ما هي النتائج المتوقعة، للقاء الرأسين التركي والروسي، في روسيا يوم 5-3-20؟

سأل شاب مُمَيِز، بالغ، عاقل، شيخه الطبيب المخضرم:

ماذا تتوقع من نتائج عملية، بعد لقاء أردوغان وبوطين، الخميس القادم؟

خاصة وأني حفظت منك، أن الأطباء هم صفوة البشر، ونخبة المجتمع، لكون كليات الطب، في جميع جامعات العالم، هي الأولى في انتقاء خلاصة الطلاب الأعلى تفوقاً، في الذكاء، والنبوغ، وتحصيل أعلى العلامات المدرسية في الثانوية.

وقلت لي مراراً:

أن الطبيب الناجح في تشخيص داء المريض، وعلاجه.. قادر على النجاح في تشخيص مختلف الأمراض الأخرى – غير الطبية – المنتشرة في المجتمع، أو الدولة، أو في السياسة، أو الاقتصاد، أو الحروب.. وبشكل أنجع من أصحاب الاختصاص، بشكل عام، دون الدخول في التفاصيل.

لأن الطبيب الماهر.. هو الأكفأ، في معرفة بنية الإنسان التشريحية، والنسيجية والوظائفية، والعصبية، والنفسية.

لذلك هو الأقدر، على تحليل المشاكل في المجتمع، لأنه درس الإنسان عملياً، وتطبيقياً على الجثة في المشرحة، ويتعامل يومياً مع كائن حي عملياً، وليس نظرياً كما هو الحال، مع أخصائي العلوم النظرية، سواء منها السياسية، او الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو القانونية.

فهؤلاء كلهم، يتعاملون مع نظريات مجردة، وفرضيات ذهنية، تهيم في الفضاء، وكثير منها، لا يصلح للتطبيق على أرض الواقع.

كما أني حفظت منك..

أن الطبيب لكي يكون ناجحاً في علاج المرضى، يجب أن يكون ناجحاً في تشخيص المرض، ومعرفة أسبابه، وعلاماته، وأعراضه، وطريقة انتشاره، وتطوراته، ومراحله.

وأهم مرتكزين أساسيين، في تشخيص المرض هما:

1- معرفة علامات، وأعراض المرض، التي يشكو منها المريض.

2- معرفة السيرة المرضية.. يعني تاريخ بداية المرض، والتطورات التي طرأت عليه، منذ بدايته وحتى مجيء المريض، إلى الطبيب طلباً للعلاج.

فمن يتقن هاتين النقطتين، في تشخيص المرض، يستطيع بكل سهولة، اسقاطهما، على المجتمع ومعالجة، أمراضه المختلفة.

قال له الطبيب الذي أمضى خمسين سنة، في الطب البشري العملي، وستين سنة في الطب السياسي، صدقت يا بني.

وللإجابة على سؤالك الكبير الذكي:

تعال نلجأ إلى تشخيص الحالة المتوترة، المتأزمة، بين تركيا وروسيا، في سورية.

ونبدأ بعرض العلامات الواقعية، الميدانية، لحالة التوتر بينهما.

1- دخلت روسيا، سورية بدافع ديني، عقيدي، مدعومة، ومؤيدة، من بابا الكنيسة الأرثوذكسية، للقضاء على الإسلام، والمسلمين، ولتكوين قواعد عسكرية، لتستخدمها فيما بعد، في تحقيق حلمها القديم، استعادة القسطنطينية، وهي تحمل ثارات حروب ثلاثمائة وخمسين سنة، بينها وبين العثمانيين منذ 1586 إلى 1918، وليس للدفاع عن الأسد كما يشيعه الإعلام المُضَلِل.

2- أما تركيا، فدخلت سورية، بدوافع حماية حدودها، من الجماعات الإرهابية الكردية، وأخواتها، وحماية المدنيين السوريين.

3- يتصف بوطين، بمواصفات شريرة، خبيثة، لا يدانيه أي حاكم على وجه الأرض:

3-1- فهو مكار، شديد المكر، وكذاب من الدرجة الأولى!

3-2- ليس له عهد ولا ذمة، ومخاتل ومُخادع، وممتلئ حقداً وغيظاً وحنقاً، على المسلمين!

3-3- متبجح، ومتغطرس، ومتشرب، ومتشبع بالمورثات القيصرية القديمة، التي يستمد منها عظمته المنتفخة!

3-4- لا يحترم صديقاً، ولا يفي بوعوده، ويحنث بأيمانه، وعهوده، وينقضها بعد إبرامها مباشرة!

3-5- داهية من نوع متميز، وإبليس في صورة بشر، وعنيد شديد العناد، ولا يتراجع عن قراره، قيد أنملة!

4- تركيا ليست دولة قوية، بقوة روسيا، فلا تستطيع مجابتها، بل لا تستطيع حتى منعها من نقل أسلحتها التدميرية، عبر مياهها وبحارها، والتي ما جاءت إلى الشواطئ السورية، إلا لاستخدامها في ضربها، أو ضرب الفصائل السورية، إذا اقتضى الأمر ذلك!

5- دول العالم كلها بما فيها الدول العربية إلا قليلاً منها، تقف ضد تركيا، وتحاربها، بسبب خطابها الديني القوي، وعاطفتها الدينية المشبوبة، وتاريخها العثماني السابق، مع أنها تعلن دائماَ على الملأ أجمع، أنها علمانية، ديموقراطية، ولا تتبنى الدين في الحكم، ولا السياسة، ولا تفرق بين الناس بسبب دينهم!

6- روسيا، دخلت سورية، تحت مسمى حماية نظام الأسد الشرعي، القانوني في نظرها، وتحرير الأراضي المحتلة، من قبل الإرهابيين- الذين هم في نظرها، كل من يحمل السلاح، للمطالبة بإسقاط النظام، والحصول على الحرية- والقضاء عليهم كلياً..

(أكدت الخارجية الروسية أن محاربة الإرهابيين في سوريا لا سيما في منطقة إدلب لخفض التصعيد، ستتواصل حتى القضاء التام عليهم).

المصدر: RT في 5-9-18

(لافروف يَرفُض وقف الهُجوم السوري في إدلب في أخطرِ تصريحٍ يصدر حتّى الآن).

المصدر: رأي اليوم في 25-2-20 .

7- بينما تركيا، أقصى أمانيها في دخولها سورية، هو تحقيق الحل السياسي السلمي، وليس كما يظن الذين يتحدثون بعقلية الطفل غير المميز، إسقاط النظام، أو تحرير سورية كلها، من قوات الاحتلال!

فهذا ليس من مهمتها، وإنما مهمة الثوار.

(وزير الدفاع التركي حول لقاء اردوغان مع بوتين بخصوص ادلب هدفنا حل سلمي سياسي)!

المصدر وكالة الأناضول عاجل في 4-3-20 الساعة 12:30

وأردوغان يقول لروسيا وإيران صراحة: (لا توجد لدينا أي مشكلة معكما في سورية).

المصدر: أخبار تركيا العاجلة على التلغرام في 2-3-20 الساعة 14:40..

نأتي الآن إلى العنصر الثاني في التشخيص.

وهو السيرة المرضية، للتنافس والتصارع، بين تركيا، وروسيا في سورية..

1- معركة غصن الزيتون التي قامت بها تركيا، ابتداءً من 20-1-18 وكان الهدف الرئيسي منها هو: تحرير عفرين وما حولها من قرى، من العصابات الكردية الإرهابية، ووصل منطقة درع الفرات، بمنطقة غصن الزيتون، ومنطقة إدلب، وصولاً إلى منبج، وجعلها كلها منطقة واحدة، آمنة، مطمئنة، ولكن الفيتو الأمريكي والروسي، منعا تركيا من تحقيق هدفها، واقتصر فقط على عفرين، وبقي جيب تل رفعت، فاصلاً بين الباب، وعفرين، وتسيطر عليه قسد، بالرغم من المظاهرات الكثيرة التي خرجت في تل رفعت، تطالب الجيش التركي، بتحريره من الأكراد، كما بقيت منبج تحت سيطرة الأكراد، ولم تتحرر!

2- معركة نبع السلام التركية، التي بدأت في 9-10-19 وكانت تهدف، إلى تحرير الشريط الحدودي من القامشلي إلى الباب، بطول، كما قال أردوغان، متحدثًا في المجلس التركي في باكو: “إننا نعلن الآن عن إنشاء منطقة آمنة على بعد 444 كم من الغرب إلى الشرق و 32 كم من الشمال إلى الجنوب، والتي سيعود إليها اللاجئون في بلدنا “. وتوطين 3.6 مليون سوري لاجئ في تركيا.

المصدر: الموسوعة الحرة، ويكيبيديا.

ولكن الأمور لم تجر، كما خططت له تركيا، حيث جاء نائب الرئيس الأمريكي، سريعاً بعد ثمانية أيام فقط من بدء العملية، إلى أنقرة، والتقى بالرئيس التركي، وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار:

( في 17 أكتوبر 2019، أعلن نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس أن الولايات المتحدة وتركيا قد توصّلا إلى اتفاق يقضي بوقف العملية العسكرية التركية لمدة 5 أيام من أجل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من منطقة آمنة مقترحة جنوب الحدود التركية.[60][61] وفي 22 أكتوبر 2019، توصل الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان إلى اتفاق آخر لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 150 ساعة إضافية من أجل إكمال قوات سوريا الديمقراطية لانسحابها مسافة 30 كيلومترًا بعيدًا عن المنطقة الحدودية).

المصدر: الموسوعة الحرة، ويكيبيديا..

وفي 22-10-19 ذهب أردوغان إلى بوطين، في سوتشي، واستضافه الأخير، على قطعة من الآيس كريم، وتم إيقاف العملية بشكل مؤقت، لمدة 150 ساعة، ثم تحولت إلى دائمة!

وبعدها تم تسليم الخط الدولي M4، المار في الجزيرة، إلى النظام، بعد تحريره، من القوات الكردية.

3- اتفاق سوتشي الذي تم توقيعه بين أردوغان وبوطين في 17-9-18 يتضمن كما صرح بوطين:

(قال بوتين بعد انتهاء اجتماعه بأردوغان في منتجع سوتشي الروسي في 17 سبتمبر/أيلول 2018:” قررنا إقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض يتراوح ما بين 15 إلى 20 كيلومترا على طول خط التماس، ابتداء من 15 أكتوبر/تشرين الأول المقبل”.

8 – استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018).

المصدر: BBC في 18-9-18.

4- كلا من تركيا وروسيا، تؤكدان دائماً، أنهما لا تريدان المجابهة العسكرية، وتتخوفان من نتائجها الكارثية، ولكن روسيا لن تتراجع عن تنفيذ شروطها، ومطالبها، بالبلطجية، والعنجهية!

التوقعات المحتمل حصولها، نتيجة لقاء أردوغان، مع بوطين في 5-3-20 في موسكو:

بناء على ما عرضناه من علامات، وسيرة مرضية طويلة، بين تركيا، وروسيا.

فإن التوقعات ستكون على الشكل التالي:

1- وقف عملية درع الربيع، بشكل مؤقت بذريعة إتاحة الفرصة، لانسحاب قوات النظام، من المناطق التي اغتصبتها، في الأيام الأخيرة، كعملية خداعية، إعلامية فقط ، ولن تُنفذ البتة!

2- وقف إطلاق النار، وعمل هدنة مؤقتة، بين الفصائل وتركيا من جهة، وبين قوات النظام وحلفائه من جهة أخرى، وهذا ما يطمح إليه أردوغان:

(الرئيس التركي ما ننتظره من اللقاء مع الرئيس بوتين في موسكو غدا هو وقف اطلاق النار في سوريا).

المصدر: الجزيرة عاجل– وكالة الأناضول عاجل في 4-3-20 الساعة 12:50.

3- وحتى يُقنع بوطين، أردوغان، بوقف عملية درع الربيع، مع استخدام غطرسته، وقوته!

من المحتمل أن يقول له:

أنت بدأت العملية انتقاماً لقتلاك الثلاث وثلاثين جندياً، وها قد قتلت من جنود النظام، عشرات الأضعاف، وثأرت لقتلاك، ثأراً كبيراً، فيكفي ذلك!

4- تثبيت كل طرف، في الأماكن التي وصل إليها، دون أي انسحاب لقوات النظام ولو متر واحد!

5- إبقاء سراقب، تحت سيطرة النظام، لأن عندها تتقاطع الخطوط الدولية M4+M5، وتسليم الطرق الدولية جميعها، للنظام حسب اتفاق سوتشي!

6- التأكيد على محاربة الإرهاب، والقضاء على العصابات الإرهابية، حسب تصور روسيا.

7- التأكيد على الحل السلمي السياسي، في سورية، حسب تصور روسيا!

الأربعاء 9 رجب 1441

4 آذار 20 20

موفق السباعي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close