي آلسبب في نشأة ألنزاعات ألمأساوية و الكارثية, و يُعزّون جميع الحروب التدميرية و العالمية لها, و من أبرز أمثلتها ألثقافة ألأمبريالية و الأصولية السلفية ألمتحجرة؛

فآلاولى تؤمن بآلتفوقيّة ألأنسانية لشعب على بقية الشعوب ألتي لا يُمكن أن تصل في أية مرحلة تأريخية – كما لم تصل من قبل – إلى حالة التفوق, و هذا ما يُبيح ألسيطرة عليها و على ثرواتها, و هي أساساً آيدلوجيّة تُبرّر إخضاع الشعوب الاخرى و إستغلالها عبر تعريفها من جانب واحد بأنها و ثقافاتها بدائية أو همجية أو إرهابية و عليها واجب حمايتها أو تحريرها أو آلإنعام عليها.

و آلثانيّة تعتزّ بآلسّلف ألصالح و تعتبر الاسلام والقرآن حكراً لها دون بقية العالمين .. و هي الحالة الدوغماتية التي اوصلتهم شيئاً فشيئاً إلى تكفير المسلمين و قتلهم و التشنيع بهم! بيد أننا لو دققنا في الحركتين فأننا لا نرى فصلاً تاماً بين الدين والسياسة من كل الجانبين بسبب إختلاط الفهم و النوايا من قبل المتسلطين!

و قد لاحظ الكثيرون و منهم جاك دريدا في آلخطاب ألرسمي ألأمريكي و على الرغم من الفصل المبدئي للدين عن الدولة؛ تمسّكهُ الجوهري بآلكتاب المقدس في عبارات من قبيل؛ “فليبارك الرب أمريكا” و “فاعلي الشر” و “محور الشيطان” و ” العدالة المطلقة” حتى وضعوا إسم الله على الدولار”(4).

إنّها مثالٌ على الكامن العنيف للثقافة في آلقصد و التعليق على السواء و فيه تؤدي الثقافة وضيفتها بوصفها النذير و الاساس التصوري للحرب و العنف و الهيمنة ألأستعمارية, و هي تؤدي وضيفتها في محاولة إخفاء ابسط الاشكال ألأنانية ألجماعية و اقلها صقلاُ.

إنّ آلمعايير النسبوية الأخلاقية شاعت بشكل كبير منذ النصف الثاني من القرن العشرين بأعمال الأنتربولوجيين ألذين ارادوا أن يُوازنوا كفّة الافتراضات ألأمبريالية ألمتعجرفة, رغم أن المصطلح اقدم من ذلك حيث ظهر في كتابات 1865م, و إستخدمه هوسرل في كتابه؛ “الأبحاث ألمنطقية” سنة1900م.(John Grote)الفيلسوف “جون غروت”

و الصحيح أيضاً كما أسلفنا بأن جذور النسبوية تعود إلى العصر الأموي و العباسي منذ بداية القرن الاول الهجري.

و يزعم أصحاب النسبوية بأنّه لا وجود لمعايير صحيحة مستقلة تُحدد ما آلذي يجعل ألأعتقاد عقلياً و ما يُعدّ سبباً وجيهاً للأعتقاد بمعتقدٍ سيتفاوت من ثقافة إلى أخرى, و ليس هناك سبب موضوعي لأيثار أية مجموعة من آلمعايير(5).

و آلنسبويّة قائمة على أنّ كلّ ألمُمارسات ألخاصّة يجب أن تُفهم و تُقوّم ضمن سياق ثقافة ما, و هي تنكر محاولة ألحكم بشأن ثقافة بقيم ثقافة أخرى أو لترتيبها وفقاً لمخطط هرمي.

و تنطوي أطروحة “ألنسبوي” أّلثّقافي على قضيتين:

ألأولى: هي أنّ آلفروقات في آلانظمة ألقيّمة للنشر هي نتيجة لأختلاف آلشروط ألتاريخيّة لكل منها.

ألثانيـة: إنّ قيم الفرد مستقّاة من الثقافة ألتي ينتمي إليها الفرد(6).

و قد تتبدل مجموعة المعايير ألتي يعتقد بها حسب آلظروف, و مع ذلك فان النسبوية الأخلاقية, ترى أن كل ألآراء ألأخلاقية صحيحة بآلتساوي(7).

لقد أصبحتْ ألنسبوية أليوم فكرة سائغة جدّاً في الحياة الأجتماعية و آلسّياسيّة و آلثقافية ألعامة أيضاً, و أن مقدمتها المنطقية هي: “كل شيئ نسبي”!

فما تقول إنّه خيرٌ .. هو خير بآلنسبة لمفهومك للخير, و هو لا يُلزمني, و ما تراه واجباً .. إنّما هو واجب حسب ثقافتك لا ثقافتي, و ما كنت أراه سيئاً .. فقد كانَ سيئاً بآلنسبة إلى منظومة قيم لم أعد أعتقد بها آلآن, و هكذا!

. مطلقة و لا ترى أي شمول, فهي تنفي ألمطلق نفياً مُطلقاً. Relativity تجعل ألنّسبة Relativism فآلنسبويّة

لكن آلنسبية تعترف بوجود المطلق, فسرعة الضوء كما تؤكد الفيزياء الحديثة مطلقة .. بمعنى أنها مستقلة و ثابتة و غير نسبية و غير مشروطة, و عموماً فأن المادة في حركتها غير مشروطة و غير محددة بأي شرطو فهي أبدية و غير قابلة للنفاذ, أي إنها مطلقة و كل الأجزاء النسبية هي جزء من كل, فهي بهذا المعنى تشتمل على عنصر المطلق؛ فما هو نسبي في سياق هو مطلق في سياق آخرو فأذا كنا نرفض المطلقة ألتي لا ترى نسبيتهُ الاشياء فأننا نرفض كذلك ألنسبوية ألتي لا تُلاحظ أي شمول, و عندما أتحدث عن الأختلافات ألنسبيةبين شخصين أحدهما عربي و الآخر صيني فيجب أن أكون واعياً للامور ألتي تجمعهما و تشملهما و هي إنسانيتهما ألمشتركة؛ فكل تعريف للأنسان يشملهما, و كل ما هو من الانسان خصائصهما, و إن لم يكن لدى هذا الفهم من الشمول بآلأضافة إلى النسبية فانا أغالط.

و تتضح ألمغالطة ألنسبويّة في مواقف ألكثير من ساسة ألعالم ألثّالث و آلثاني و حتى ألأول, حين يتحدثون عن نوع نسبيّ من “الديمقراطية” ألمستمدة من سباقها التأريخي و آلثقافي بمعزل عن سياقات ألعالم, في حين يُمارسون نظاماً توتاليتارياً لا علاقة لهُ مطلقاً بأيّة سمة من سمات ألدّيمقراطية, و في خلفيّة ألمُجادلات ألمُتعلقة بشموليّة ألحقوق ألأنسانية بين البلدان الغربية و بلدان العالم الثاني تكمن المحاولة لإضفاء ألنسبوية على الثقافة ألسياسية للغرب ألذي نشأ منها تراث الحقوق الأنسانية ألحديثة, فهي بهذا المنظور ألنسبوي وليدة ظروف أوربية و لا مجال لتعميمها على جميع شعوب العالم, و اية محاولة من أي شخص لنقد ألأنظمة و آلممارسات ألسياسية لبلد آخر تواجه لا محالة بتهمة التدخل في الشؤون ألداخلية لدولة ذات سيادة.

و النسبوية تُضللنا بمقدار ما تُضللنا المطلقية؛

فآلأولى؛ لا يعتترف بأن هناك مجالاً للتقاطع تتلاقى فيه الاتجاهات ألمختلفة من مختلف الثقافات و الحضارات, وهي لذلك ترفض مهمة الأسهام في تعايش الشعوب المختلفة, فآلنسبوية غير ممكنة إلا بآلنسبة للثقافات المنغلقة, و ينطلق اتباعها من فهم مجرد لمصطلح “السياق” وهم يعطون ألأنطباع بأن السياقات الحياتية المنفصلة زماناً ومكاناً ألتي يتحرك فيها الناس و يعملون من خلالها, إنما هي محكمة ألأغلاق على الخارج و متصفة في الداخل بآلتجانس الثقافي, و لكن هذا ليس صحيحاً أبداً! فكل سياق كان عل الدوام مرتبطاً بآلكثير من السياقات الاخرى بطرق عدّة و و اليوم يجب أن نتوقع حتى في السياقات الحياتية العامة عنصر آلتعددين الثقافية الذي يجعل البحث عن مجال التقاطع بين المعتقدات ألمشتركة إلزامياً.

يضيف “جوهان هالتوغ” (8) رائد دراسات السلام هشاشة ألنسبوية الثقافية بأنها: ” ألميل إلى إتخاذ شكل التسامح السلبي بدلاً من المحاولات الفعالة للتعليم من الثقافات الأخرى(9).

على أن النسبوية داحضة ذاتها, و من أبرز المصاديق على ذلك .. ما قدّمه فرويدي و هو بريطاني أرثوذوكسي زعم؛

أن كل الأحكم البشرية و حتى آلعقل نفسه ليست سوى إدراكات للاشعور, و هذه ألأقتناعات الدقيقة ظاهرياً التي يمتلكها الشخص ألذكي ما هي إلا نتائج محتومة للاسباب المدفونة في السميتويات اللاشعورية من نفسه].

ذلك الزعم يقضي على نفسه بوضوح لأنه إذا كانت كل الاحكام تحددها القوى اللاشعورية, و هذا يجعلها بمعنى من المعاني مشتبهاً بها, فلا بد من أن ينطبق هذا الزعم على احكام هذا الفرويدي نفسه.و من المصاديق الاخرى على التناقض الذاتي ألنسبوي ما قاله “ميشيل فوكو” تأييداً لها ضد الشمولية الأخلاقيّة, قوله:

[أنّ البحث عن شكل أخلاقي من شأنه أنْ يكون مقبولاً من كلّ شخص بمعنى يخضع لهُ كلّ شخص؛ يبدو لي كارثياً].

و لكنه عندما جُوبِهَ بمسألة ألحقوق ألأنسانيّة و مطالبتها بآلمشروعيّة ألشّاملة .. فأنّه بوصفه مثقفاً تقدمياً قد إنحاز إلى جانب ألحقوق الأنسانية, و تناقض “فوكو” هذا يشبه تناقضه بين نقده ألحماسيّ للقوة و فرضيته المستمدة من “نيتشه”؛ [بأنّ كلّ ألحُجج .. بما فيها حجّة ألمرء نفسه, ليست سوى تدابير للقوة , و ليست سوى التعبير عن إرادة القوة].

و آلآن بعد أن نظرنا إلى النسبوية في عدم تماسكها ألمنطقي و تطرفها و سوء فهمها العلمي وخطورتها للنسبية؛ علينا أن نمنحها من الوجهة الأخلاقيّة ألخالصة و نسأل: ( هل يُمكن للبشريّة بهذا الموقف ألنسبويّ أن تردَّ على تحديات ألعولمة و أخطارها؟

و على ما يشهده كوكبنا من تخريب هائل للبيئة؟

و على ما يشهده من حروب و صراعات تدميرية فضيعة؟

و من منازعات دمويّة طاحنة؟

و من إخماد واسع النطاق لأنسانية ألأنسان و قُدراته الأبداعيّة؟

و من أخطار آلطبقيّة؛ و إزدياد ألهوة يوماً بعد آخر بين طبقات ألمجتمع حتى أصبح إقتصاد ألعالم يتحكم به مجموعة لا يتجاوز عددهم ألثلثمائة عضو و هم يسيطرون على مصير ستة مليار إنسان!؟

و أخيراً معيار ألخلق ألعظيم:

ألأخلاق أساس قوام الامم و عامل الحفاظ على بقائها و ديمومتها كما قيل:

أنما الامم الاخلاق ما بقيتْ .. أن هم ذهبتْ اخلاقهم ذهبوا

و قد اجمل الرسول البعثة كلّها في تحقق مكارم الأخلاق بقوله(ص):

[إنّما بُعثّتُ لأتمم مكارم الأخلاق].

و مكارم الأخلاق لا تتحقق إلّا من خلال وجود قيادة صالحة كنبراس يؤشر لتحقيق ألمثل و آلقيم الاخلاقية لتحقيق العدالة في آلمجتمع .. و من هنا رأينا و نرى كيف أن الغرب يُعادي كلّ نظام يدعو و لو جزئياً إلى تطبيق المبادئ الأخلاقية ألسامية ألتي تريد نشر المساواة بين أبناء المجتمع, و ما آلصراع ألقائم أليوم بين الجمهورية ألأسلامية بقيادة الولي الفقيه السيد الخامنئي و بين النظام الغربي إلّا دليل واضح على ذلك

فآلانسان عبارة عن منظمومة ألمثل ألتي صقلت شخصيته, حيث يفعلها لحظة التعارف و أثناء المعاشرة, و تبنى على اساس عقائدي لتحدد وجهة نظره في الحياة, بيد أن الذي يظهر من المرء تكون إما على لسانه او من خلال بقية جوارحه كتعبير عن أخلاقه, أما المبدء ألأساسي الذي يتبنّاهُ في ا لحياة فتظهر آثاره من خلال ا لتعامل الحيّ مع الناس في معترك الحياة و داخل المجتمع خصوصاً في الجانب السياسي و الاقتصادي ألذي له مساس مباشر بواقع الناس و حياتهم

و أنك لعلى خلق عظيم, هكذا وصف الله رسوله الكريم(ص) في كتابه الأمثل(القرآن الكريم) كإسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر.

و يتجسد معيار الخلق العظيم بشكل بارز من خلال آلعطاء و مواساة الفقير و البعد الاقتصادي في حياة السالكين و المتصدين في المجتمع, و لا يشمل الذين يُسخّرون أموال آلناس و المسلمين كآلخمس و آلزّكاة و منابع الطاقة لتسهيل مآرب الشّياطين ألمستكبرين على آلعالم عبر الشركات و البنوك العالمية في امريكا و اوربا (10), بل المساهمين في ذلك هم ابعد ما يكونوا عن الاخلاق الأسلاميّة بل الأنسانية, لا و الله حتى البشريّة.

لقد إجتمعت الخصال الحميدة جميعها في شخص الرسول(ص) كما دلّت الرّوايات التي فصلت الحوادث بهذا الشأن, فعن قتادة قوله؛”و أنك لعلى خلق عظيم” ذكر لنا ان سعيد إبن هشام سأل عائشة(رض) عن خلق رسول الله(ص), فقالت: [ أ لستَ تقرأ القرآن؟ قلت بلى, فأن خُلق رسول الله كان القرآن].

و القرآن نور يهدي العباد للتي هي أقوم, كما ورد في آلأخبار ألصّحيحة, و بحسب قول ألبراء: [كان رسول الله(ص) أحسن الناس وجهاً و خلقاً ليس بآلطويل البائن و لا بآلقصير].

و في مسند أحمد بن حنبل عن عائشة أنها قالت: “ما ضرب رسول الله بيده خادماً قط و لا إمرأةً, و لا ضرب بيده شيئاً قطّ إلّا أن يُجاهد في سبيل الله, و لا خيّر بين شيئين إلّا كان أحبّهما إليه أيسرهما حتى يكون إثماً, فأذا كان إثماً كان أبعد الناس عن الأثم, و لا إنتقم لنفسهمن شيئ يؤتى إليه إلّا أنْ تُنهك حرمات الله, فيكون هو من ينتقم لله عز وجل.

هكذا نرى أن القرآن أبدى إهتماماً كبيراً بآلأخلاق(أي سلوك الفرد ألمنبعث من إرادته) كمعبر عما في نفسه و ما في قلبه ضمن نطاق الجماعة و مصلحتها, و هو يرتبط بآلله تعالى, و السلوك الاخلاقي جزء من نظام كوني شامل و موحد له قدسية مستمدة من خالقه و مُسيّره, و آلأدب سيد الاخلاق, لكن ليس كل من تعلم الأدب اتقنهُ!

ذلك أن السلوك الاخلاقيّ قائم على أسس علمية تُبرّرهُ, وهو ليس مجرد تقليد أعمى, او تقليد سنن موروثة دون إدراك لأهميتها و آثارها, و إنما يقوم على النظر و البصر و التفكير في مظاهر الكون و الجمال والحياة, و تمتد إلى الحياة الآخرة, فمبادئ السلوك الأخلاقي مبادئ عالمية في نظرتها؛ واسعة في افقها؛ ممتدة في مداها؛ و هي بذلك تبعث الامل؛ و تشيع التفاؤل و تعبّر عن مصلحة الأنسانية جمعاء دون أن تحدد بنطاق الفرد أو القبيلة و مصالحها الدنيوية الضيقة.

ألعمل آلصّالح:

نَعَتَ آلقُرآن ألكريم ألسّلوك ألمرضي في آلاسلام بكلمة صالح و تكرّر ذكر “ألعمل الصالح” في 36آية, و “عملوا الصالحات” في 59آية, و آلصّالحون” في 26آية و قد إقترن “العمل الصالح بآلايمان” في 69آية, و ذكر أن الذين يؤمنون و يعملون الصالحات لهم الجنة في 22 موضعاً و لهم اجرهم 19 موضعاً, و قال تعالى:

“فمن يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً”(الكهف110).

“من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها”(

“أن الذين آمنوا و عملوا الصالحات هم خيرالبرية و لهم الدرجات العلى”(

و للابرار درجة عظيمة, لانه ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممّا تُحبّون”(

و نقيض ألأخلاق ما ذكر من أخلاق آلكفار: فآلمشرك وُصِفَ بآلعاصي و بآلفاجر و المُسرف و المُفسد و الخرّاص و المُتجبر و المُتكبر و الطّاغ و الباغ و آلظّالم و المُعتد و المُستغن و الجّاهل.

من هنا فتحقيق مجتمع سعيد يحتاج إلى نظام سياسي إجتماعي يرتكز على آلتواضع و آلأخلاق ألفاضلة!

و من أهمّ ملامح الفضل هو التواضع و المحبة ألتي أشار لهُ الباري تعالى في معرض مدحه لأهل الكتاب من القسسيسين و الرّهابنيين بقوله تعالى:

[ذلك بأنّ منهم قسسيسين و رهباناً و أنهم لا يستكبرون](ألمائدة82).

و لعلّ أحد اهم أعمدة ألأستقرار و آلتقدم و آلتّعايش ألسلمي في المجتمعات الغربية بآلقياس إلى الأسلامية هو التواضع و آلأيثار كمؤثر فعّال في جعل المواطن يحسّ بآلأمن و آلأستقرار من جانب أخيه و بآلتالي كعامل دفع للأهتمام بآلمسؤولية ألأخلاقيّة و مداراة الآخرين بحيث يودّ تقديم المساعدة للآخرين عن طيب خاطر!

و كان الأولى بنا أن نكون نحن الملتزمون بذلك لكوننا مسلمين و الأسلام هو التسليم لله, الذي يستلزم التقوى و الخوف منه, و يتصل بآلتواضع و الحلم و التعاون و ا لدماثة و نقاء القلب و يحل ذلك محل النخوة الجاهلية و السّفة و العنف و التهور.

ملامح ألعدل في آلمُجتمع ألسّعيد:

هو ما بيّنه ملك ألعدالة ألأنسانيّة ألأمام علي(ع) في كتابه الخالد (نهج البلاغة) و طبقه عملياً من خلال آلحكومة التي أسسها في الكوفة على أرض الواقع.

ألعدالة و الظلم في نظر الامام(ع):

يقول ألأمام عليّ(ع):

[و الله لو أعطيتُ ألأقاليم ألسّبعة بما تحت أفلاكها في نملة أسلبها جلب شعير لما فعلتْ و أنّ دنياكم عندي لَأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها].

في آلجانب العسكري؛ كان يُزود عامل آلجيش برسالة إلى آلعمال ألذين تطأ ألجيوش مدنهم لقرائتها على الناس؛

أما بعد .. فأني سيّرتُ جنوداً هي مارّةً بكم و قد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى و صرف آلشّذى و أنا أبرء إليكم و إلى ذمتكم(اليهود و النصارى) من معرّة الجيش, و انا بين ظهر الجيش(أي في اعقابه) فإرفعوا إلى مظّانكم و ما عراكم ممّا يغلبكم من أمرهم و ما لا تُطيقون دفعه إلّا بآلله و بي, أغيّره بمعونة الله].

و في آلجّانب ألمالي(ألاقتصاديّ)؛ أمر كاتبه عبد الله بن أبي رافع أنْ؛

[إبدأ بآلمهاجرين فَنادِهم .. و إعط كلّ رجل حضر 3 دنانير من بيت المال]

فصار سهم طلحة بن عبد الله والزبير مثل بقية المسلمين, بينما كانا و امثالهم يتقاضون أضعافاً مضاعفة في زمن الخلفاء السابقين, ممّا أغاظهم , و كان الجانب ألمالي هو سبب إنقسام الناس عليه و بآلتالي شهادته في محراب العبادة.

و في آلقضاء ضرب أعظم آلأمثال؛

حيث وقف ألأمام(ع) غير مبالياً إلّا للحقّ كخصم بجانب عبد الله بن قفل ألتميمي ألذي كان معه درع “طلحة” أخذت غلولاً, بينما كان ألأمام علي(ع) في وقتها خليفة للمسلمين و قائداً للدولة الاسلامية ألتي كانت تضم عشرة دول !

و حين طلبت المحكمة شهوداً من الأمام قدّم ألأمام(ع) الحسن بن علي(ع) للشهادة لصالح الأمام علي(ع), لكن القاضي لم يقتنع و طلب شاهداً آخر, فشهد قنبر(خادم الأمام) و لم يقبل شُريح شهادة المملوك, عندها قال عليّ؛

[خذو آلدّرع فهذا قضى بجورٍ ثلاث مرّات].

فتحول شُريح عن مجلسه و قال:

[لا اقضي بين إثنين حتى تُخبرني يا أبا آلحسن من أين قضيتُ بجورٍ ثلاث مرات]!

فقال (ع): [عندما قلت لك هذا درع طلحة اخذتْ غلولاً .. طلبتَ منّي البيّنة, و قد قال الرسول(ص): ” حيث ما وجد غلولاً أخذتْ بغير بيّنة].

فقال شريح؛ [رجل لم يسمع الحديث].

وقال (ع): [ثمّ أتيتك بآلحسن(ع) فشهد, فقلتَ هذا شاهدٌ واحدٌ و لا اقضي بشاهد واحد حتى يكون معه آخر, و قد قضى رسول الله(ص) بشاهد واحد و يمين]

[ثمّ أتيتك بقنبر , فقلت هذا مملوك, و ما بأس المملوك إذا كان عدلاً] هذه الثالثة, ثم قال(ع):

.[[يا شُريح: إنّ إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا

كخلاصة أخيرة يمكننا تحديد ملامح و مصاديق العدل ألألهي من خلال تعميم المساواة في الحقوق الطبيعية و تكافؤ الفرص و آلمعاملة ألأنسانيّة من قبل السّلطات مع جميع أبناء ألمُجتمع و حفظ كرامة ألمواطن و عدم ألمساس بأمنهِ و عرضه و ماله و حقوقه و يتحقق من خلال نفي المحسبوبية و المنسوبية لدى المسؤول و الحاكم.
ألفيلسوف الكونيّ/عزيز الخزرجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصل التصنيف يعود للنبي (كونفيسيوش) قد قسم طريق الحياة لثلاثة:
ألأوّل: يمرّ عبر آلتجربة, و هو أمرّ الطرق.
ألثاني: يمرّ عبر التقليد و هو أسهل الطرق.
ألثالث: يمرّ عبر الفكر و هو أسمى الطرق.
(2) لتحقيق ألتكامل ألأنساني الذي معها تتحقق بوجودنا الخلافة الألهية؛ لا بُدّ من تخطي ثلاث مستويات هي؛
ألحالة البشرية؛ هذا المستوى يشترك فيه جميع بني آدم من حيث ألتكوين الغزائزي ألمادي بضمنها الحواس الخمسة و غريزة الاكل و الشرب و النوم و الشهوة و يشاركهم بذلك معظم الحيوانات مع بعض النباتات أيضاً كما دلّتْ التجارب العلمية على ذلك مؤخراً, و تختلف درجة قوّة التمثيل من مخلوق لآخر و حتى بين البشر نفسه و قد يكون بعضهم بمستوى الحيوان أو ينحدر دون ذلك بدرجات.
ألحالة الأنسانية؛ تتمثل هذه الصفة بآلذين ترفّعوا من آلمستوى آلأول(البشرية) إلى مستوى أعلى و أسمى عبر التركيز على تهذيب و تفعيل الجوانب ألأنسانية بتفعيل الضمير الباطن و التّحلي بمحاسن الأخلاق و الخصال الحميدة تمهيداً لتحقيق مكارم الأخلاق في النفس ليرتقي صاحبه مقام الاولياء و الأنبياء و الصالحين, و هناك أيضاً درجات و مستويات عديدة للسالك في هذا الجانب لا مجال لبحثه هنا.
ألحالة الآدمية؛ و هو المستوى ألأرقى الذي يستوي معه آلأنسان ألعاشق مع “أديم” ألأرض ألذي إشتقّ منه إسم “آدم” كصفة دلالية لهذه الحالة .. بمعنى تحقيق التواضع الكامل في وجود ألأنسان فتراه يتّصف بآلحلم و الزهد و الرأفة و الرحمة والسّخاء و العطف و المحبة و نكران الذات, و هي العقبة الكأداء ألأكبر ألتي أشار لها الباري تعالى في سورة البلد؛ (فلا إقتحم العقبة و ما أدراك ما العقبة)(11و12)!
(3) و هي الفرقة التي إعتزلت ألحياة السياسية و الاقتصادية و الأجتماعية إبان فترة حكومة الأمام علي”ع” بعد ما تفاقمت الأوضاع بين حكومة الشام بقيادة معاوية بن ابي سفيان و حكومة الامام على”ع” في الكوفة و تفرق المسلمين على خلافة علي”ع” إلى قاسطين و مارقين و ناكثين! و قد إتخذ المعتزلة مدينة البصرة مركزاً لهم بقيادة أبو الحسن الاشعري البصري, صاحب كتاب “مقالات الاسلاميين” ألذي هو اقدم من مقدمة إبن خلدون في بيان ألأسس الأجتماعية للفرق الاسلامية و هو مؤصل اصول السنة, و كل فقيه سني جاء من بعده كان فقيهاً بآلفروع, و في العصر آلعباسي حَجَرَ الخليفة القادر بآلله في القرن الرابع ألهجري على المدارس و المذاهب الفقهية ما عدا المدارس ألسنية الأربعة ألمعروفة(ألمالكية؛ ألشافعية؛ ألحنبلية؛ ألحنيفية) و لم يكن لهم كلّهم غير الأشعري اصلاً, و تمّ إغلاق باب الأجتهاد حتى ظهرت السلفية خلال ألثلاثة قرون ألأخيرة ألذين أعتمدوا و أخذوا ما ورد في الأحاديث مباشرة من دون آلأعتماد على المذاهب, و هكذا وصفتْ بآلمدرسة السلفية و هي متزمته جداً لأنها لم تُبنى على الجدل و الكلام و القواعد الأصولية الفقهية بل على الآراء الشخصيّة المغلقة كآراء إبن تيمية و آلقاضي عبد الجبار أحد ابرز أركان ألمعتزلة في شرح مبررات القول بخلق القرآن إلى آلقول؛ “أن القرآن كلام الله و وحيه و هو مخلوق محدث أنزله الله على نبيّه ليكون علماً و دالاً على نبوته, و جعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال و الحرام و إستوجب منا بذلك ألحمد و آلشكر و التمجيد و التقديس .. و قد نفى المعتزلة صفة الأعجاز عنه, و من أبرز الرجال المتأخرين في هذه المدرسة هو محمد عبد الوهاب ألنجدي ألذي ذاع صيته خللا القرنين الأخيرين و عرف بآلمذهب الوهابي.
و بشكل عام تُشكل مسألة خلق ألقرآن ألتي قال بها المعتزلة أخطر قضية مثارة في الجدل اللاهوتي ألذي شهده التاريخ الأسلامي خصوصاً في العصرين الأموي و آلعباس و إلى يومنا هذا, فلا تزال تحتل موقعاً راهناً في السجال حول كيفية قراءة ألنّص الديني و التعامل معه, حيث إعتقد المعتزلة بأن القرآن مخلوق و ليس أبدياً .. لأعتماد العقل في تفسير الشريعة الاسلامية, و إستندوا هنا أيضاً على نصوص دينية لدعم حجّتهم في هذا المجال, و كانت إنطلاقتهم من مسألة صفات الله, فبعد أن قرّروا وحدة الذّات ألألهية و صفاتها؛ قرّروا نفي الصفات الزائدة عن ألذّات ثمّ تحوّلوا إلى النّظر فيما وراء تلك آلصّفات داخل ألنصوص ألدينية عبر إخضاعها للتأويل العقلي و التلاعب بآلنصوص القرآنية بشكل غير مالوف حتّى وصل الأمر بتكفير المسلمين و ذبحهم بإسم الجهاد في سبيل الله.
(4) دريدا, جاك2003م, (ما آلذي حدث في 11سبتمبر), ترجمة صفاء فتحي, مراجعة بشير السباعي, دار آلمشروع القومي للترجمة, ألمجلس الأعلى للثقافة, ألقاهرة, 2003م, ص119 – 120.
(5) راجع جون كوتنغام(ألعقلانية) ترجمة محمود منقذ ألهاشمي, مركز ألأنماء الحضاري, حلب1997/ ص166.
Richard Brandt, Ethical Theory, Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice Hall 1959. P. 271 (6)
و كتاب (ألاخلاق و العقل) دار الشروق للنشر و التوزيع, عمان 1990م ص148م.
نفس المصدر السابق. (Ibid, P.271(7)
(8) John G altung and Drisaku Ikida(Choose peace) Trans Auded, Richard Gage, East harens CT : plinto press, 1995, p127.
(9) للمزيد من التفاصيل؛ راجع كتاب “مستقبلنا بين الدِّين و الدِّيمقراطية” للكاتب.
(10) راجع سيرة الأمام عليّ في جميع المصادر التأريخية, التي عرضها إجمالاً الكاتب المسيحي المرحول جورج جورداق, في كتابه [عليّ صوت العدالة الأنسانية] و غيرها من مصادر المذاهب الأسلامية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close