تشكيل لجنة عليا للصحة والسلامة الوطنية لمكافحة وباء كورونا..متأخر جداً!

د. كاظم المقدادي

يعتبر الكثير من المهتمين والمتابعين والمحللين لبيانات “خلية الأزمة” وتصريحاتها اليومية لوسائل الإعلام وأرقامها غير الدقيقة، بل والمظللة، بأنها تطمينات تخديرية وخادعة ، ولم تستطع حجب حقيقة إنتشار وباء فايروس كورونا في العراق على نحو خطير،حيث بلغ العراق أعلى معدل وفيات لمرضى فايروس كورونا في العالم، قرابة 10 % ، وتأتي بعده إيطاليا 9.5 % وأيران 7.8 % وإسبانيا 6.8 وبريطانيا 5 %..الخ)..

التدهور الحاصل تتحمل مسؤوليته الأساسية حكومة تصريف الأعمال،ليس فقط لإهمالها وتقصيرها في إتخاذ الأجراءات الوقائية العاجلة والفاعلة،في وقتها، وفي مقدمتها غلق الحدود والأجواء البرية والجوية والبحرية، مع الدول التي إنتشر فيها الوباء، وخاصة إيران،وإجراء الفحوصات التشخيصية الحديثة المطلوبة على نحو جدي للعائدين للعراق من الخارج. وكان يفترض توفر الكوادر العلمية الكفوءة والحريصة للتعامل مع الأزمات والكوارث، وإعداد الكوادرالطبية والتمريضية والفنية والمساعدة الأخرى للتعامل مع المصابين، الى جانب توفر العدد الكافي من المحاجر الصحية الملائمة. وتوفير وسائل إنقاذ المرضى في المستشفيات من أجهزة ومعدات لازمة للطوارئ، وأولها أجهزة الأنعاش الرئوي، وما الى ذلك..

ليس ذلك فحسب،إنما لم تقدم الحكومة الدعم اللازم لخلية الأزمة، ولم تساعدها وتسهل لها لنجاح في مهمتها..

بعد مرور نحو شهرين على إنتشار الوباء، ومرور شهر على تشكيل خلية الأزمة برئاسة وزير الصحة، التي أثبتت عجزها، ولم تنجز سوى نشر توعية بسيطة ومحدودة، والظهور أمام وسائل الأعلام وتقديم تقارير يومية مشكوك في صحتها، وتكرار الوزير والمتحدث الرسمي بإسم وزارة الصحة القوانة المشروخة:” الوضع تحت السيطرة” و ” وضع العراق أفضل من دول متقدمة كثيرة”!!!..حتى ان أحدهم من وزارة الصحة أوحى من على أحدى الفضائيات وكأنه ينتظر ان يموت يومياً المئات من العراقيين بفايروس كورونا، إسوة بإيطاليا، ليعترف عندئذ بان الوضع أصبح خطيرا، وإلا فأنه ” تحت السيطرة” !!

بينما أعلن العديد من الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية بانه لا توجد أي إمكانيات حقيقية لمواجهة الوباء، وحتى الكوادر الصحية والتمريضية يعانون من شحة الوسائل لوقاية أنفسهم من الأصابة.وما يتوفر من أجهزة التنفس الأصطناعي هو 60 جهاز في عموم العراق بينما الحالة تستوجب توفر ما يقل عن الف جهاز.

عقب كل هذا الوقت،وكل التدهور الحاصل في الصحة، عاد رئيس حكومة تصريف الأعمال من “غيابه الطوعي” وكأنه “فاق” من سباته العميق، و ” حس ” على نفسه، و” شعر” بتقصيره حيال مصيبة شعبه، فترأس جلسة مجلس الوزراء الأعتيادية الثانية عشر المنعقدة في 26/3/2020، التي قررت تعديل قرار مجلس الوزراء رقم ( 64) لسنة 2020 بحسب ما يلي(نصاً):

1-تأليف لجنة عليا للصحة والسلامة الوطنية بهدف مكافحة جائحة فايروس كورونا المستجد، تتولى وضع السياسات والخطط العامة والأشراف على تنفيذها، وأخذاالقرارات الرئيسية، وتعزيز التكامل بين الجهات التنفيذية كافة، والتنسيق مع السلطات التشريعية والقضائية، والجهات الدولية ذات الصلة بمكافحة إنتشار الفايروس.وتخول اللجنة المذكورة صلاحيات مجلس الوزراء، وتكون هي الجهة العليا المعنية بمكافحة الفايروس، وترتبط بها جميع الخلايا واللجان والتشكيلات الأخرى ذات الصلة.

2-تكون اللجنة العليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزراء:النفط، والمالية، والتخطيط، والخارجية، والداخلية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتجارة، والصحة، والزراعة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والنقل، والاتصالات،والأمين العام لمجلس الوزراء ومدير مكتب رئيس مجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي ومستشارالأمن الوطني ومستشارين رئيس الوزراء الذين يحددهم، ورئيس هيئة المستشارين ونائب قائد العمليات المشتركة والسكرتير الشخصي للقائد العام للقوات المسلحة ورئيس سكرتارية الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات ورئيس هيئة المنافذ الحدودية وممثل عن أقليم كردستان

ورئيس اللجنة الأستشارية في وزارة الصحة ورئيس سلطة الطيران المدني ورئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الأعلام والأتصالات ورئيس لجنة الأعلام العراقي ورئيس الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء.ولرئيس مجلس الوزراء إضافة أو حذف أعضاء اللجنة بحسب مقتضيات المصلحة العامة.

3–تتولى الجهات الممثلة في اللجنة كل بحسب تخصصها دراسة الاثار كافة المترتبة على انتشار الوباء أو على الاجراءات العلاجية والوقائية لمكافحة الفايروس ورفع التوصيات الى اللجنة العليا للبت فيها.

4- للجنة تأليف خلايا أو لجان فرعية تتكلف بمهمات محددة وترتبط باللجنة العليا.

5-تتولى لجنة الأمر الديواني رقم (55) لسنة 2020 مسؤولية الجوانب العلاجية والوقائية المباشرة وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين.وترفع اللجنة توصياتها الى رئيس مجلس الوزراء للمصادقة عليها.

6– يمنح وزير الصحة صلاحية اجراء المناقلة من وحدة الصرف الى وحدة صرف اخرى بموافقة وزير المالية إنسجاما مع القوانين المرعية…

لو تمعنتم بالقرار جيدا، سيلفت إنتباهكم أمور عديدة.. أشير هنا وبإختصار الى قسم منها:

أولآ-هيمنة رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة وحاشيته،من مدير مكتبه وسكرتيره الشخصي الى مستشاريه، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، على عضوية اللجنة العليا، بينما يمكن الإكتفاء برئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس أركان الجيش ورئيس القوات المشتركة. وتضم اللجنة عدد كبير من الشخصيات التي لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالأوبئة والفايروسات، ولا بإدارة الأزمات والكوارث..

ولا تضم اللجنة علماء وخبراء وباحثين من البيئة والعلوم والتكنولوجيا ومراكز البحوث العلمية المتخصصة، والجامعات وكليات العلوم والطب وأقسام الصحة العامة وطب المجتمع والبايولوجي والكيميا والفارماكولوجي وعلم الأوبئة والفايروسات. وهذه المراكز وكوادرها العلمية والفنية هي

مؤسسات هامة جدا لعملها ولمهماتها.

وقد تضمن قرار تشكيل اللجنة العليا- كما ورد أعلاه- بأنها ستتولى وضع السياسات والخطط العامة،الخ وهذا يعني أنه عمل للمستقبل..ولم يحدد القرار موعد قريب كما تتطلب الحالة الراهنة..

فحتى يتم إقتراح السياسات والخطط ومناقشتها وإقرارها وتنفيذها فان الوباء سيحصد المزيد من المواطنيين، وجثث ضحايا كورونا متكدسة في ثلاجات المستشفيات- كما أعلن النائب السابق حاكم الزامل، وحتى في البيوت(كما بينت وسائل أعلام) لأن المدافن ترفض دفنها بتأثير جهلة ودجالين، وما أعدته الجهات الحكومية كمقبرة لم يحض بموافقة ذوي الموتى لوجود مخالفات دينية فيه..

من جهة أخرى، ما هو موقف اللجنة العليا من العوائل التي ليس لها مورد غير الكسب اليومي، وقد إنقطع رزقها بسبب حظر التجول، وأطفالها تتضور جوعاً.. فهل سيبقى الوضع على ما عليه ؟

وملاكات الصحة من الأطباء والممرضات والمصمدين والفنيين والمعينين، المنهكين، ولا تتوفر لهم حتى وسائل الحماية الشخصية من الأصابة، وقد أصيب العديد منهم بوباء الفايروس..ما الذي تعده اللجنة العليا لهم ؟..

يتوقع الخبراء ان الأمورستصبح أسوأ وأخطر.. وتستلزم معالجات وإجراءات فورية لا تصريحات ولا قرارات تطمينية تخديرية ..

على اللجنة العليا،التي تشكلت متأخرة جداً، ان تعمل ليل نهار، وتجتمع يوميا، وفي كل يوم يتعين ان تتخذ قرارات اَنية وملحة، وتتابع تنفيذها..

لو تأخذ اللجنة العليا ورئيسها مثال ما يفعله الرؤساء والقادمة في العالم..

وإلا ستحصل الكارثة وتداعياتها الصحية والأجتماعية وستتعمق !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close