هل من دعم للجاليات العراقية في الخارج للانتفاضة؟

كاظم حبيب

تعيش انتفاضة شبيبة العراق وعموم الشعب شهرها الخامس ويواظب المنتفضون والمنتفضات على التظاهر والتجمع اليومي في ساحات وشوارع الوسط والجنوب وبغداد، كما يشارك فيها ببغداد جمهرة واسعة من سكان المحافظات الغربية والكرد الفيلية، وهي تحظى بتأييد غالبية الشعب الكردي في كردستان العراق لعدالة وشرعية وصدقية المهمات والشعارات التي تطرحها وتنادي بها الانتفاضة، إذ إن التغيير الديمقراطي المنشود يلعب الدور الأساس في تلبية مصالح وطموحات الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه. قدمت الشبيبة الباسلة حتى الآن الكثير من الضحايا، سواء من استشهد في سوح النضال أم من جرح وعوق وأصر مرة أخرى على المشاركة أو من اختطف وغيب تماماً أو عذب ورمي على قارعة الطريق مصاباً بجروح خطيرة وربما مميتة. ودعا المنتفضون والمنتفضات إلى تظاهرة مليونية في بغداد بتاريخ 25 شباط/فبراير 2020 يشارك فيها متظاهرو ومتظاهرات المدن العراقية المنتفضة بهدف تأكيد وحدتهم الوطنية والأهداف الأساسية التي يتظاهرون من أجلها ورفضهم للمناورات الوقحة والمساومات المخزية واللعب على الوقت التي تمارسها الطغمة الحاكمة الفاسدة لإبقاء هيمنتها على الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومواصلة نهجها الفاسد وسياساتها المناهضة لإرادة ومصالح الشعب. هذا النضال العنيد لشبيبتنا المقدامة وشعبنا الرافض بإباء لمرض الطائفية السياسية ومحاصصاتها المشوهة وفساد الحاكمين والهيمنة الإيرانية على مصائر الوطن المستباح والدوس على كرامة الإنسان العراقي وإرادة الشعب ومصالحه، يطرح سؤالاً مهماً يدور في بال الكثير من الناس في داخل العراق هو: ما هو دور الجاليات العراقية في الخارج في دعم الانتفاضة الشعبية الجارية؟

دور الخارج لدعم الانتفاضة

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة لأسباب ترتبط بواقع أوضاع العراقيات والعراقيين في الشتات العراقي والتباين في مستوياتهم الثقافية وأوضاعهم المعيشية وانتماءاتهم الاجتماعية واتجاهاتهم الفكرية ومواقفهم السياسية والمصالح التي يلتزمون بها ويدافعون عنها وعوامل كثيرة أخرى. ومع ذلك أحاول هنا طرح رؤيتي المختصرة لواقع الجاليات العراقية في الخارج لإثارة النقاش بمقال مكثف، وليس ببحث أكاديمي. وقد استعنت بعدد من الأصدقاء لمعرفة مدى صواب الوجهة العامة للمقال. وقد وصلتني ملاحظات مهمة من عدد طيب منهم فشكراً لهم جميعاً.

يقدر عدد العراقيات والعراقيين في الوطن في عام 2020 بحدود 40 مليون نسمة (الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط، بغداد). أما عدد المقيمين في الخارج فيزيد عن 4 ملايين نسمة. وهم يشكلون 9% من مجموع سكان العراق في الداخل والخارج تقريبا. وهي نسبة كبيرة وفي مقدورها المساهمة الفاعلة في التأثير الإيجابي على الأحداث الجارية في العراق لصالح الانتفاضة، لو أمكن جمل شملها في كل دولة من دول الشتات ولو وفرت لنفسها الظروف المناسبة. والشعب العراقي سابقاً وفي المرحلة الراهنة أحوج ما يكون لمثل هذا الدور والتأثير الإيجابي من خلال تنشيط الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لصالح تعضيد الانتفاضة وشجب نهج وسياسات الدولة العراقية المشوهة والأحزاب المهيمنة عليها والتدخل الخارجي المتواصل في شؤون العراق. فهل يا ترى تمارس الجاليات العراقية هذا الدور المطلوب منها والضروري والملح لدعم الانتفاضة الشعبية؟

أسباب الهجرة وأوضاع الجاليات

عند دراسة البنية الاجتماعية والنفسية والفكرية والسياسية للجاليات العراقية المقيمة في الشتات يمكن تحديد العديد من العوامل التي تسببت في هذه الهجرة الواسعة، منها:

1) الاستبداد الاضطهاد والقمع السياسي الأيديولوجي والقومي والديني والمذهبي في فترات مختلفة.

2) الحروب الداخلية والخارجية وعواقبها المدمرة، وما تسببت به من موت وخراب ودمار ونزوح وقمع وهجرة مستمرة.

3) الوضع الاقتصادي والبطالة والفقر والرغبة في الحصول على عمل وحياة حرة وكريمة.

4) الأوضاع الاجتماعية المزرية والفراغ القاتل للشبيبة والتحري عن أوضاع حياتية ومعيشية أفضل، وعن حريات أكاديمية وحياة ديمقراطية لأساتذة الجامعات والكليات وعموم مثقفي البلاد.

ومع إن نسبة عالية جداً من المقيمين حالياً في الخارج قد هاجرت من العراق قسراً لأسباب سياسية واجتماعية وفي فترات مختلفة، لاسيما بعد أحداث 1959 وفي فترات حكم البعث والقوى القومية وحكم البعث المديد وقمعه وحروبه وفي الوقت الحاضر، إلا إن نسبة عالية جداً من هؤلاء قد ابتعدت عن العمل السياسي والمشاركة في الفعاليات السياسية التي تمارسها قوى المعارضة العراقية التي لا تشكل نسبة صغيرة جداً من حجم الجاليات العراقية الكبير في الخارج، مع حقيقة تعاطف نسبة مهمة منها مع هذه الجماعة السياسة المعارضة أو تلك. وأسباب ذلك كثيرة بما فيها الإحباط من النشاط السياسي والأحزاب السياسية أو الانشغال بالعيش اليومي لهم ولأطفالهم ومصاعب الحياة التي تواجه الكثير منهم، ومنها البطالة، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، واندماج القسم الأعظم من أبنائهم في المجتمعات الجديدة وفقدانهم اللغة العربية. يضاف إلى ذلك أن نسبة غير قليلة منهم أصبحوا من كبار السن وعاجزين عن الحركة المطلوبة، ونسبة غير قليلة تعان من الحالة النفسية المرضية پسیشوسوماتیک Psychosomatik وأمراض أخرى تمنعهم من الماركة الفعلية في الفعاليات السياسة والاجتماعية والنسبة المتبقية التي تبدى اهتماماً أكبر بالسياسة فيتراوح عددها بين 100-130 ألف نسمة أو بحدود 2 إلى 2,5% من مجموع الجاليات العراقية في الخارج. أما الذين يمارسون العمل السياسي فعلاً والنشطاء سياسياً أو في مجال منظمات المجتمع المدني في الشتات العراقي فلا يزيد عن بضعة آلاف نسمة، وهم موزعون على عدد من الدول الأوروبية، لاسيما بريطانيا وهولندا وفرنسا وألمانيا والسويد والدنمارك، إضافة إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والأردن. كما إن الظاهرتين الأكثر بروزاً هي أن غالبية المشاركين في النشاط السياسي هم من كبار السن وندرة الشبيبة المشاركة أولاً، كما إن الغالبية هم من الذكور وقلة جداً من الإناث ثانيا. أي أن النشطاء السياسيين عجزوا عن الوصول إلى اللاجئين والمهاجرين الجدد على كثرتهم من الشبيبة العراقية ذكوراً وإناثا. من الخطأ الاعتقاد بأن جميع من هم في الشتات يعيشون حياة مرفهة وسعيدة وخالية من الشدائد والقسوة. ويمكن لرويتين رائعتين للروائية العراقية الكبيرة والسيدة الفاضلة أنعام كجه جي، إضافة إلى بقية رواياتها، هما “سواقي القلوب” (2005) و”طشاري” (2013) أن تمنحنا الكثير من الولوج إلى أعماق الوضع النفسي والاجتماعي للمهاجرين والمقيمين في الخارج وقساوة أوضاع نسبة عالية منهم. قال لي أحد العراقيين في الخارج حين سألته عن أوضاعه مختصراً وضعه النفسي ومعاناته بما يلي: “الوطن أم والغربة زوجة أب”!

بنية الجاليات في الشتات العراقي

تتشكل بنية الجاليات العراقية من الناحية القومية من: الكرد، الكلدان – الآشوريين – السريان، العرب، ومن الناحية الدينية: أكثرية مسلمة، من الشيعة والسنة، المسيحيون، الإيزيديون، الصابئة المندائيون ومجامع صغيرة من ديانات أخرى.

يتوزع الناشطون السياسيون على الاتجاهات الفكرية والسياسية التالية:

1. اليسار العراقي ولاسيما أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي وتنظيمات يسارية أخرى وقوى التيار الاجتماعي.

2. قوى ليبرالية وديمقراطية ومدنية مستقلة وجماعة المحافظين.

3. البعث العراقي وبعض القوى القومية الناصرية.

4. قوى الإسلام السياسي الشيعية على نحو خاص، وكذلك السنية.

المشكلات التي تواجه العمل السياسي

والملاحظات البارزة التي يمكن إيرادها بصدد أوضاع القوى السياسية العراقية هي:

** بروز كبير للصراعات القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية في صفوف هذه القوى دون استثناء وفيما بينها تؤثر بقوة على التفاهم والعمل المشترك.

** كما يلعب التنافس في ما بين قوى وأحزاب التيار الديمقراطي ومنظمات المجتمع المدني مثلاً، أو في ما بين الأحزاب والمنظمات الكردستانية دوره الملموس في التأثير السلبي على التعاون والتنسيق في النشاطات العامة والمهمة.

** وتلعب العلاقات الشخصية والعائلية المتوترة دورها السلبي في التأثير على الانسجام العام والعمل السياسي المشترك.

** أوضاع وعلاقات القوى والأحزاب السياسية في الوطن تؤثر سلباً أو إيجاباً بشكل مباشر على علاقات القوى والتنظيمات الحزبية والجماعات في الخارج.

** الصعبات المالية التي تواجهها القوى اليسارية والديمقراطية في تنظيم نفسها ونشاطاتها، في حين تصل لقوى الإسلام السياسي مساعدات مالية كبيرة من العراق أو دول عربية وإسلامية لبناء المدارس الدينية والمساجد والجوامع ولتنفيذ نشاطاتها الدينية والمذهبية السياسية.

** ندرة دعم حكومات الدول الغربية لمنظمات المجتمع المدني الديمقراطية والعلمانية، في حين تقدم الدعم للمنظمات والمدارس الدينية الإسلامية بسخاء كبير.

** وفي أحيان كثيرة يسيطر القنوط والإحباط السياسي والنفسي على حركة ونشاط القوى السياسية والتي يصعب التحكم بها.

** حصول ملل ملموس من الندوات السياسية وتكرارها وتكرار الوجوه المشاركة فيها، في حين يبرز استعداد أفضل للمشاركة في النشاطات الاجتماعية وهي نادرة إلا في بعض الدول الغربية.

** ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام هو الدور الضعيف لأغلب المنظمات المدنية في الخارج بأوضاع اللاجئين الجدد والمهاجرين أو تقديم المساعدة الممكنة لهم، إضافة إلى قلة النشاطات الاجتماعية والفنية التي تساعد على مساهمة بنات

وأبناء الجالية بها. ويمكن الإشارة إلى وجود مثل هذه النشاطات في كل من بريطانيا وأستراليا والسويد على وجه الخصوص. كما إن من المهم بمكان الاهتمام بمطالب الجاليات العراقية في الخارج والتزام الدفاع عنها وكسب ثقتها، إضافة إلى طبيعة المهمات والشعارات التي يمكن طرحها لتعبئة اللاجئين والمهاجرين والمقيمين حولها.

** ضعف كبير في العلاقات بين التنظيمات المدنية للجاليات العراقية وبين التنظيمات المدنية لسكان البلاد الأصليين والإعلام والقوى والأحزاب السياسية وعموم المجتمع، مما يضعف القدرة في التأثير على الرأي العام وحكومات هذه الدول باتجاه التزام قضايا الحرية والديمقراطية في العراق. ويزيد من ضعف التأثير المصالح الاقتصادية التي تشد الدول الغربية بالعراق والتي غالباً ما تمنع حكوماتهم من تقديم الدعم للمنظمات المدنية الديمقراطية العراقية التي تناضل من أجل حقوق الإنسان والمجتمع.

قلة النشطاء السياسيين والمدنيين

تشير المعطيات التي تحت تصرفي إلى أن المستعدين على القيام بفعاليات والمبادرات السياسية والاجتماعية، حتى بين هذه القلة من بنات وأبناء الجالية، يتراوح عددهم في جميع أنحاء العالم بين 2000-3000 نسمة. والمعلومات المتوفرة لديّ وعلى وفق متابعتي للنشاط السياسي العراقي يمكن تأشير عدة دول فيها حيوية ملموسة وفاعلة وهي: بريطانيا وأستراليا والسويد وهولندا وكندا والأردن. ويبرز النشاط الديمقراطي واليساري في هذا الدول، كما يبرز في بريطانيا وألمانيا والأردن نشاط البعثيين والقوميين تحت مسميات عدة بما فيها “المغتربون”. وهناك نشاط لقوى الإسلام السياسي التي تمولها الأحزاب الشيعية بسخاء كبير، لاسيما حزب الحكمة لصاحبه عمار الحكيم وحزب الدعوة لصاحبه نوري المالكي.

مجالات دعم الانتفاضة

إن أبرز النشاطات التي تمارس في الخارج حالياً تتوزع على:

** إصدار بيانات تأييد أو شجب وفضح لممارسات السلطة؛ ** ندوات فكرية وسياسية؛ ** تجمعات ووقفات وتظاهرات؛ نشر كتب ونشر مقالات أو قصص أو قصائد شعرية أو معارض فنية تشكيلية أو أغاني صوب الوطن؛ الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعبر عن تأييدها أو رفضها لهذا الموقف أو ذاك؛ ندرة الندوات التي تعقد من جانب التنظيمات العراقية في الخارج لصالح إشراك أبناء وبنات الدول التي تعيش فيها الجاليات العراقية؛ وجود تنظيمات مدنية عراقية مثل منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب أو نوادي وملتقيات عراقية والتي غالباً ما تكون مقتصرة على عدد غير كبير من العراقيات والعراقيين، فيما عدا، على وفق معلوماتي، بريطانيا وأستراليا والسويد والولايات المتحدة وكندا وهولندا وألمانيا؛ ويمكن اعتبار التبرعات المالية والعينية واحدة من المجالات المهمة التي يمكن فيها دعم الانتفاضة الشعبية، وهي ما تزال قليلة بالقياس لما يمكن تحقيقه فعلاً.

من هنا يتبين بأن الطاقات المشاركة في دعم الانتفاضة محدودة جداً، رغم القدرات الفعلية المتوفرة وغير المستخدمة أصلاً. إنه واقع مرير. كما لا بد من الإشارة إلى بروز خلافات في العديد من الدول بين الأوساط الديمقراطية واليسارية التي تعيق وتعرقل العمل المشترك والفعاليات الكبيرة المشتركة، وهو مما يؤسف له ويخلق إحباطاً لدى الناشطين الراغبين بتجاوز حدود الخلافات الفكرية والسياسية والتركيز على دعم الانتفاضة من جانب القوى الديمقراطية المستقلة واليسارية

واللبرالية والمدنية. وعليه يمكن القول بأن مستوى الدعم لا يزال ضعيفاً وبحاجة إلى الكثير من الجهد والتنوع والتكثيف لصالح الانتفاضة.

إن صراحة هذا العرض للواقع القائم في الخارج وبدون تزويق يتطلب منا جميعاً التفكير بما يمكن تجاوزه من إشكاليات وكيف يمكن الوصول إلى الجاليات العراقية وإلى شبيبتها من الذكور والإناث وإلى توسيع قاعدة العمل السياسي الديمقراطي في أوساط الجالية وجمع الشمل لصالح القضايا العادلة والمشروعة للشعب العراقي. إن الإجابة عن السؤال الوارد في عنوان المقال هو نعم هناك دعم فعلي للانتفاضة سياسي واجتماعي ومادي، ولكنه غير كافٍ ويمكن زيادته وتنويعه وتطويره. وأتمنى أن يحرك هذا المقال أبناء وبنات الجاليات العراقية ليدعموا الانتفاضة الشعبية بمزيد من الجهد، لأن المنتفضون يناضلون ليل نهار لاستعادة حقوق الإنسان العراقي المغتصبة ويسعون لاستعادة استقلال وسيادة الوطن المستباح وثرواته المنهوبة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close