ابن تيمية الوجه الآخر،

الدكتور صالح الورداني
————-
جمع الوهابيون تراث ابن تيمية إلا أنهم لم يحسنوا تحقيقه وتهذيبه..
من هنا وقعوا في العديد من الأخطاء التي جنت على ابن تيمية وعليهم أيضاً..
والسبب في هذا يعود لكونهم ليسوا من أهل العلم والتحقيق..
وهو ما دفع بهم الى الاستعانة بمحققين من خارج دائرتهم..
وعلى رأس كتب ابن تيمية المليئة بالتناقض وأوجه الخلل كتاب (منهاج السنة) الذي يرد فيه على كتاب (منهاج الكرامة) للفقيه الشيعي العلامة الحلي..
وكان ان تم الاستعانة بمحقق مصري وصل بالكتاب بعد تحقيقه الى ثماني مجلدلت..
إلا مجموع فتاوى ابن تيمية (37 مجلد) ظلت هى المرجع الأساس والمصدر الأوحد لتراثه..
وقد استخرج منها الوهابيون العديد من الفصول وابتدعوا لها عناوين ونشروها على أنها كتب من تأليف ابن تيمية..
والحق ان ابن تيمية كان متكلماً أكثر منه كاتباً..
إلا أن الوهابيين غفلوا عن الكم الهائل من المتناقضات التي تحويها هذه الفتاوى..
والتي تكشف لنا أن لابن تيمية وجه آخر لم ينتبه له هؤلاء..
وهو الأمر الذي لفت انتباهى أثناء بحثي وقراءاتى في هذه الفتاوى..
وجمعته ودونته في كتابي : الحق والحقيقة بين السنة والشيعة..
وقد لعبت أفكارابن تيمية دوراً بارزاً في تأصيل التطرف والتعصب بين المسلمين خاصة فى مواجهة الشيعة والصوفية والخصوم بصورة عامة..
وقراءة سريعة لسيرته ومواقفه تكشف لنا أن الرجل كان يمثل حالة خاصة تعكس طبيعته وميوله وظروف واقعه،مما يجعل من الصعوبة بمكان نقل هذه الأفكار والمواقف واستثمارها لمواجهة الخصوم المعاصرين.. (1)
وأفكار ابن تيمية لا تعبر عن أهل السنة تعبيراً دقيقاً خاصةلأنه لم يكن يمثل وزناً فقهياً في عصره،بل أخذ هذا الوزن وتم تضخيمه على يد الحركة الوهابية التي لا تمثل هى الأخرى أهل السنة تمثيلاً دقيقاً،حيث أضفى عليه لقب شيخ الإسلام ليصبح مرجعاً للتيارات الإسلامية المعاصرة،وينال من الشهرة والشيوع ما لم ينله فقيه آخر في تاريخ الإسلام..
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج28 سؤال في علي بن ابي طالب :وقد روي عن النبي (ص) من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته:والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي،وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد وطهرهم من الصدقة التي هى أوساخ الناس،وجعل لهم حقاً في الفيء والخمس..
وقال : فيما ثبت في الصحيح:إن الله اصطفي بني إسماعيل،واصطفي كنانه من بني إسماعيل واصطفي قريشا من كنانه،واصطفي بني هاشم من قريش،واصطفاني من بني هاشم،فأنا خيركم نفساً وخيركم نسباً..
وقد تنازع العلماء من أصحاب أحمد-أي ابن حنبل- وغيرهم في إجماع الخلفاء وإجماع العترة،هل هو حجة يجب اتباعها..؟
والصحيح أن كلاهما حجة،فإن النبي (ص) قال:عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي.. وهذا حديث صحيح الإسناد..
وقال :اني تارك فيكم الثقلين:كتاب الله وعترتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض..رواه الترمذي وحسنه وفيه نظر..
وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في زمن الراشدين هو بهذه المنزلة ..
والسؤال هنا أين إجماع العترة وأين فقههم في تراث أهل السنة..؟
وأين ابن تيمية من هذا الإجماع وهذا الفقه..؟
والأهم من كلام ابن تيمية السابق هو كلامه الآتي في مجموع الفتاوى ج20 قاعدة هل كل مجتهد مصيب؟:
قال:والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية،كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آيه أو حديث،وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه مثل:
من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته..
أو اعتقد أن الله لا يُرى كما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يُرى..
أو اعتقد أن علياً أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير..
وان النبى قال: اللهم ائتنى بأحب الخلق اليك يأكل معى من هذا الطائر..
من اعتقد ان الميت لا يعذب ببكاء الحى لاعتقاده أن قوله تعالى:( ولا تزر وازرة وزر أخرى) يدل على ذلك..
وأن ذلك يقدم على رواية الراوي لان السمع يغلط كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف..
او اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي لاعتقاده أن قوله تعالى :(انك لا تسمع الموتى) يدل على ذلك..
أو اعتقد ان الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح لاعتقاده أن العُجب انما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل..
أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت..
وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي -أي قولهم بأن أفعال العباد مخلوقة..
ومثل هذا الكلام لابن تيمية يدمر كلامه ضد الشيعة وينسفه نسفاً..
ويضرب الكثير من معتقدات أهل السنة..
وهو كلام يتلائم مع روح الإسلام والعدل في القول الذي يفرضه هذا الدين ..
وابن تيمية قد التمس العذر لمخالفيه واعتبرهم من المجتهدين في أدق القضايا التي تفرقت الأمة بسببها واعتبر ذلك من الخطأ المغفور..
وهذا الكلام يقلب المائدة على رؤوس دعاة الفرقة والخلاف من الوهابيين وغيرهم..
وقد اعترف ابن تيمية بآية الكساء التي نزلت في الخمسة (الرسول وعلي وفاطمة والحسن والحسين )
جاء في منهاج السنة ج5 الفصل الثاني : وأما حديث الكساء فهو صحيح رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة..
ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة قالت خرج النبي (ص)ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا صورة الاحزاب 33
وهم أهل البيت بتعريف الرسول (ص)..
وجاء في منهاج السنة ج2 : فلو قدر من يجوز له التقليد إماما من أئمة أهل البيت كعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر الصادق وأمثالهم لكان ذلك سائغا جائزا عند أهل السنة لم تقل أهل السنة إنه لا يجوز لمن يجوز له التقليد تقليد هؤلاء وأمثالهم بل أهل السنة متفقون على أن تقليد الواحد من هؤلاء وأمثالهم كتقليد أمثالهم يسوغ هذا لمن يسوغ له ذلك
وجاء في منهاج السنة فصل قال الرافضي التاسع رجوع الشمس له مرتين قوله:فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لايحتاج معها إلى مالا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، وحديث رد الشمس له قد ذكره طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات النبي صلى الله عليه و سلم لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع
والخلاصة إن على الذين يتسلحون بأفكار ابن تيمية أن يعيدوا قراءة أفكار الرجل قراءة جديدة واعية ومتجردة..
جاء في مجموع الفتاوى ج22 رسالة في قوله كما صليت على ابراهيم:
قد تنازع العلماء هل لغير النبى أن يصلى على غير النبى مفردا على قولين :
أحدهما المنع وهو المنقول عن مالك والشافعى..
والثانى أنه يجوز وهو المنصوص عن احمد واختيار أكثر أصحابه..
وجاء في ج4 سؤال في يزيد بن معاوية :
سئل عن رجل قال عن على بن أبى طالب أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة..؟
فأجاب :أما كون على بن أبى طالب من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج الى دليل، بل هو أفضل أهل البيت وأفضل بنى هاشم بعد النبى وقد ثبت عن النبى أنه أدار كساءه على على وفاطمة وحسن وحسين فقال اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
وأما الصلاة عليه منفردا فهذا ينبنى على أنه هل يصلى على غير النبى منفردا مثل أن يقول اللهم صل على عمرأوعلى وقد تنازع العلماء فى ذلك..
وفي كلام اين تيمية هذا إشارة مؤكدة الى ان العديد من فقهاء السلف يجيز الصلاة على الإمام علي..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close