بعض من محن الناس في بلدي:

أ. د. جواد كاظم لفته الكعبي

بعض من محن الناس في بلدي:

الموظف والمتقاعد العراقي في لعبة الكبار حول النفط وكورونا؟!

قادت سياسات إدارة الاقتصاد الوطني الفاشلة، إلى ارتهان رواتب الموظفين والمتقاعدين في العراق لعائدات إنتاج وتصدير النفط الخام، ودائما ما يصاب هؤلاء الناس بالهلع والخوف كلما سمعوا عن حادث أو إشاعة يمكن لها ربما التأثير على مقدار أو ديمومة انسياب هذه العائدات. وكانت سماء الاقتصاد العالمي صافية حتى يوم الاثنين 9/3/2020، إلا من بعض سُحب قليلة عالية، أحدثها فيروس “كورونا” (انخفاض الطلب على النفط وانكماش النشاط الاقتصادي) القادم من الصين، وهو أمر سبب القلق الكبير لمستهلكي الريع النفطي في بلادنا من خطر داهم لا يدركون حقيقة مصدره ومداه وشدته وآثاره على حياتهم. ما حدث من انهيار لأسعار النفط والبورصات الدولية في ذلك اليوم الأسود يصّعُب فهمه واستيعابه، حتى على المختصين باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي التقليدي:

· الرئيس الروسي، وهو مشغول بإصلاحاته الدستورية الكبيرة وتقوية دولته اقتصاديا وعسكريا وتفاهماته مع “السلطان العثماني!” ودفاعه العسكري الناجح عن سوريا ضد الإرهاب العربي والدولي، يحاول كبح جماح تطور إنتاج النفط الصخري الأميركي، ردا على استخدام الرئيس الأميركي أدوات غير اقتصادية في كبح جماح تصدير الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا عبر خط الأنابيب البحري “نورد ستريم – 2 ” وخط الأنابيب البحري التركي. لقد خسر الاقتصاد الروسي، وحاقت الخسارة بالموظفين والمتقاعدين في بلدي!

· الرئيس الأميركي، وهو مشغول بحروبه الاقتصادية مع الرئيس الروسي والرئيس الصيني وحربه الانتخابية مع الديمقراطيين وتفاهماته مع “طالبان” وعزمه على توظيف مليارات الدولارات للحد من انتشار وباء كورونا في بلاده، يريد أمرين يناقض أحدهما الآخر: الأول، الحفاظ على ريعية إنتاج وتصدير نفطه الصخري (بأسعار ما قبل يوم الاثنين الأسود)؛ والثاني، مواصلة حربه المعلنة على الغاز الروسي (بأسعار ما بعد يوم الاثنين الأسود)، ولكن بخسارته لحربه مع الصين (بأسعار ما بعد يوم الاثنين الأسود)، وخذلان حليفه الأمير السعودي (بكميات وأسعار ما بعد يوم الاثنين الأسود)، وضمان فوزه بصوت الناخب الأميركي عند محطة تعبئة الوقود (بأسعار ما بعد يوم الاثنين الأسود). لقد خسر الاقتصاد الأميركي، وحاقت الخسارة بالموظفين والمتقاعدين في بلدي!

· الأمير السعودي الشاب، وهو مشغول بحربه في اليمن وترتيب بيته السياسي الداخلي وتلميع وجهه الدولي، يريد رفع الإنتاج النفطي بمستويات غير مسبوقة والتخفيض الكبير في أسعار النفط. الأمير أعلن الحرب النفطية الشاملة على الكل باستثناء الرئيس الصيني (المستهلك الكبير للنفط): على الرئيس الروسي (لتقليص صادرات وعائدات النفط الروسي)، وعلى الرئيس الأميركي (لتقليص صادرات وعائدات النفط الصخري الأميركي)، وعلى نفسه وبلاده (انخفاض القيمة السوقية لشركته أرامكو والهبوط المُحتمل لعائدات تصدير نفطه)، وعلى جيرانه القريبين والبعيدين المُبتلين مثله بمرض الريع النفطي ومرض كورونا. لقد خسر الاقتصاد السعودي، وحاقت الخسارة بالموظفين والمتقاعدين في بلدي!

· الرئيس الصيني، وهو مشغول بحربه على وباء كورونا وحربه الاقتصادية مع الرئيس الأميركي وتقوية وتحديث اقتصاده الوطني، يضحك في عبه، وهو الوقور الهادئ وصاحب الابتسامة الخجولة، من حروب الكبار مثله: الرئيس الروسي والرئيس الأميركي والأمير السعودي جميعا، ويزور موطن الوباء يوم أمس الثلاثاء، وكأنه يبعث برسالة اطمئنان إلى الموظفين والمتقاعدين العراقيين وعائلاتهم مفادها: لا تخافوا، أنظروا … أنا هنا في “ووهان” أعمل على إيقاف الوباء حتى لا يؤثر على رواتبكم وحياتكم!

· رئيس مجلس وزراء تصريف الأعمال في بلادنا، وهو عابس الوجه كالعادة وملتحف بعباءته السوداء خوفا من كورونا وشباب ساحات الاحتجاج على مظالم سوء وفساد إدارة الثروة النفطية الوطنية (وغيرها أيضا)، لا يريد زيارة ضحايا كورونا وأهالي ضحايا قمع جيوشه وجيوش ميلشيات الآخرين من النخبة السياسية الحاكمة. هو لا يريد شيئا ولا يعنيه شيئا، هو فقط يريد أن يُسلم راية قيادة البلاد لأحد وجوه هذه النخبة، حتى لو عصفت كورونا وألعاب الكبار ببلده واقتصاده وموظفيه ومتقاعديه!

· رئيس البلاد، وهو موشح بابتسامته الجميلة المعهودة، يبحث في زمن وباء كورونا وحروب الكبار عن مُكلف جديد لرئاسة مجلس الوزراء مع قادة الكتل السياسية، التي أوصلت أطماعهم الشخصية الضيقة وقُصر نظرهم السياسي الموظفين والمتقاعدين وغيرهم في بلادنا إلى حالة، رثى لها الرئيس الصيني بتعريض نفسه لخطر الإصابة بكورونا. رئيسنا الوسيم والأنيق حقا، وهو يبحث الآن في منتجات العملية السياسية ما بعد عام 2003، يريد مُجددا إعادة إنتاج موسعة لإخفاقنا المأساوي في إدارة اقتصادنا ودولتنا!

د. جواد الكعبي

[email protected]

11/3/2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close